كيف نعلّم الأطفال المفاهيم العلمية بحسب فيغوتسكي؟
 ليف فيغوتسكي  ليف فيغوتسكي

كيف نعلّم الأطفال المفاهيم العلمية بحسب فيغوتسكي؟

كتب عالِم النفس والتربية السوفييتي ليف فيغوتسكي في كتابه «التفكير والكلام»، 1935، فصلاً عن «تطور المفاهيم العلمية في الطفولة»، حيث أشار إلى أنّ «تطوير المفاهيم العلمية لدى الطفل في سن المدرسة هو في الأساس مسألة عملية ذات أهمية كبيرة لمهمة المدرسة في تعليم الطفل نظام المفاهيم العلمية. ومع ذلك، فهي أيضاً قضية ذات أهمية نظرية هائلة. إنّ البحث في تطوير المفاهيم العلمية (الصحيحة) سيوضح حتماً القوانين العامة الأساسية والأساسية لتشكيل المفهوم».

تعريب وإعداد: د. أسامة دليقان

كان هذا البحث الذي أجراه شيف بشكل أساسي دراسة مقارنة لتطور المفاهيم العلمية واليومية لدى الأطفال في سن المدرسة. وكانت مهمة شيف الأساسية هي إجراء تقييم تجريبي لفرضيتنا بما يتعلق بالخصائص الفريدة لتطور المفاهيم العلمية على عكس المفاهيم اليومية.

من فرضيات وتجارب فيغوتسكي

نمت محاولة دراسة التطور الفعلي لتفكير الطفل في سياق التدريس المدرسي من عدة فرضيات أساسية: (1) إنّ المفاهيم أو معاني الكلمات بشكل عام، تمرّ بعملية تطوّر. (2) لا يتم تعلم المفاهيم العلمية في شكلها النهائي، فهي تتطور أيضًا. (3) النتائج المستندة إلى دراسة المفاهيم اليومية لا يمكن تعميمها على المفاهيم العلمية. (4) يجب دراسة المسألة ككل بشكل تجريبي.
وباستخدام تجارب عبر سلسلة من الصور، تم إخبار الأطفال المُختبَرين بقصة يتم إنهاؤها بجزء جملة مقطوع عند كلمة «بسبب» أو «بالرغم من».. من أجل تحديد مستويات التفكير الواعي في العلاقات بين السبب والنتيجة وعلاقات التضمين مع كل من المواد العلمية والعامة.
وتم اختبار الأطفال لإكمال جمل مثل: «ذهبت كوليا إلى السينما لأن ...»، «غادر القطار مساره لأن ...» أو «لا تزال الفتاة تقرأ بشكل سيء، على الرغم من...». وبناءً على هذا النموذج، تم أيضاً بناء العديد من المسائل باستخدام مواد من البرامج التعليمية لأطفال الصفين الثاني والرابع (الابتدائي).

الفرق بين المفهوم «العِلمي» و«اليومي»

أشارت بياناتنا ونتائجنا إلى أنّ ضعف المفهوم اليومي يكمن في عدم قدرته على التجريد، وعدم قدرة الطفل على العمل عليه بشكل إرادي. عندما تكون الإرادة مطلوبة، يتم استخدام المفهوم اليومي بشكل غير صحيح. في المقابل، يكمن ضعف المفهوم العلمي في «لفظيّته»، في تشبّعه غير الكافي بالملموس. هذا هو الخطر الأساسي في تطوير المفهوم العلمي. تكمن قوة المفهوم العلمي في قدرة الطفل على استخدامه بطريقة إرادية، في «استعداده للعمل». تبدأ هذه الصورة بالتغيّر بحلول الصف الرابع؛ تبدأ اللفظية للمفهوم العلمي في الاختفاء حيث تصبح أكثر واقعية بشكل متزايد. هذا له تأثيره على تطوير المفاهيم العفوية أيضاً. وفي النهاية، يبدأ المنحنيان التطوّريان في الاندماج (شيف 1935).

فيغوتسكي ينتقد التَّلقين و«البصم»

