_

منبر الحوار الوطني من أجل قانون أحزاب عصري

تحت عنوان: «من أجل قانون أحزاب عصري»،  تتابع «قاسيون» هذا الملف مع الاستاذ  فيصل يوسف عضو اللجنة العليا بالتحالف الديمقراطي الكردي في سورية.

نحو قواعد جديدة للمشاركة السياسية في البلاد

إن المتتبع لتاريخ سورية الدولة، بعد تخلصها من الحكم العثماني، يلحظ بوضوح مدى تعشق أبناء الشعب السوري وشرائحه الاجتماعية  والإثنية والدينية.. للمشاركة في الحياة السياسية وتميزهم بالعمل من أجل تبوإ بلادهم الموقع اللائق به في مصاف الدول المتحضرة.

لقد كانت سورية من أوائل الدول  التي عملت بالدستور والقوانين بعد نشأتها مباشرة. ففي 7 آذار عام 1920 م، سُن القانون الأساسي للمملكة السورية العربية الذي وضعه المؤتمر السوري ونص على حقوق الأفراد والجماعات واعتبر أن السوريين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، كما شمل على مواد تنظم الحياة العامة في البلاد وصدر دستور عام 1928 م ليؤكد نفس الغايات من حيث تمتع المواطنين بحقوقهم المدنية والسياسية سواسية، وكذلك ما عليهم من الواجبات والتكاليف ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أوالأصل أو اللغة ، وهذا ما نصت عليه المادة السادسة من الدستور المذكور، ولم تخل الدساتير اللاحقة من هذه الحقوق بل خصصت فقرات عديدة لكيفية تأسيس الجمعيات و الأحزاب وطريقة عملها وبقي الأمر كذلك إلى حين إعلان الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة وإصدار قرار بقانون في 12/3/1958م بشأن حل الأحزاب والهيئات السياسية في الإقليم السوري كما حُظر تكوين أحزاب أو هيئات سياسية جديدة وكان ذلك ضربة قاصمة للتطور الديمقراطي المتصاعد في سورية وتحجيم لمؤسسات المجتمع المدني التي كانت في طور التكوين في تلك المرحلة.

وفيما بعد لم يصدر قانون لتنظيم الأحزاب بل نصت المادة الثامنة من دستور عام 1973 م على أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب في خدمة أهداف الأمة العربية وترجمة لذلك أعلن  عن تشكيل (الجبهة الوطنية التقدمية الحالية) من عدة أحزاب شيوعية  وقومية بقيادة حزب البعث أما القوى السياسية الأخرى والتي كانت تعبر عن وجهات نظرها بشكل مختلف فقد حظرت نشاطاتها.

لقد مضى زهاء نصف قرن على تجربة الجبهة الوطنية الحاكمة وبات يتشكل شبه إجماع يطالب بضرورة وضع قواعد جديدة للعمل السياسي في البلاد يُعبر عنها بقانون عصري يمكن المواطن ويحفزه للخروج من حالة اللامبالاة والغربة والإحباط وعدم الاهتمام بالشأن العام ما عدا استثناءات هنا أو هناك على المستوى النخبوي وذلك لأسباب ذاتية وموضوعية ستكون واضحة للعيان إن جرى تقييم لتجربة العمل السياسي خلال العقود الأخيرة والتي تمثلت في حالة السماح لأحزاب الجبهة المذكورة فقط بالمشاركة السياسية.

ويكفي النظر لواقع هذه الأحزاب ومدى تأثرها بالحالة الناشئة بين صفوف الجماهير ليتبين أنها الآن لا تملك سوى البعض من كوادرها القديمة والتي أنهكتها حالات الانقسام والتشرذم ومقاعدها السلطوية.

إن الظروف الراهنة داخل البلاد وفي العالم المحيط بنا تفرض واقعاً جديداً يتطلب التعامل والتفاعل الإيجابي معه والأخذ بعين الاعتبار بأن ما كان صائباً في الماضي لم يعد الآن مثله، سواء على مستوى المفاهيم أو المقولات أو المصطلحات السياسية وحتى مبادئ المركزية الديمقراطية التي تعمل بها معظم الأحزاب الوطنية تتعرض الان للنقد بهدف تطويرها أو إيجاد بدائل مناسبة تتلاءم ومتطلبات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في ظروف العولمة الزاحفة وانعكاساتها اليومية  على حياة الناس، وبحيث بات من الصعوبة إن لم يكن من المستحيل إلغاء الآخر من الحياة العامة وإن من الحكمة «تعميق ثقافة الاعتراف المتبادل في إطار الكل الوطني دون إلغاء خصوصية الجزء ووجهه المستقل وحفاظه على حقه بالاختلاف والتميز على قاعدة الاحترام المتبادل بالحوار الأخوي الهادئ ومن منطلق تعزيز الوفاق والتلاحم الوطني وصيانة الوحدة الوطنية».

