_

شعبوية الصعود... بين اليمين واليسار (1)

مع صعود الحركات الشعبية في أوروبا، ونجاح «اليمين» أحياناً بأن يكون له شعبوية، أثيرت مسائل عدة، وفي محاولة للإجابة وطرح الأسئلة، تقدم قاسيون فيما يلي جزءاً من حوار أُجري عام 2016، بين قيادي ومدير حملات دعائية لحزب بوديموس الإسباني، والباحثة الفرنسية شانتال موف.

حوار بين إينيغو إيريخون وشانتال موفه
تعريب: عروة درويش

التوافق على الوسط واليمين الشعبوي
ش.م: أن تشعر بأنّ صوتك قد يساهم فعلياً بالتغيير لهو أمر ذو أهمية كبرى. هذا مثير للاهتمام لأنّ النموذج بعد السياسي الحالي من «الإجماع على الوسط» يزيل أحد العناصر التأسيسية من السياسة: طبيعتها الحزبية. فكما رأينا، من أجل الانتماء «لنا» لا بدّ من وجود «هم». إنّ الفارق بين يسار الوسط ويمين الوسط ضئيلٌ جداً بحيث لا يشعر الناس بوجود شيء مختلف. دعني أذكرك بالجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية عام 2002، عندما أزاحت جان- ماري لو بان المرشَّحَ الاشتراكي ليونيل جوسبين. لقد اعتدتُ على إلقاء دعابة مع تلامذتي عن أنّ الفرق بين جوسبين وجاك شيراك هو كالفرق بين كوكا كولا وبيبسي. لقد خطرت ببال جوسبين فكرة سيئة جداً هي القول أثناء الحملة الانتخابية ضدّ شيراك: «أنا لست اشتراكياً». وعليه فإنّ العديد من أصدقائي أخبروني بأنّهم لن يصوتوا له. لم يحتشد الناس وراء جوسبين لأنّهم لم يكونوا يملكون الشغف لفعل ذلك، ولهذا مضت لوبان إلى الجولة الثانية وتركت الاشتراكيين معزولين.
إ.إ: برأيي، وضمن هذا التضييق «ما بعد السياسي» للديمقراطية، فإنّ أغلبية القرارات وأهمّها تُتَّخَذ خارج نطاق السيادة الشعبية. ولا يتبقى للسلطة الشعبية سوى الاختيار بين الاختلافات ضمن الإجماع ذاته، وليس الاختيار بين البدائل. إنّه لمن غير المستغرب ضمن هذه الظروف أن يهجر الناس السياسة ويتركوها «للخبراء»، أو أن يتركوها تحت رحمة الأجهزة المعقدة.
ش.م: لا بدّ من الإقرار بأنّ اليمين الشعبوي، كما هو الحال مع مارين لوبان بفرنسا، قد استطاع فهم طبيعة الكفاح السياسي أكثر من التقدميين. كمثال: لقد فهموا تَشكُّل الهويّات الجمعية، وأدركوا بأنّ السياسة متضمنة في بناء «نحن». إنّ اليمين الشعبوي يدرك أيضاً دور المؤثرات العامّة – وهو ما أدعوه بالشغف – ببناء هذه الـ«نحن»، وكذلك أهميّة الرموز والحاجة لتقديم بدائل. من الواضح بأنّ البدائل التي يقدمونها ليست وهمية فقط بل كذلك غير مقبولة على الإطلاق بالنسبة للتقدميين. لكنّ المشكلة هي أنّ أحزاب اليسار تميل للاعتقاد بأنّ الردّ الوحيد هو الاحتكام للمنطق. إنّ محاولة إيقاظ الشغف هو أمر يقوم به اليمين الفاشي.
