أمريكا تبتز الهند من بوابة كندا فهل نجحت؟
ام.كي. بادركومار ام.كي. بادركومار

أمريكا تبتز الهند من بوابة كندا فهل نجحت؟

لا يمكن فهم المزاج الكئيب الذي ساد «مجلس الشؤون الخارجية» في نيويورك خلال حديث وزير الخارجية الهندي جايشانكار منذ عدّة أيام، إلا على خلفية الخلاف الدبلوماسي بين الهند وكندا بشأن مقتل انفصالي من السيخ في فانكوفر منذ عدّة أشهر، والذي بحسب ما ورد قد تمّ «الكشف عن ضلوع الهند فيه بالتعاون مع واشنطن بناء على مداخلات استخباراتية ضمن منظمة العيون الخمسة». لكن ما هي الصورة العامة لما يحدث، ولماذا تريد الولايات المتحدة عبر بوابة كندا أن تفتح ملفاً معتاداً مع الهند؟ إليكم تحليل الدبلوماسي الهندي والخبير في الشؤون الاستراتيجية بادركومار لما يحدث.

ترجمة: أوديت الحسين

يتخذ التوجه الرئيسي للحدث طابعاً جيوسياسياً صريحاً، حيث دعا مضيفو «مجلس العلاقات الخارجية» الوزير الهندي إلى إبداء رأيه في تأكيد حضور الهند المتزايد على الساحة العالمية، ووجهات نظره بشأن الوضع الدولي الذي يشمل روسيا والصين، وحدود التداخل بين علاقة الهند بهما وعلاقتها مع الولايات المتحدة.
وليس سراً أنّ الخلاف الكندي الهندي الذي أقحمت واشنطن نفسها فيه له أجندة جيوسياسية أعمق. في الواقع نشرت صحيفة فايننشال تايمز- الصحيفة اليومية الغربية التي يُنظر إليها على أنّها الأقرب إلى إدارة بايدن- تقريراً الأسبوع الماضي بعنوان «مشكلة مودي في الغرب» مع دعاية مغالى بها تناولت موضوعها الرئيس كما يجب أن تكون البوصلة الغربية، حيث يقول التقرير: «الولايات المتحدة وحلفاؤها يدعمون الهند كقوة اقتصادية وكشريك دبلوماسي.. لكنّ التوجه الاستبدادي لرئيس وزرائها أصبح من الصعب تجاهله». كما احتوى التقرير على تحذير: «أصبحت الهند واحدة من أهم شركاء أمريكا الأجانب باعتبارها حصناً ضد الصين. استثمرت الولايات المتحدة بكثافة في تعزيز العلاقات مع نيودلهي كجزء من استراتيجتها الأوسع لتعزيز العلاقات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد تسارعت هذه الجهود هذا العام.. وعندما تظهر أدلة قد تدعم مطالبة كندا، فسوف تواجه واشنطن عملية موازنة بين أقرب جيرانها وحليف صاعد مهم».
من الواضح، أنّ جايشانكار، الذي لا مثيل له في المؤسسة الهندية بخبرته في إدارة العلاقات الأمريكية الهندية عبر «المياه المتلاطمة» وكذلك أيام «الخريف المعتدل»، قد تم تكليفه من قبل مودي باحتواء تداعيات الخلاف مع كندا على علاقات الهند بالولايات المتحدة. لكن الفارق اليوم، هو أنّ مهمته إلى واشنطن تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد رقصة تانغو دبلوماسية، تهدف إلى الحد من الأضرار، أو تغيير شيء إضافي في علاقة الصفقات، لأنّ استياء الغرب من «هند مودي» هو في جوهره بسبب السياسات الخارجية المستقلة للبلاد وسياساتها الخارجية. تريد الولايات المتحدة مقاومة تحول الهند إلى حليف بالمعنى التقليدي، وبالتالي، تكييف أدائها على المسرح العالمي بما يتوافق مع «النظام القائم على القواعد» الذي يخدم الهيمنة الأمريكية في السياسة العالمية.
كان من الممكن أن تعمل الولايات المتحدة، في المسار الطبيعي، على إجراء مقايضة مع الهند، لكن الزمن تغير وهي نفسها عالقة في صراع كل شيء أو لا شيء على التفوق العالمي مع الصين «وفي ظل المحور الصيني الروسي بشكل متزايد». وهي بالطبع لعبة عالية المخاطر، حيث ستخصص واشنطن دوراً للهند وتكون لديها توقعات من قيادة مودي. على العموم، اختار جايشانكار نهجاً هجيناً، فمن ناحية أكّد أنّ الهند سوف تنتهج سياسة خارجية مستقلة تتناغم مع نظام عالمي متعدد الأقطاب. لكن من ناحية أخرى، كانت أطروحته الرئيسية هي أنّ واشنطن ستكون في غاية الحماقة إذا ما أقدمت على المخاطرة بشراكتها مع الهند.

