تركيا.. وأسئلة الانقلاب

تركيا.. وأسئلة الانقلاب

واكبت وسائل الإعلام الحدث التركي من خلال العديد من القراءات، السطحية، والمضللة، والمشوهة، غطت من خلالها كعادتها، على ما هو جوهري وعميق، في  محاولة الانقلاب التي جرت في هذه الدولة، ومعناه، ودلالاته، حيث بات يتوقف، الآن وإلى حد ما، اتجاه سير عموم الوضع الإقليمي على اتجاه تطور الأحداث في تركيا، وعلاقة ذلك بالتوازن الدولي، بما يعنيه هذا الأخير في الإسهام بتحديد اتجاه تطور الأحداث عالمياً.

 

إن قراءة متأنية، ومسؤولة عن محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، تقودنا إلى استنتاجات عديدة:

 أولاً: إن تركيا ما بعد الانقلاب، لن تكون تركيا قبل الانقلاب، بمعنى أن، الوزن الجيوسياسي لهذه الدولة أمام تحد كبير، وأن الدور السابق الذي استمر على مدى عقود في شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، قد انتهى! فما جرى هو ليس مجرد صراع على السلطة، ولا هو حدث داخلي تركي، ولا هو صراع بين العلماني والإسلامي، وما إلى ذلك من قراءات حفلت به البروباغندا التي واكبت الحدث.

ثانياً:  كان واضحاً أن تركيا حبلى، بتطورات نوعية، حيث وصل نموذج النظام السياسي التركي إلى طريق مسدود، ومرد ذلك هو فشل خيارات تركيا السياسية خلال السنوات الخمس الماضية: السير في العلاقات الدولية عكس اتجاه التوازن الدولي الجديد، خلافات حادة مع معظم دول الجوار الإقليمي، تناقضات سياسية بين القوى السياسية التقليدية، بما فيها تناقضات بين أقطاب حزب العدالة والتنمية، توتير الملف الكردي في البلاد، تراجع نسب النمو الاقتصادي، الفشل في دخول الاتحاد الأوربي.. إلخ. وجاء الانقلاب «العتيد»، ليظهر تأثير ذلك كله بالملموس، وصولاً إلى السؤال عن هوية تركيا.

ثالثاً: تشير التقارير إلى أن، ديون تركيا تبلغ 403 مليار، وأن عليها خلال ثلاثة أشهر تسديد 132 مليار كديون عاجلة، في حين يبلغ الاحتياطي النقدي 103 مليار دولار فقط، مما يعني أن النموذج الاقتصادي التركي هو الآخر كشف عن بؤسه وعجزه عن مواكبة التطورات العاصفة التي تحيط بتركيا، وأن تركيا رغم كل ما قيل عن نموذجها الاقتصادي كانت على وشك انهيار اقتصادي.

رابعاً: جاء الانقلاب ليضيف تناقضات جديدة على قائمة التناقضات داخل المشهد السياسي التركي، حيث تجلى بالملموس الانقسام في جهاز الدولة، وخصوصاً ضمن عمودها الفقري «الجيش» وعموم منظومة القوة، من استخبارات وشرطة وغيرها، مما يعني بمقاييس الدولة التركية، أن أهم أدوات ضمان وحدة البلاد، ورموز قوتها، يتراجع دورها ووزنها، وتتصدع. ومما يزيد الأمر خطورة، أن هذا الانقسام قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، ويدفعه إلى مستويات خطيرة، لاسيما وأن صعود دور الإسلام السياسي كان قد وضع منذ ما يقارب العقد ثنائية، «علماني– إسلامي» على بساط البحث. 

خامساً: إن هذا التناقض الجديد، مضافاً إلى التناقضات السابقة في دولة مثل تركيا، تقع في القلب من خريطة الفوضى الخلاقة الأمريكية، وبتركيبتها الديمغرافية، قومياً، وطائفياً، ينذر بزلزال إقليمي، وعالمي، وخصوصاً إذا استطاع المركز الفاشي العالمي الدخول على خط الأزمة، وتفعيل التناقضات، سواء أكانت القديمة منها أم الجديدة، الحقيقية منها أم الوهمية.

