هل ستساهم واشنطن في «تحرير برلين» مجدداً؟!

هل ستساهم واشنطن في «تحرير برلين» مجدداً؟!

يحتل الحديث عن «تدخل/احتلال/غزو/وجود/تصعيد» عسكري روسي، موقعاً أساسياً ضمن الحديث الإعلامي والسياسي المتعلق بالأزمة السورية. وكما العادة، تحاول الأطراف المختلفة الاستثمار بالموضوع كل وفقاً لمصالحه وغاياته، ما يدفع هذه الأطراف، والمتشددة منها خصوصاً، إلى محاولة «تفصيل» الخطوة الروسية على قياسها، وإقناع الناس بذلك!

إذاً فما هي حقيقة الأمر؟ ينبغي بداية تحييد التوصيفات المفضوحة والجاهزة التي تطلقها قوىً مستهلكة سياسية وشعبياً، كالقول باحتلال أو غزو روسي، وقبله باحتلال إيراني وهكذا دون أن تلتفت هذه القوى ولو للحظة إلى التدخل الأمريكي والتركي والسعودي وحتى «الإسرائيلي»، المباشر وغير المباشر، وبين هذه القوى ائتلاف الدوحة وأشباهه.
ينبغي أيضاً تحييد جملة الأكاذيب الكثيفة التي تطلقها مواقع الكترونية وشخصيات «معارضة» و«موالية» على حد سواء عن عملية عسكرية روسية هنا وعملية هناك، عن عسكر روس يقاتلون في المنطقة الفلانية وآخرين في المنطقة العلانية.. وإلخ.
ضمن عمليات التحييد هذه، ينبغي تذكرّ أمر في غاية الأهمية هو أنّ أول من أطلق الحديث الإعلامي عن «تصعيد عسكري روسي في سورية» هو موقع «إسرائيلي».
أهم من ذلك، وبما أنّ تحصيل المعطيات الدقيقة على الأرض لن يكون في متناول عموم السوريين بالقدر الكافي لبناء تحليل متكامل، فإنّ فهم الظرف السياسي العام والدوافع المختلفة للخطوة الروسية، يسمح بفهم حدودها ومغازيها بعيداً عن الاستثمار السياسي الضيق للمتشددين في الطرفين.
انتهاء داعش مسألة وقت قصير
إنّ فهماً جدياً للسلوك الروسي في سورية، لا يمكن تحصيله بالانغلاق على ساحة الصراع السوري، بل يمكن الوصول إليه فقط في حال انطلقنا من ساحة الصراع الكبرى، العالمية، وصولاً إلى الساحة السورية كإحدى الساحات الأساسية لهذا الصراع.
إنّ ما تحدثت عنه «قاسيون» منذ مطالع القرن الحالي، حول الأزمة العامة للرأسمالية، وما ستنتجه من تراجع إلزامي للقطب الواحد الذي سيحاول منع التراجع هذا عبر جملة من الحروب، قد أثبت صحته بما لا يقبل أي جدل. كذلك فإنّ ما تحدثت عنه «قاسيون» باكراً من أنّ توازناً دولياً جديداً يسعى لإرساء مركباته المختلفة (الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية) ضمن عملية الصراع القائمة، تثبت صحته وتتعزز.
إنّ القطب الجديد المضاد لواشنطن وللغرب، اشتغل طوال السنوات الخمس الماضية على عملية امتصاص وتطويق النزعة العدوانية الأمريكية، وسمته الأساسي في ذلك هو العمل على دفع الإمبريالية الأمريكية نحو شكل من أشكال «الانهيار بالمكان» بحيث يجري التراجع الأمريكي بأقل الخسائر الممكنة بالنسبة للأطراف المنافسة المقابلة وفي مركزها دول بريكس وروسيا تحديداً.
يمكن القول أنّ هذه السياسية قد نجحت جزئياً في تحقيق غاياتها، ولكنها لمّا تصل إلا نهاياتها المطلوبة بعد، وفي ظل استمرار واشنطن بتوظيف الفاشية الجديدة: (داعش في منطقتنا مع توسيعها باستمرار لتغزو مناطق أخرى، والقطاع الأيمن في أوكرانيا، والنازيين الجدد في دول أوروبية عديدة، وحالات أخرى مشابهة)، فإنّ رفع مستوى المجابهة لمشاريع واشنطن تحول إلى ضرورة لا محيد عنها، وبخاصة أن هذه الضرورة هي في الوقت نفسه إمكانية واقعية على أساس التراجع الأمريكي المستمر والعجز المتعاظم عن حماية المعايير المزدوجة التي تتعامل واشنطن مع ظواهر الإرهاب والفاشية الجديدة على أساسها.
إنّ انتقال روسيا اليوم إلى التهديد بمحاربة داعش بمعزل عن الأمريكي وما نراه من تداعيات هذا التهديد من تدحرج المواقف السياسية الغربية يثبت أنّ الدور الوظيفي لداعش قد استنفد بالمعنى التاريخي، ليس لأنه وصول إلى نهاياته المطلوبة أمريكياً، بل لأن الطريق قد سد في وجهها في ظل التوازن الدولي الجديد وغدت مسألة الإجهاز النهائي عليها مسألة وقت قصير، ما يدفع إلى التنبؤ بأنّ واشنطن ستسارع إلى دخول المعركة الجدية مع داعش بعد مراحل متتالية من دعمها وادعاء الحرب ضدها كذباً ونفاقاً، كما كان الأمر تماماً مع إنزال النورماندي ومن ثم الاشتراك في تحرير برلين بعد أن ثبت أنّ السوفييت سيدخلونها على أي حال.