إ.إ: يحدث هذا الأمر كثيراً في إسبانيا، وتحديداً بين ليبراليين يسمون أنفسهم «تقدميين». فبالنسبة لهؤلاء الليبراليين، تعتبر أيّة محاولة لحشد الشغف من خلال صيغ الهوية المؤثرة نوعاً من التوتاليتارية. فبالنسبة لهم إنّ نضجنا أو عصريَّتَنا أو حرّياتنا هي حرية الأفراد باتخاذ القرارات دون شغف، ويفضِّلون ألّا يكون ذلك من الشارع بل وهم متكئون براحة على مقاعدهم في المنزل. إنّ الليبراليين من هذا النوع يرتعدون لتشديدنا على إعادة العواطف للسياسة واستعادة فرح تشارك صِيَغ الهويات الجمعية.
إنّ ما تقولينه عن صيغ الشعبوية الرجعية أو اليمين الشعبوي مثير للاهتمام بحق، وذلك يشمل السؤال عمّن سيشغل الفراغ إن لم تشغله القوى الديمقراطية. تمكنت الشعبوية الرجعية من استعادة الفكرة القوية و«الفاعلة» عن «المجتمع» – بناء روح المجتمع بوقتٍ يزداد فيه القلق والخوف وانعدام الأمن واللايقين بشأن الغد – فكرةٌ سرعان ما تخلّى المحافظون-الليبراليون عنها بوصفها مجرّد خيال.
إ.إ: ثمّ هنالك قضيّة الخطاب غير الصحيح سياسياً. فالخطاب الجريء المناهض للمؤسسات الذي يتحدى ألفاظ وطرق تفكير النخب، والذي يقبل عن طيب خاطر إمكانية مهاجمته بسبب موقفه هذا، هو حاسم بالأوقات التي تتفتت فيها الولاءات التقليدية. إنّ الجرأة أمر حاسم حتّى لو كانت تتضمن قبول إمكانية أن يردّ عليك الخصم ضربتك بشدّة. وإن لم تتبنَّ القوى التقدمية والديمقراطية موقفاً جريئاً، فيمكننا الجزم بأنّ اليمين المتطرف سوف يفعل.
ش.م: أرى في موقف اليسار السلبي جدّاً تجاه فكرة الوطنية بحدّ ذاتها مشكلة كبيرة، كما لو أنّ الوطنية يمكن أن تعبّر عن نفسها فقط بطرق رجعية.
إ.إ: إنّ الكفاح من أجل الهيمنة ومن أجل الهويّة الوطنية أمرٌ رئيس. والنقطة الهامّة الأخرى هي محاولة فهم كيف تَدَبَّر اليمين المتطرف – الذي لا يبني سياسته على الطبقيّة الاجتماعية – أمرَ التغلغل ضمن مجموعة واسعة ومتنوعة من القطاعات المختلفة، وربّما بناء كتل شعبية-وطنية أوسع.
ش.م: إنّهم غرامشيون حقيقيون.
إ.إ: إنّهم غرامشيون يمينيون.
ش.م: نعم بالتأكيد. ما يؤسف عليه هو أنّهم فهموا غرامشي أفضل من معظم قطّاعات اليسار. أتذكر أوّل مقال نشرتُه عن غرامشي، إذ حاولتُ الدفاع عن قراءة غير اقتصادويّة لمفهومه عن الهيمنة، وتمّ انتقاد تفسيري من ماركسيين أمثال بيري أندرسون. حدث ذلك عندما كان كلانا يحاضر في حلقات دراسية في كاراكاس، وكان كلانا يتكلم عن غرامشي. أصيب الطلاب بحيرة شديدة لأننا كنّا نقدم قراءات مختلفة لغرامشي. وبالوقت ذاته في فرنسا، كانت مجموعة من «اليمين الجديد» – وهي مجموعة مثقَّفين ينظمها آلان بينو – تنظم ندوة لدعم «الغرامشية اليمينية»، مصرّة على أهميّة الكفاح من أجل الهيمنة، في الوقت الذي لم يتمكن اليسار فيه من فهم طبيعة الكفاح لأجل الهيمنة لأنّه فسّره بمعاني فرض الإيديولوجيا المهيمنة. وأنا قلقة من أنّ مساهمات غرامشي لم يتم استيعابها بعد من جانب اليسار.

