_
«الثقوب السوداء»... وتشويه تاريخ الزمن (1)

«الثقوب السوداء»... وتشويه تاريخ الزمن (1)

«إذن، فهي إمّا خدعة، أو صورٌ للروح... ولسنا بحاجة لإثبات أنه لم يكن صعباً على المصوِّر الحصول على «موديل» للروح... وفي الحقيقة، ليس بوسع التجريبية البحتة وضعُ حدٍّ للأرواحيّين... إنّ الظواهر «العليا» لا تتبدّى إلّا عندما يكون «الباحث» المعني قد طُوِّعَ إلى درجة، أصبح معها مستعدّاً ألّا يرى إلّا ما يراد له أن يراه، أو يرغب في أن يراه...»
(فريديريك إنجلس، «العلوم الطبيعية في عالم الأرواح» - 1878)

أعلن علماء من مراصد «تلسكوب أفق الحدث» EHT رسمياً في مؤتمر صحفي (10 نيسان 2019) أنهم حصلوا على أول صورة لثقبٍ أسود، باستخدام أرصاد لمركز مجرّة M87. وتظهر الصورة ما قالوا إنها «حلقة ساطعة تشكّلت من انحناء الضوء في الجاذبية الشديدة حول ثقبٍ أسود كتلته أكبر بـ 6,5 مليون مرة من كتلة الشمس». وقال المرصد: إن «هذه الصورة التي طال انتظارها، تقدّم الدليل الأقوى حتى اليوم على وجود ثقوب سوداء سوبّر- هائلة». وفي كلمة «مؤسسة العِلم القومية» الأمريكية الحكومية NSF الممولة للمشروع قالت مديرتها الفيزيائية الفلكية فرانس كوردوفا: «شكراً لمشاركتنا هذه اللحظة التاريخية... لطالما فتنت الثقوب السوداء مخيّلة العلماء والعامّة لعقود من الزمن. في الحقيقة كنا ندرس الثقوب السوداء على مدى زمن طويل، لدرجة أنه أحياناً من السهل أن ننسى أنّهُ لا أحد منّا بالفعل قد رأى واحداً منها. نعم لدينا نماذج محاكاة وتمثيلات. وبفضل الأدوات المدعومة من مؤسسة العلم القومية استطعنا كشف اندماج ثقبين أسودين عميقاً في الفضاء، وسبق ورصدنا النقل الانتيابي للمادة من نجومٍ مرافقة إلى ثقوبٍ سوداء، بعض الثقوب السوداء تخلق نفثات من الجسيمات والإشعاع... لكننا لم نرَ فعلياً أفق الحدث؛ نقطة اللاعودة تلك التي لا يستطيع أيّ شيء، ولا حتّى الضوء، أن يفلت منها إلى خارج الثقب الأسود...».
في العادة لا يستطيع العلماء والمختصون تقييم اكتشاف حديث إلّا بعد أخذ الوقت الكافي لنشر كل أوراقه وتفاصيله وتحليلها ودراستها. لكن ريثما يحدث هذا، وحتى نأخذ فكرة قد تساعد على الأقل في التروّي في إطلاق حُكمٍ مطلق ما على هذا «الاكتشاف» الجديد، دعونا نلقي نظرة على نموذج سابق من «الاكتشافات» التي أنجزها أضخم مشروع كانت مموّلته الرئيسة هي أيضاً مؤسسة العِلم القومية الأمريكية نفسها، وهو مشروع «ليغو» LIGO (مرصد أمواج الجاذبية للتداخل الليزري) الذي رصد بالضبط «الاكتشاف» الذي تحدّثت عنه كوردوفا في كلمتها الافتتاحية أعلاه «أمواج الجاذبية من اندماج ثقبين أسودين».

الشكوك حول «اكتشاف أمواج الجاذبية»