سادساً: إن نموذج الدولة التركية، الذي ينتمي إلى مرحلة الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وتم تطعيمه لاحقاً بالإسلام السياسي، والذي استطاع أن يقوم بأدوار وظيفية في بعض المراحل لصالح المركز الامبريالي العالمي، والذي كان «الناتو» جزءاً من بناه العسكرية، هذا النموذج استنفد دوره التاريخي.

سابعاً: إن الظن بأن هناك طرفاً منتصراً في تركيا، ما هو إلا تعبير عن سذاجة سياسية، فتيار الإسلام السياسي– الأردوغاني، بخياراته الرعناء، وبمحاولات اللعب في هوامش التوازن الدولي الجديد، والإمساك ببعض الأوراق، والاستثمار فيها للحفاظ على الدور الإقليمي انتهى، حتى وإن بدا منتصراً في اللعبة الانقلابية، حيث دخل على أثرها في مواجهة مع قطاعات شعبية ورسمية واسعة، ترجح بعض الآراء أنها استدراج أمريكي إلى ردود أفعال محددة سمتها اللاعقلانية بما يعمق الانقسام التركي، ويدفع البلاد نحو المجهول، تماشياً مع الاستراتيجية الامريكية بإشعال المحيط الجيوسياسي للقوى الدولية الصاعدة، وتحديداً روسيا والصين. 

ثامناً: يمكن الجزم بأن تركيا دخلت المرحلة الانتقالية، التي تفصل بين موت القديم، وولادة الجديد. والسؤال هو: ما هو الجديد؟ وهذا ما ستجيب عنه حقيقة التوازنات الداخلية التركيا، وطريقة إدارة الأزمة، من قبل القوى السياسية والنخبة التركية.

دول التشوه الولادي

كانت الولادة المشوهة، السمة المشتركة لدول الشرق والكيانات السياسية التي تشكلت بعد تفكك الامبراطورية العثمانية، حيث طعمت خرائط هذه الدول بفايروسات مديدة التأثير، على يد مكاتب الهندسة السياسية الغربية الاستعمارية. ومع عجز الدولة الوطنية عن إنجاز مهامها التاريخية، بقيت دول هذا الفضاء كلها عرضة للهزات والاختلالات والتصدعات. وإن التذكير بهذه الحقيقة التاريخية يأتي ليؤكد حقيقة أخرى مفادها: أن هذه الدول بلا استثناء، لن تكون بمنجى من الهزات الارتدادية في المراكز الرأسمالية، وإذا أرادت نخبها السياسية الإبقاء على دولها، فإنها مدعوة بالدرجة الأولى، إلى تغيير المسار التاريخي لها، الذي اتسم بالتبعية للمركز الرأسمالي الغربي، وإلى الاستفادة من الفرصة التاريخية، التي يوفرها التوازن الدولي الجديد، والانعطاف شرقاً. فبمقدار البعد عن أجندات المشروع الرأسمالي الغربي الحالي، تتكون الإمكانية للتخلص من التشوه الولادي الذي لازم هذه الدول منذ سايكس- بيكو، لاسيما وأن الانعطاف الحاد الذي يمر به المجتمع البشري، على خلفية أزمة الرأسمالية العالمية، لم يعد يسمح بالوقوف على الحياد، ولا بمسك العصا من الوسط، ولا بالمناورات.

من الجدير بالذكر، أن «قاسيون» في عددها الصادر يوم الأحد، 2 آب 2015، أي قبل عام تقريباً، وفي سياق مواكبتها، لتطورات الوضع التركي، كانت قد تنبأت بأن أمام تركيا خياران لا ثالث لهما:

• إما القبول بقانونية التوازن الدولي والانخراط في الحلول السياسية لملفاتها الداخلية، وبالدرجة الأولى القضية الكردية على أساس الاعتراف بحق تقرير المصير، والملفات الإقليمية، وبالدرجة الأولى الملف السوري، والكف عن دعم جماعات الإرهاب الديني بتسمياتها المختلفة.  

• أو التماهي مع القوى الفاشية العالمية، الأمر الذي يعني من جملة ما يعني إنهاء تركيا كدولة.