عقلية «الكتلة» التي عفا عليها الزمن

من الممكن أن تكون مهمة جايشانكار أشبه بجبل جليدي لا يمكن رؤية سوى قمته، على الأقل حتى الآن. ومع ذلك فإنّ تصريحاته أمام «مجلس العلاقات الخارجية» في نيويورك توفّر بعض الأدلّة المعقولة. في الأساس جمع جايشانكار أفكاراً ضمن ثلاث مجموعات مترابطة: النظام العالمي الناشئ والعلاقات الأمريكية الهندية، ومكانة روسيا في المخطط العام، والتحدي المتمثل في صعود الصين. إنّه يقدم نظرة نادرة على بنية النظرة العالمية الحالية للهند ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
أولاً: إنّ النظام العالمي يتغيّر، والولايات المتحدة أيضاً تقوم بإعادة التكيّف بشكل أساسي مع العالم. يمكن النظر إلى هذا جزئياً على أنّه «عواقب طويلة المدى» للهزيمة في العراق وأفغانستان، لكنه ينبع في الأساس من حقيقة مفادها أنّ هيمنة الولايات المتحدة على العالم وقوتها النسبية في مواجهة القوى الأخرى لم تعد قائمة، بل تغيرت خلال العقد الماضي. من الطبيعي عندما تتاح الفرص على نطاق عالمي أكثر، أن تنشأ مراكز أخرى للإنتاج والاستهلاك وأن تتم إعادة توزيع السلطة. الولايات المتحدة مدركة بأنّها تدخل بالفعل في نظام عالمي يضم «مراكز قوى أكثر مرونة وتشتتاً»، وفي كثير من الأحيان أكثر إقليمية، وفي بعض الأحيان مع قضايا مختلفة ومسارح متنوعة تنتج مجموعاتها الخاصة.
ثانياً: لا ينبغي للولايات المتحدة أن تغفل عن «الاحتمال الهائل» للعمل مع الهند لتعزيز مصالح كلّ منهما، حيث ينبغي أن يكون التركيز على التكنولوجيا، فالولايات المتحدة بحاجة لشركاء يمكنهم تأمين مصالحها بشكل أكثر فاعلية، ولا يوجد سوى عدد محدود من الشركاء لتعمل معهم. الحقيقة أنّ الجنوب العالمي لا يثق كثيراً بالشمال العالمي، ومن المفيد للولايات المتحدة أن يكون لديها أصدقاء يفكرون ويتحدثون بشكل جيد عن أمريكا. والهند واحدة من الدول القليلة التي لديها القدرة على جسر الاستقطاب في السياسة العالمية– بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب.
ثالثاً: عزز وزير الخارجية الهندي مجاهرة الحجة المقنعة المذكورة أعلاه، بتحذير غير معلن مفاده أنّ إدارة بايدن لا ينبغي أن تقدم مطالب غير واقعية بشأن سياسات الهند المستقلة، أو أن تتحدى مصالحها الأساسية، خشية أن يؤدي ذلك لنتائج عكسية. أوضح هذه النقطة عبر تسليط الضوء على واقع جيوسياسي مذهل، متمثل في أنّ روسيا تدير ظهرها لبحثها الذي دام ثلاثة قرون عن هوية أوروبية، وتبذل جهوداً مضنية لبناء علاقات جديدة في القارة الآسيوية. كما أنّ العلاقات الهندية الروسية، وهي العلاقات «الثابتة للغاية منذ خمسينيات القرن العشرين»، فهي مهمة للجانبين ويحرصان بشكل كبير على ضمان استمرارها ونجاحها. تضمنت هذه الفكرة رسالة تحذيرية قوية مفادها: نظراً لمركزية الشراكة الاستراتيجية الروسية الهندية، فمن المستحيل عزل الهند.
وإن كان موضوع العلاقات مع روسيا محسوماً، فالأمر الآخر البارز في ردّ الهند عبر جايشانكار على محاولات التخويف الأمريكي، هو استمرار التحوّل في لهجة السرد الهندي الهادئة تجاه الصين، التي بدأت مع الهدوء في التعامل الهندي الصيني على هامش قمة البريكس الأخيرة. سواء في التعليقات غير المتشنجة بخصوص بحر الصين وانتشار البحرية الصيني، والذي اقتصر على واجب الاستعداد الهندي، وحماية المشاعات العالمية.
خلاصة القول: رفضت الهند الاستراتيجية الأمريكية (الكندية) التي تهدف إلى تقويض استقلالها، بل إنّ جايشانكار قد علّق ساخراً من قضيّة مقتل الانفصالي في كندا بالقول: إنّ الهند ليست عضواً في «العيون الخمسة»، وليست مسؤولة أمام مكتب التحقيقات الفدرالي. كانت رسالة الهند واضحة: لا أحد يتدخل في الشؤون الداخلية للهند.

بتصرّف عن:
India won’t be bullied in multipolar setting

معلومات إضافية

العدد رقم:
1142
آخر تعديل على الخميس, 19 تشرين1/أكتوير 2023 17:20