في كتابه «فلسفة الفيزياء» (1972، ص43) يقول فيلسوف العلم والفيزيائي ماريو بونج: «إنّ أيّ تضارُب بين النظرية ونتائج الملاحظة التجريبية يمكن عزوه إلى أخطاء في الملاحظة التجريبية، أو بعض المكونات في النموذج النظري... ولكن من حيث المبدأ، جميع المكونات خاضعة للشكّ: النظرية العامة، الفرضيات الخاصة، الموضوع المدروس كنموذج، الحسابات، وحتى البيانات». هذا في العِلم الحقيقي الساعي إلى تصحيح نفسه باستمرار. لكن لا يبدو أنّ هذه المبادئ العلمية المعروفة تلقى أيّة مراعاة في ممارسات العِلم السائد اليوم. ولنأخذ ما سمّي «اكتشاف أمواج الجاذبية» كمثال حديث نسبياً، يعدّ هذا «الاكتشاف» من المستندات «التجريبية» الحديثة لكونيّات الانفجار الكبير والثقوب السوداء (حملت ورقته المنشورة في 16 صفحة عنوان: «ملاحظة أمواج الجاذبية من اندماج ثقب أسود ثنائي»)، وقد أثيرَت حَولَه شكوكٌ كثيرة، نورد منها: انتقاد هيلتون راتكليف (فلكي وفيزيائي ورياضيّ من جنوب إفريقيا ساهم مع عالِمَين آخرين باكتشاف دورة الكربون- نتروجين- أوكسجين من تفاعل الاندماج النووي في الشمس)، ونقتبس من تلخيصه لورقته العلمية النقدية بهذا الخصوص (18 آذار 2016):
«في 11 شباط 2016 تقدَّمَت مجموعة من نحو ألف عالِم بورقةٍ أعلنوا فيها أنّ أجهزة مرصد أمواج الجاذبية المعتمِد على التداخل الليزري LIGO وبعد أكثر من عقد من مراكمة البيانات غير المثمرة، استطاعت أخيراً اكتشاف إشارة أمواج جاذبية قادمة من حدثٍ فضائيّ عميق. وهي الأمواج التي كان ألبرت أينشتاين قد توقّع وجودها في ورقته المعروفة بالنظرية النسبية العامّة. ولطالما كنتُ أعرفُ منذ زمن أن ثمّة نتائج تُنسَب إلى ملاحظات تجريبية تستَخدمُ فيها تجهيزات عاجزةٌ أصلاً عن القيام بها. ولكي أشرح الموضوع بشكل مفهوم للشخص العادي، هاكم تحليلي:
في 14 أيلول 2015، لاحظ مَرصَد LIGO «اضطراباً موجيّاً» دامَ نحو خُمْس الثّانية. واقترحتْ تحليلاتُ الإشارة بأنّها ناجمة عن تصادم هائل لثقبَين أسودين على بعد مليار سنة ضوئية. سؤال: هل يمكن لتصادم بين جسمين هائلين أنْ يُنتِجُ موجةً تدومُ فقط خُمْس الثّانية؟! إنّ تجهيزات المَرصد صُمِّمَت لتحاول إنجاز هدف محدَّد متعلّق بتوقّعات النظرية النسبية العامّة. حيث استخدموا مرايا تبعد عن بعضها 4 كيلومترات، لقياس تغيُّرٍ بالمسافة يتوقّعونه [باستخدام الليزر] من رتبة١٠ قوة -١٨ أو ١٠ قوة -١٥ ميليمتر. أي: أنهم يبحثون عن تغيُّر في مسافة الكيلومترات الأربعة بمقدار جزء من ألف ترليون من الميليمتر! وهذا يتطلّب أن تكون حساسيّة تصميم الجهاز من رتبة ١٠ قوة ٢١ (أيْ جزء من مليار ترليون). ولتصوّر أوضح نذكر بأن قطر ذرة الهيدروجين المقيسة تجريبياً هي نحو ١٠ قوة -٧ ملم. أيْ أنهم يسعون لقياس تغيّر مسافة بمقدار جزء من مئة مليون من قطر ذرة الهيدروجين. لكنّ أفضل دقة تمّ التوصّل إليها لصقل سطح مرآة، مثل: المرايا الفلكية المستخدمة في مرصد LIGO، هي من رتبة 25 نانومتر (نحو ثلاثة من عشرة آلاف جزء من مقطع شعرة الإنسان)، وبالتالي سطح تلك المرايا فيه نتوءات مجهرية بارزة أو حفر غائرة بمقدار 25 نانومتر كحدّ أقصى، ورغم هذه الدقة الفائقة، فإنّ هذه التضاريس الدقيقة في سطح المرايا تبقى أكبر بمليار مرّة من إشارة موجة الجاذبية التي يزعم علماء مرصد LIGO بأنّهم قاسوها! ما يجعل من المستحيل بهذه الشروط التقنية تحقيق القياس المطلوب، ويجعل عملهم يعتمد على التخمينات. هذا عدا عن المؤثّرات الأخرى، مثل: تقلص وتمدد مسافة الـ4 كيلومتر بفعل تغيرات حرارة الجو وغيرها. أمّا بالنسبة للإشارات القادمة فثمّة عدد لا يحصى من المؤثرات الفضائية بين المجرات وحقول القوى قد تتعرّض لها قبل أن تصل للأرض.
