_
عيون في كل مكان

عيون في كل مكان

نشرت هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية منذ أيام تقريراً جديداً، تحدثت فيه عن عزمها تشجيع جميع الشركات التقنية على «تشبيك جميع الأشياء عنكبوتياً» حسب وصفها، وقدمت للعالم خطة عمل جديدة، حرصت فيها على رفع منسوب الاتصال التقليدي لجميع المشتركين بالشبكة، لم يعد كافياً أن يكون حاسبك المكتبي متصلا بالإنترنت، لابد من «وصل» جميع المستخدمين إلى الشبكة أينما كانوا وفي جميع الأوقات، قد يظن البعض بأن حرصها هذا على زيادة الاتصال المعهود عائد فقط إلى سياسة مضاعفة الأرباح التقليدية، لكن الأمر يتعدى ذلك بكثير.

قد تبدو الترجمة العربية الحرفية قاصرة بعض الشيء عن توضيح الكثير من المصطلحات التقنية الجديدة التي زودنا بها تقرير الوكالة الأخير ذاك، تحدث التقرير عن مبدأ (IoE) الجديد الذي يعد اختصاراً للكلمات (Internet of Everything) و يشمل جميع الأجهزة التقنية الشخصية المحمولة والغير محمولة التي تستطيع الاتصال بشبكة الإنترنت والتي يمتلكها كل منا في حياتنا اليومية، قد تبدأ بتعداد بعضها الآن لكن الاحصائيات تحدثت عن ازدياد أعدادها بشكل مخيف خلال السنين الأخيرة، حيث بلغت في العام 2003 حوالي 500 مليون جهاز، أي ما يقارب وسطياً حالة امتلاك جهاز واحد من قبل 12 شخصاً حول العالم، أما اليوم يسجل العام 2015 نسبة تفوق سابقتها بخمسين مرة، أي خمسة وعشرين مليار جهاز حول العالم أي ما يقارب 3 قطع متصلة بالإنترنت للشخص الواحد، ويتوقع العلماء أن يصل يتضاعف هذا العدد تماما في العام 2020!

مفهوم الشبكة الذكية

تكمن خطورة هذا التضخم عندما ترتبط تلك الأجهزة بمفهوم آخر، فرد له التقرير مساحات واسعة يدعى «مفهوم الشبكة الذكية»، وهو مجموعة ذكية من المرسلات والمستقبلات والمتوضعة على المفاصل الحيوية للشبكات الرقمية التي تربط المستخدمين حول العالم، كما يتوسع هذا المفهوم ليشمل حتى الشبكات الكهربائية التقليدية التي تزود ذات المستخدمين بالطاقة، حيث تعمل هذه الأجهزة على حفظ جميع المعلومات المتعلقة بالاستهلاك الخاصة بكل مستخدم في ملفات خاصة ليتم تصنيفها وتدقيقها واستخلاص الكثير من المعطيات الفائقة الأهمية عن طبيعة هذا الاستهلاك ومسببات ازدياده أو نقصانه وصولاً إلى التحكم فيه كلياً، بالإضافة إلى التحكم الفيزيائي بقنوات تبدل المعلومات الرقمية بدلاً من اللجوء إلى أساليب التنصت والقرصنة الرقمية والرقابة الحكومية الالكترونية التقليدية، أي أنها تعمل باختصار على تحويل أجهزة «IoE» إلى «قيود ذكية» ترتبط جميعاً بسلسلة أكثير شمولية تدعى بـ«الشبكة الذكية».

الرقابة الرقمية على الخصوصيات اليومية

تمتلك المعلومات المستقاة من توأمة المفهومين السابقين أهمية خاصة، لتتحول بسرعة إلى سلعة ثمينة تبيعها الشركات الخاصة إلى المؤسسات الحكومية من جهة كما تعمل على مشاركتها مع عمالقة التسويق من جهة أخرى، لتصبح العادات اليومية حقولاً في سجلات رقمية محفوظة تلخص أنماط معيشة جميع المتصلين بـ «الشبكة»، سواء أكانت شبكة الإنترنت التقليدية أو حتى شبكة التوتر العالي المحلية، مواعيد الاستهلاك العظمى والدنيا، وارتباط ذلك الاستهلاك بالحالة المعيشية للعائلة الواحدة، بالإضافة إلى كل ما يحدث حين تغلق بابك في الليل وتفتحه في بداية النهار، اشتراكاتك في الصحف والمجلات اليومية، ما تشاركه من صور عن طريق أجهزة التصوير الرقمية المنزلية، جميعها معلومات مفيدة يتم تجميعها أوتوماتيكياً عن طريق أجهزة «IoE» التي تمتلكها في بيتك، لتنتقل الرقابة الرقمية إلى الخصوصيات اليومية بعد أن كانت تتوقف عند حدود تعاملاتك اليومية في العمل ورسائلك الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي.