في علم نفس الطفل المعاصر، نجد موقفين. الأول، يقول بأن المفاهيم العلمية ليس لها تاريخ داخلي خاص بها، وأنها لا تخضع لعملية تطوُّر بالمعنى الحقيقي للكلمة، بدلاً من ذلك، يتم تعلمها أو تلقيها في شكل جاهز مكتمل من خلال عمليات الفهم والتعلم والاستيعاب، ويتم تبنيها من الطفل الذي يستقيها بشكل مكتمل من مجال تفكير الكبار. ورغم أنّ هذا الاتجاه في علم نفس الطفل المعاصر، ظل حتى وقت قريب الأساس لبناء معظم نظريات وأساليب التدريس المدرسي، لكن حتى النقد العلمي الأكثر بدائية يظهر بوضوح أنّ هذه الرؤية غير ملائمة نظرياً وعملياً... فعلى الأقل من البحث التجريبي، توضح التجربة التربوية أن التوجيه المباشر في المفاهيم أمرٌ مستحيل، إنه غير مثمر من الناحية التربوية.
المعلم الذي يحاول استخدام هذا النهج لا يحقق شيئاً سوى التعلم الطائش للكلمات، واللفظية الفارغة التي تحاكي أو تقلد وجود المفاهيم لدى الطفل. في ظل هذه الظروف، لا يتعلم الطفل «المفهوم» بل «الكلمة»، وهذه الكلمة يأخذها الطفل من خلال الذاكرة بدلاً من التفكير. تبيّن أنّ هذه المعرفة غير كافية في أي تطبيق مفيد. هذا النمط من التعليم هو الخلل الأساسي في أساليب التدريس اللفظية المدرسية البحتة التي تمت إدانتها عالمياً. إنه يقوم بإحلال تعلم المخططات اللفظية الفارغة والميتة بدلاً من إتقان المعرفة الحية.

فيغوتسكي منتقداً بياجيه

من وجهة نظر جان بياجيه، فإنّ المفاهيم غير التلقائية للطفل (المفاهيم التي تشكلت تحت تأثير البالغين المحيطين بالطفل) لا تعكس خصائص تفكير الطفل بقدر ما تعكس مستوى وشخصية الشخص البالغ الذي قام بتعليمها لهذا الطفل. إن بياجيه من خلال هذا التأكيد، يناقض حجته هو بالذات بأن الطفل يعيد صياغة المفهوم أثناء تعلّمه. إنه يناقض الفكرة القائلة بأن الخصائص المحددة لفكر الطفل يتم التعبير عنها في المفهوم في سياق هذا التحول.
وصحيح أنّ بياجيه نجح في التمييز بين المفهومين «العفوي» و«غير العفوي»، لكنه لا يرى أنهما متحدان في نظام واحد يتشكل في سياق النمو العقلي للطفل. إنّه يرى فقط عنصر الانفصال وليس الاتصال. نتيجة لذلك، ينظر إلى تطوير المفاهيم على أنه مزيج ميكانيكي من عمليتين منفصلتين.

تعلّم اللغات وتطور التفكير

من المعروف أنّ الطفل يتعلم لغة أجنبية في المدرسة بطريقة مختلفة تماماً عن كيفية تعلمه لغته الأم. يتم تكرار القليل من الأنظمة التجريبية أو القوانين المميزة لتطور اللغة الأم عندما يتعلم الطفل بالمدرسة لغة أجنبية. بياجيه محق عندما يجادل بأنّ لغة البالغين لا تمثّل بالنسبة للطفل ما تمثله اللغة الأجنبية للبالغين. إنها على وجه التحديد، ليست نظاماً للإشارات يتوافق بشكل تام ونقطة بنقطة مع نظام مفاهيم تم اكتسابه بالفعل، بل يختلف تعلم لغة أجنبية اختلافاً عميقاً عن تعلم اللغة الأم. ويرجع ذلك جزئياً إلى وجود مجموعة من معاني الكلمات التي تم تكوينها بالكامل وتطويرها بالفعل في الحالة السابقة. تتم ترجمة معاني الكلمات هذه ببساطة إلى اللغة الأجنبية. بعبارة أخرى، هذا جزء تابع لمدى النضج النسبي للّغة الأم نفسها. وكذلك هو تابع جزئياً لحقيقة أن اللغة الأجنبية يتم تعلمها في ظل ظروف داخلية وخارجية مختلفة تماماً، وحقيقة أن الظروف التي تميز عملية التعلم تختلف اختلافاً عميقاً عن تلك التي تميز تعلم اللغة الأم. إنّ مسارات النمو المختلفة، المتبعة في ظل ظروف مختلفة، لا يمكنها أن تؤدي إلى نتائج متطابقة.
من الاعتبارات النظرية التي لا تقلّ أهمية هي حقيقة أنّ المفاهيم العلمية واليومية لها علاقات مختلفة مع الشيء أو الفعل الذي يتم تمثيله في الفكر. ويَفترض تطوير هذين النوعين من المفاهيم وجود اختلافات في العمليات الفكرية التي تكمن وراءهما. عند تلقي تعليمات في نظام معرفي، يتعلم الطفل أشياء ليست أمام عينيه، أشياء تتجاوز بكثير حدود تجربته الفعلية أو حتى المحتملة. إلى هذا الحد، يعتمد تعلم المفاهيم العلمية على المفاهيم التي تم تطويرها من خلال تجربة الطفل الخاصة بالطريقة نفسها التي تعتمد بها دراسة اللغة الأجنبية على دلالات لغته الأم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1092
آخر تعديل على الثلاثاء, 18 تشرين1/أكتوير 2022 10:38