ويجدر بالذكر، أنّ تكلفة تمويل المشروع وصلت إلى أكثر من مليار دولار أمريكي. والخلاصة: يمكن أن أقول باستعارة مشابهة لما قاله ستيفن وانبيرغ (الحائز على جائز نوبل) بشأن تأويل إيدوين هابل الأولي لإشارات الانزياح الأحمر من المجرّات: يبدو أنّهم كانوا يعرفون سَلَفاً الجواب الذي يريدونه حتى قبل السؤال».
هذا إضافة إلى أنّ مصادر شكّ أخرى جاءت مما ذُكر عن تزامن تسجيل تلك الموجات مع حدوث عواصف كهرومغناطيسية غير اعتيادية في يوم «الاكتشاف» نفسه.
فيما بعد، زادت الشكوك من علماء ومراكز أخرى في العالَم، كان أكثرها إثارة للجدل، النقد الذي قام به فريق من الفيزيائيين بقيادة أندرو جاكسون من معهد نيلز بور في كوبنهاغن، الدنمارك، حيث وجدوا «علاقات غير مفسَّرة» في ورقة «الاكتشاف» البحثية التي نشرها فريق المرصد الأمريكي LIGO، وقال جاكسون: إنّ المشكلات فيها «قد تتراوح ما بين تعديلات صغيرة في الموجة المستخلصة، إلى رفض كامل للاكتشاف المزعوم» ونشروا انتقادهم بورقة بحثية في 13 حزيران 2017، أثارت جدلاً واسعاً، مما اضطر أيان هاري أحد باحثي فريق LIGO إلى الرد بعد خمسة أيام، ليعود فريق جاكسون فيردّ عليه مجدداً... واللافت للانتباه في ردود العلماء المدافعين عن رأي مرصد LIGO أنّها تركّزت بشكل رئيس على أحد أمرين: إمّا عَزو نتائج منتقديهم إلى «أخطاء رياضيّة» في تحليل البيانات، أو الاكتفاء بالدّفاع الأعمى عن فريق LIGO، مثل: ردّ الفيزيائي النظري روبرت واغونر بقوله «إنّ الوحيدين الكفوئين لتحليل هذه الورقة هم فريق LIGO العلمي»، أو ردّ الفيزيائي الفلكي شتاين سيغورثسون بقوله «من النادر جداً لأحدٍ من الخارج أن يعثر على أخطاء مهمّة لدى فريق كبير». وهذان الأخيران هما، على التوالي، من جامعتَي ستانفورد وبنسلفانيا الأمريكيَّتَين.
ومن الانتقادات الكثيرة الأخرى أيضاً، نذكر الورقة التي قدّمها البروفسور ألكسندر لوكانيكوف أثناء «المؤتمر الدولي العشرين للتأويل الفيزيائي للنظرية النسبية» PIRT (المنعقد في موسكو 03– 06 تموز 2017)، بناءً على تحليله للبيانات الرسمية المنشورة، حيث أورد فيها عدة تفاصيل مثيرة للاهتمام، نذكر منها مثلاً: أنه راقب البيانات التي نشرت على الموقع الرسمي للمرصد في شباط حتى أيار 2016، فوجد أنه جرى لاحقاً تعديلها في تموز 2016 بحيث أزيح زمن وصول الأمواج الملتقطة المسجّل بمقدار 0,39 ثانية مما أثار الشكوك حول موثوقية زمن الوصول. كما خلص من تحليله إلى نتيجة تفيد: بأنّ فلتراً قد سجَّل استجابة قبل وصول التأثير الذي يفترض أن يسجّله، مما «يخرق مبدأ السببية» ويجعل الفلتر «غير موثوق فيزيائياً» و«يقود إلى التقاط كاذب لإشارات، وانزياحات زمن الوصول وتشويه بأشكالها» وفق لوكانيكوف.
في فترة أزمة علمية عميقة كهذه، قد لا يكون مستغرباً أنّه رغم كلّ ذلك، فإنّ ثلاثة من علماء فريق LIGO قد مُنِحوا بالفعل جائزة نوبل للفيزياء 2017 على «اكتشاف أمواج الجاذبية»!

معلومات إضافية

العدد رقم:
909
آخر تعديل على الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2019 13:21