مراقبة الطاقة المنزلية

قد يظن البعض بأن كل هذا مجرد «فوبيا» لا مبرر لها، حسناً، إليكم ما تنبأ به «ريك كروفورد» أحد العلماء الكبار في هذا المجال منذ أكثر من عقدين من الزمن، حيث أطلق على «الشبكة الذكية» اسماً اختاره بعناية، فدعاها حينئذ بـ «أجهزة مراقبة خطوط الطاقة المباشرة»، واستفاض في شرح قدرة تلك الأجهزة على «تجميع القراءات الاعتيادية لشبكات الطاقة مثل معدلات الاستهلاك وأوقات تغيرها لاستنتاج بصمة خاصة تميز كل منزل أو حتى كل مستخدم لتلك الشبكة». وتابع شرحه مستشهداً بتقارير خاصة حصل عليها من شركات الطاقة المحلية بعد أن تم تحليلها من قبل برمجيات كانت تعد بدائية في ذلك الزمن، وأضاف بأن «تلك الأجهزة الموصولة على منافذ الطاقة المنزلية تستخدم حساسات خاصة تسجل مثلا مراحل تسخين المياه في سخان الحمام، وتقدم أرقاماً احصائية عن عدد المرات التي يستحم فيها كل فرد من الأفراد وحتى عدد مرات مجفف الشعر بعد الانتهاء من الاستحمام، عن طريق بصمات كهربائية خاصة تميز استخدام كل جهاز عن الآخر»، أطلق «ريك» تكهناته تلك قبل ظهور ثورة أجهزة «IoE» بكثير، ويبدو أن نبوءاته قد حملت الكثير من الصحة.

نظريات المؤامرة

يزداد كل يوم ارتباط كل منا بـ «الشبكة» كمفهوم مجرد يرمز لاستخدامنا المفترض للأجهزة المتصلة بالإنترنت على وجه الخصوص، وهو أمر تسعى شركات الاتصالات الكبرى إلى تشجيعه يومياً من خلال الإعلانات والتسهيلات المتزايدة التي تقدمها لجميع المشتركين، وهذا يراه البعض حالة راقية من التطور المعرفي لابد من تشجيعها والكف عن إعاقتها بـ «نظريات المؤامرة» الدائمة تلك، لكن السنوات الأخيرة الماضية قد كشفت للكثير من المتابعين أسرار عملية المراقبة وانتهاك الخصوصية التي تعمد ذات الشركات على تكريسها حول العالم، ولم يعد من الممكن أن يستمر دفن الرأس في الرمال، أو حصر ذلك النوع من «التجسس الرقمي» ببلد واحد او منطقة معينة بعد أن أصبح العالم بأكمله كتلة ناشطة تنضح بقنوات لا حصر لها من المعطيات التي يتبادلها كل المتصلين بالشبكة حول العالم، والتي تسعى الكثير من الجهات إلى السيطرة عليها لتكون الأساس في عملية تحكم مستقبلية تكرس قيوداً على الكثير من الجوانب التي اعتبرها الكثير منا من البديهيات اليومية، قد تحرم مناطق كاملة من الطاقة الكهربائية تلقائياً بعد أن ثبتت مشاركتها في تظاهرة إلكترونية ما على الأنترنت، وقد تصبح التحويلات المصرفية الدولية والمعلومات الأمنية الحساسة عرضة للتلاعب أثناء انتقال تلك المعلومات عبر مخدمات الشبكة، أو قد تنقسم الشبكة الرقمية إلى مستويات تجبر المشتركين فيها إلى مشاركة المزيد من المعلومات الشخصية أو حتى دفع المزيد من الأموال في سبيل الوصول إلى بياناتها اليومية التي كانت في يوم الأيام مجانية للجميع.