إن بلادنا أحوج ما تكون لعملية إصلاح سياسي واقتصادي وثقافي من خلال إشراك الإمكانات والطاقات الكامنة لدى جماهير الشعب السوري وهذا لا يتم إلا بانتخابات نزيهة تضمن للأفراد والجماعات والقوى السياسية ممارسة حقها بعيداً عن أساليب التخويف المادي والمعنوي وخلق المناخات وذلك عبر:

1. إلغاء الأحكام العرفية المعمول بها منذ عقود عديدة.

2. إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والتعويض لهم بما لحق بهم من أضرار.

3. إلغاء نتائج الإحصاء الاستثنائي الخاص بمحافظة الحسكة عام 1962 م وإعادة الجنسية للمجردين منها.

4. تعديل قانون الانتخابات المعمول به بحيث تخفض مجال الدائرة الانتخابية ضمن المحافظة الواحدة إلى عدة دوائر وإلغاء الفئات من مسألة الترشيح وشمل الجميع بالبطاقة الانتخابية وتسهيل منحها للمواطنين وإبعاد كل ما يوحي بالخوف لدى الناخب في عملية التصويت.. وتقديم الدعم اللازم للمرشحين سواسية.

5. إصدار قانون للأحزاب السياسية يأخذ بعين الاعتبار:

■ إن سورية لجميع السوريين دون استثناء والسماح لجميع المواطنين التمتع  بالعضوية الكاملة للمجتمع السياسي واعتبارهم متساوين في الحقوق والواجبات حيث يتمتع كل فرد منهم بحقوق والتزامات مدنية وقانونية متساوية كما تتوفر ضمانات وإمكانيات ممارسة كل مواطن لحق المشاركة الفعالة وتولي المناصب العامة.

■ يلتزم كل حزب بنظام داخلي ديمقراطي وغايات وطنية مشروعة ووسائل سلمية في نضالاتها اليومية من أجل تحقيق أهدافها المعلنة.

■ فصل الدين عن الدولة بشكل مطلق وتكريس علمانيتها ثقافة وممارسة.

■ أخذ التعددية الثقافية ومكونات المجتمع السوري بالاعتبار وعدم إيجاد  الذرائع لإلغاء ما هو موجود  على أرض الوطن تحت أي حجة كانت.

■ تقديم الدعم اللازم  لجميع الأحزاب وعدم التمييز بينها إلا بمقدار ما يحصلون عليه من أصوات الناخبين والتي تؤهلهم للسلطة التنفيذية.

■ الفصل الدقيق بين السلطات الثلاث في الدولة وإيلاء الاهتمام بالإعلام كسلطة رابعة  بإفساح المجال أمام الصحافة وأصحاب الرأي والأقلام الحرة وتعديل قانون المطبوعات الحالي بما يواكب ذلك.

إننا نعتقد جازمين بأن قوننة الحياة العامة وتعزيز مشاركة المواطنين بإصدار التشريعات الناظمة لها واحترامها هو السبيل الناجح والضمانة الأكيدة لمعالجة القضايا الراهنة في البلاد وبالتالي إدارة أوجه الاختلاف ديمقراطياً ليأخذ كل دوره من أجل تعزيز مكانة الوطن ووضعه على سلم الارتقاء وإن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي شرعنة العمل الجماعي الحزبي والنقابي وجميع منظمات المجتمع المدني وتوظيف الإعلام الحر والرأي العام الواعي.

