_
«الرحلة السورية»

«الرحلة السورية»

«لقد وصلت إلى الشاطئ، سترى أمامك قاربين مزدحمين، الأول مملوء بالنساء، والأطفال، والثاني مخصص للرجال، ستضطر إلى ترك عائلتك على أحد القاربين والصعود إلى الآخر، لكن حريقاً سينشب في قاربك بعد قليل، ستضطر إلى القفز للنجاة بحياتك آملاً أن ينجدك أحدهم قبل أن تغرق، لكن أحداً لن يسمعك وستغرق في البحر المتوسط... هل تريد بدء اللعبة من جديد؟»

تبدو السطور السابقة غريبة بعض الشيء، لكنك ستعتاد عليها إن أمضيت بعض الوقت على موقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC على شبكة الانترنت، فهي تقدم للمهتمين جميعاً «لعبة» جديدة وفريدة من نوعها، تدعى «الرحلة السورية» أو «Syrian Journey»، وهي باختصار محاكاة واقعية إلى حد لا يصدق لرحلة لاجئ سوري من سوريا إلى أوروبا، عن طريق سلوكه طريقاً تشكله مجموعة من الخيارات يقوم «اللاعب» بانتقائها كل حين لتتغير «الحبكة» و تزداد فرصه أو تنقص للوصول إلى البلد المقصود، يمكنك بالطبع بدء اللعبة من جديد إن لم تستطيع التغلب على تلك العوائق، أي عندما تموت!

هل تود المفاوضة على حياتك؟

تبدأ اللعبة باختيار جنس اللاعب، ذكراً أم أنثى، ثم تبدأ الخيارات بالتطور والتعقد فيتم اختيار البلد الوجهة ثم انتقاء إحدى الطرق البحرية أم البرية والبلدان التي سيمر بها اللاعب-اللاجئ في رحلته، تزاد اللعبة واقعية لتجذب من يجربها على الفور، لتطرح بعض الأسئلة الجارحة بدقتها مثل: «هل تثق بهذا المهرب المصري الذي سينقلك إلى ليبيا؟» أو «لقد قامت جماعة متطرفة بخطفك في الصحراء.. هل تود تجربة محادثتهم والمفاوضة على حياتك مقابل بعض المال؟»، بالطبع تملك رصيداً محدوداً من الأموال ينبغي أن يجعلك قادراً على تجاوز جميع العوائق للوصول إلى بر الأمان، لكن اللعبة مملوءة بالأحداث غير المتوقعة والتجارب الصادمة، التي يبدو أنها مستقاة من التجارب الحقيقة الصادقة للاجئين السوريين والتي لم تعد خافية عن أحد، يتم بيع الزوجات للمتشددين في هذه اللعبة ويتم غرق أحد أفراد العائلة فيها، وقد تفقد أحد أعضاء جسمك أيضاً، تبدو التفاصيل صادمة بواقعيتها إلى حد لا يطاق.

«مدى الاستخفاف العالمي بأرواح السوريين»

أثارت اللعبة جدلاً عالمياً تناقلته العديد من الصحف، ففردت الـ«ديلي ميل» البريطانية تقريراً لاذعاً عن الموضوع وأفردت «الغارديان» مقالاً موسعاً يشرح تفاصيل اللعبة، ويؤكد الأخبار التي تحدثت عن استياء عام وصل إلى حد تقريع المسؤول عن هذا الفعل المشين في الـ BBC  نفسها، لكن تلك المقالات ساهمت في رفع أعداد «اللاعبين» خلال أيام قليلة، وأصبح الجميع يريد أن يجرب حظه كـ «لاجئ» سوري يحاول بمهارة الهروب إلى الأحضان الأوروبية الحنون، خاصة وأن تجربة اللعبة لا تحتاج سوى الدخول على موقع BBCعلى الانترنت وتجربتها على الفور دون تحميل أية أدوات إضافية، تناولت مواقع التواصل الاجتماعي الموضوع بحدة، ليلاقي المشروع ككل، نصيبه من التذمر والقرف، فكتب أحدهم بأنها: «مزحة أول نيسان متأخرة وسمجة» وعلق آخر عن «مدى الاستخفاف العالمي بأرواح السوريين» لكن اللعبة حصدت حينها أكثر من مليون تجربة أسبوعياً ورأى فيها البعض وسيلة أكثر قوة لشرح معاناة اللجوء السوري، ونقل الحالة اليومية المأساوية لهم إلى جمهور أوسع، لكن الحقيقة واضحة، إنها في النهاية «لعبة»، هذه هي الصفة التي تطلق عليها من قبل الجميع.

«لقد خسرت.. هل تريد بدء اللعبة من جديد؟»

ليس من المهم أبداً الوقوف عند التسمية، يكفي لنا أن نتخيل كيف استساغ أحدهم أن يحول معاناة الملايين من الناس إلى تسلية من أي نوع، كيف استطاع أن يمنح «اللاعب» فرصة أخرى لإعادة تجربته بعد غرقة في البحر أو ذبحه من قبل فصيل متطرف، أو توقف قلبه عن الخفقان جوعاً أو عطشاً أو برداً أو حزناً، كيف يمكن له أن يسمح بتكرار هذه المعاناة مرات ومرات وكأنها أحداث عابرة لا علاقة لها بمئات الجثث الغارقة في بطن المتوسط، أو عشرات الرؤوس المتحرجة تحت السكاكين، كيف يسمح لنفسه أن يسأل: «لقد خسرت.. هل تريد بدء اللعبة من جديد؟».