■ فيصل يوسف

 عضو اللجنة العليا بالتحالف الديمقراطي الكردي في سورية

نحو تعددية حقيقية  وتعديلات دستورية تكرس هذه التعددية

نحوعصر جديد تتفتح فيه العقول وتتفجر فيه الطاقات والإمكانيات

وفي الاطار ذاته ننشر مقتطفات مطولة تحت عنوان  «الحياة الحزبية في سورية وقانون الأحزاب» للكاتب والباحث د.  عاطف صابوني بالاتفاق معه

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول اقتراب صدور تشريع جديد ينظم الحياة الحزبية في سورية وان هذا التشريع هو قيد الدراسة حالياً ويمكن أن يعلن خلال الأشهر القليلة القادمة. ورغم ورود هذه الأحاديث نقلا عن بعض المطبوعات والشخصيات المقربة من السلطة فان تكتماً شديداً يمارَس على الشكل والمضمون الذي سوف يصدر على أساسه ويخشى العديد من المهتمين من أن يتم صدوره بالشكل الذي أتى عليه قانون المطبوعات الأخير والذي اعتبره الكثيرون تقييدا أكثر منه تنظيما وقوننة.

لقد عاشت سورية منذ بدايات القرن المنصرم حياة حزبية غنية وعريقة ترافقت مع انتشار واسع للجمعيات والمنتديات التي اهتمت بالشأن السياسي الداخلي والإقليمي بشكل مباشر ومنذ العشرينات تواجدت الأحزاب بشكل فاعل داخل سورية.

وتحدث الكاتب أن سورية عاشت خلال الفترة الممتدة منذ الثلاثينات وحتى إعلان الوحدة في 22/2/1958 فترة هي الأخصب في تاريخها السياسي.. والآن ومع قدوم العهد الجديد ومنذ خطاب القسم ظهرت مؤشرات جديدة في تعامل السلطة السياسية مع المجتمع وتجاوبت المعارضة السياسية بكل أطيافها وبدأت حراكاً سلمياً وديمقراطياً وعلنياً، فطرحت البرامج والمقترحات، ونشطت حركة المنتديات وبدا للجميع في حينه أن هواء نقيا بدأ يتسرب إلى داخل فضاء الحياة السياسية في سورية وترافقت هذه الحركة مع بدء استعادة الشارع السوري عافيته من خلال حركة التضامن الشعبية عبر التظاهرات والاعتصامات التي عبر فيها الشارع السوري بحرية عن تضامنه مع محنة أهلنا في فلسطين.

ورغم وجود تيار قوي يشد البلاد إلى ما كانت عليه سابقاً، ورغم استطاعة هذا التيار تحقيق العديد من الانتصارات على تيار الإصلاح والتحديث وذلك عبر إغلاق معظم المنتديات ومحاكمة العديد من النشطين وزجهم داخل السجون رغم ذلك كله؛ فإن الجميع يقر بان عودة عقارب الزمن أمر مستبعد تماما.

واليوم فان الحديث كثر عن قرب صدور قانون جديد لتنظيم الحياة الحزبية داخل سورية، لكن الصورة التي سيظهر عليها هذا القانون ما زالت تحكمها عقلية التكتم والسرية والتكهنات. وعلى أية حال فان أي قانون سيصدر لن يضيف شيئا إلى ما هو موجود إذا لم يؤسس لتعددية حقيقية في البلاد وهو لن يكفي إذا لم يترافق مع تعديلات دستورية تكرس هذه التعددية كما انه (أي القانون المنتظر) لن يضيف ولن ينقص شيئا في ظل قانون الطوارئ و حالة الأحكام العرفية المعلنة منذ عقود هذا من الناحية العامة.

وإذا أردنا الدخول في التفاصيل أكثر فان صيغة الجبهة الوطنية التقدمية لا يمكن أن تمثل بأي حال من الأحوال وفق أية صيغة من الصيغ شكلا لهذه التعددية سواء من حيث التكوين والميثاق أو من حيث التمثيل والتوازع أو من حيث الدور وآلية اتخاذ القرار, وهي وإذا كان لا بد من استمرارها فانه يمكن قبولها كشكل من أشكال التحالف السياسي الذي يمكن أن يوجد في الكثير من الدول الديمقراطية وهو تحالف غير ملزم ويقبل بوجود الآخرين خارج إطاره فرادى أو ضمن تحالفات أخرى. والجبهة الوطنية التقدمية القائمة حاليا أصبحت تمثل حالة متطابقة ولا تمثل تعددية بأي حال من الأحوال ويمكن أن تتحول إلى حالة حزبية موحدة جديدة تضم معظم أو جميع هذه الفصائل المتطابقة موقفا وتركيبة وتفكيرا كما حصل للعديد من الجبهات الوطنية في دول أوروبا الشرقية (سابقاً) حيث اندمجت أحزاب جبهاتها ضمن هيكل الحزب الحاكم.

الأمر الثاني الذي يمكن الحديث فيه في التفاصيل هو اشتراط أي قانون مقترح في ترخيصه لأي حزب لمبدأ الخيار الديمقراطي ونبذ العنف وهو اشتراط لا بد منه لحياة ديمقراطية سليمة وينبغي أن يتجسد هذا المبدأ من خلال أهداف وبرامج جميع الأحزاب طالبة الترخيص وان يكون مكرسا من خلال مؤسسات هذه الأحزاب ومؤتمراتها كما ينبغي أن يتم التأكيد على مسألة الوحدة الوطنية والانتماء القومي وعدم التناقض مع هاتين المسألتين الحساستين.

ومن العناصر الأخرى في التفاصيل فان أي حزب ينبغي أن يمثل في عقيدته وتركيبته أبناء الوطن كافة بعيدا عن أي انتماء عشائري أو مذهبي أو ديني أو مناطقي وان تكون ساحة عمله وتأثيره الوطن بأكمله وان يتجسد هذا الانتماء أيضا من خلال أن تتضمن مبادئه ولوائحه الداخلية رفض أية معونات خارجية (إلا وفقاً للقوانين وبعد موافقة الجهات المختصة).

ومن المواضيع الهامة والحساسة الأخرى التي ينبغي أن يعالجها القانون المنتظر هو علاقة هذه الأحزاب بالجيش, فالجيش مهمته الدفاع عن حياض الوطن وعن النظام الديمقراطي وهو كرامة الوطن وينبغي إبعاده بشكل كامل عن السجالات والمنازعات الحزبية وقد رأينا من خلال استعراضنا لبعض محطات تاريخ الحياة الحزبية في سورية أن الخلافات الحزبية تحولت من خلال تدخل الجيش إلى الدبابات والمدافع والطائرات بدل صناديق الاقتراع ورأي الشارع, وهذا الأمر كما ينطبق على الجيش فانه يجب أن ينطبق على باقي مؤسسات الدولة وبشكل خاص الإعلام الوطني، وهي أيضاً ملك للوطن ويتم تمويلها من الضرائب التي يدفعها كل المواطنين بكل اتجاهاتهم وهي بالتالي يجب أن تعبر عن الجميع وان تساهم في تعميق الوعي الديمقراطي وان لا تنحاز إلى أي حزب أو تيار مهما بلغ قربه أو بعده من مواقع السلطة والقرار السياسي وهذا الأمر يشمل كل أشكال الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب.

كما يجب أن ينطبق هذا المبدأ على المؤسسة التربوية والتعليمية أيضاً، والتي ينبغي أن تبنى مناهجها على حب الوطن والانتماء إلى الأمة العربية وان يدرس فيها تاريخ الحضارة العربية والإسلامية وان يتم التعرض إلى الثقافات والأفكار بحيادية دون أن تتحول هذه المؤسسة الهامة جدا إلى منبر دعاية لحزب أو تيار دون آخر.

وهذا الأمر ينطبق على كل المؤسسات الوطنية بما فيها دور العبادة ولكل الديانات والتي عليها أن تكرس الوحدة الوطنية والانتماء الحضاري للعروبة والإسلام والإنسانية، وان تمارس دورا فعالا في التقريب بين المذاهب وفي الحوار بين الأديان بعيداً عن أي شكل من أشكال الدعاية والترويج لأي تيار كان، فالوطن والأمة هما سقف كافة هذه المؤسسات ولا يجوز وضع أي سقف آخر حزبي أو فئوي أو عشائري.

هذه هي أهم العناصر التي يمكن أن يحتويها قانون عصري جديد للأحزاب بات الوطن بأمس الحاجة إليه للانتقال بسورية إلى عصر جديد تتفتح فيه العقول وتتفجر فيه الطاقات والإمكانيات, وللتطبيق السليم لهذا القانون لا بد من مؤسسة مرجعية للإشراف على تطبيقه ولا بد أن تكون هذه المرجعية مستقلة وبعيدة عن الوصاية والتأثير ويمكن أن تكون هذه الجهة المستقلة هي القضاء العادل وان تضع هذه الجهة ضوابط وعقوبات على أية مخالفة أو تجاوز لأي من مواد هذا القانون وان تدلي برأيها حول أي نزاع أو خلاف ينشب حول تفسير هذه المواد.

 

■ د.  عاطف صابوني