حركتان: شعبية «15 أيار»، وسياسية «بوديموس»
إ.إ: علينا حتّى نفهم سبب عدم اكتساب الشعبوية الرجعية قوّة كبيرة في إسبانيا أن نتمعّن بظهور اثنين من «اللقاحات الديمقراطية»: الأول دور حركة 15 أيّار «15M»، والثاني ظهور بوديموس.
ش.م: لديّ تحفظاتي بشأن هذه القضيّة. أتفق معك إلى حدّ ما لكن أعتقد بأنّ حركة 15 أيّار لم تكن لتفضي لشيء لولا بوديموس، وهي التي نجحت بنهاية المطاف بحشد كلّ تلك الطاقة. فمن المهم جدّاً أن يتم توجيه حركات الاحتجاج هذه إلى وجهة تسعى فيها للمشاركة بالمؤسسات الموجودة بهدف تحويلها. إنّ تفجّر الاحتجاجات هو الخطوة الأولى، لكن دون اللحظة التالية لتوجيه الحركة فقد نجد أنفسنا في اتجاه غير تقدمي.
إ.إ: نعم بكل تأكيد. هناك قضايا عدة تستحق التعليق عليها. يمكن النظر إلى حركة 15 أيّار كنوع من التمدد الأفقي لعدم الرضا. فمن جهة هناك الكثير من الناس قادتهم وقفتهم الراديكالية المناهضة للوضع القائم إلى التجمّع معاً، لكن من جهة ثانية ساعد هذا على تسييس عدّة قضايا كان يُنظَرُ إليها فيما مضى كمظالم خاصّة. إن كان عليك ترك بلادك لإيجاد عمل، أو أنّك عالق بمنزل واحد مع أهلك، أو عليك العمل بعدّة وظائف لتكمل احتياجاتك الرئيسة، أو تشعر بأنّ للنخبة الامتيازات ذاتها دوماً، واليد الطولى بالحكومة دون أهمية لصوتك... إلخ. هذه ليست مشكلات خاصّة، وقد حفروها على الفور بالفضاء العام.
كان هنالك بشر يقولون: لديّ هذه أو تلك المشكلة، لكنّ تَشارك المشكلات ساعد بوضعها على جدول الأعمال العام: لا يمكن أن يتم تجاهلها بعد الآن. كان غرامشي ليسمي هذه اللحظة الأوَّلية: «التضامن-الاقتصادي Economic-corporate».
ش.م: أظنّ أن العلاقة بين بوديموس وحركة 15 أيّار ليست واضحة كما ينبغي بالنسبة للكثير من الناس. لا يمكن لأحدٍ الادعاء بأنّه حزب حركة 15 أيّار، هذا سيكون كذباً، فالحركة ليست متجانسة، وهي ظاهرة تتوسع أفقياً عبر جمع حالات مختلفة المشارب من المظالم وعدم رضا. حتّى أنّ بعضها تربطها بغيرها روابط ضعيفة جداً، تقتصر أحياناً على المعارضة المشتركة للسلطة فقط. وعليه فإنّ حركة 15 أيّار لم تكن ولا يمكن أن تكون حزباً.
أ.أ: أودّ القول بأنّ المشاركين بحركة 15 أيّار حين هتفوا: «إنّهم لا يمثلوننا»، فقد أرادوا التعبير عن أزمة في تمثيلهم السياسي. ولم يكونوا يقولون بأنّهم لا يريدون أن يتم تمثيلهم. لقد كانوا يتَحَدُّون النخب التي تحتكر التمثيل بالوقت الحالي. قد يبدو الأمر مربكاً، لكنّ حقيقة الأمر هي أنّ حركة 15 أيّار، مثل جميع الحركات الأخرى التي زرعت بذور التغيير في التاريخ، قد ولدت بوصفها ردّ فعل «محافظ»: فقد خرج المواطنون للتظاهر ضدّ خسارة الحقوق التي كانوا يملكونها بالفعل أو التي وُعِدوا بامتلاكها، مطالبين بعدم وضع النخب فوق القانون، وبأنْ يتم احترام إطارُ التعايش المشترك المؤسَّس له. ولهذا فنحن نقول بأنّه في هذه الفترات الاستثنائية، وكنتيجة لعدوان الأوليغارشية الرقيع، باتت أفكار التغيير ثابتة تماماً بالحسّ المشترك، ذلك أنّ النخب مضوا بعيداً بغيّهم. وهذا ما يشير إلى وجود إمكانيات سياسيّة غير مسبوقة.
ما نزال نعيش بحالة متناقضة حيث علينا أن نقوم بعكس ما توصي به بعض قطّاعات النشطاء، من أجل تأمين ترتيبات جديدة لتحقيق اعتراف شعبي أوسع.
فكلما اقتربت من التوافق، ابتعدت عن إمكانية توافق جديد مع عدد من القطاعات الشعبية غير السعيدة وضوحاً لكنّها لا تملك نقاط مرجعية سياسية.
لم تنشأ بوديموس عن حركة 15 أيّار. لكن عليّ القول بأنّه دون حركة 15 أيّار ودون التغييرات الصغيرة بالحسّ المشترك التي تلتها، فإنّ الفرصة لانفتاح النافذة على شيء مثل بوديموس لتأتي إلى الوجود لم يكن ليحدث. ففي هذه اللحظة حيث هنالك ما بين 70% إلى 80% من الإسبان متعاطفون مع ما يمكن تعريفه بأنّه الحافز الرئيس لحركة 15 أيّار، ما يزال حزب «الشعب» اليميني الليبرالي يحوز على الأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين بالانتخابات التي تلت الحركة.
إنّ مفتاح ما حدث ليس عدد الأشخاص الذين خرجوا للتظاهر، أو كم عدد اللقاءات والاجتماعات التي ازدهرت، رغم أنّ علينا الإقرار بأنّ الأرقام كانت مذهلة. بل المفتاح هو التغيير الانفجاري العميق، والفضل فيه لتغيّر المناخ الثقافي، بمعنى أنّ القضايا التي لم تكن مسيَّسة من قبل يتم اعتبارها اليوم ممّا لا يمكن التسامح فيه، وقد تمّ تقديمها للحكّام بهذه الصيغة. علاوة على ذلك فهنالك تصوُّر متنامٍ بأنّ دورةً سياسيّةً قد وصلت إلى ختامها واستنفدت نفسها، وبأنّ دورةً جديدة يجب أن تفتتح.
لا يمكن وصف بوديموس بتعابير اليسار أو اليمين. وليس هذا تخلياً عن الإيديولوجية، فقد تمّ التعبير عن الإيديولوجيات، ولا يزال الأمر قائماً بأغلب مناحي الكوكب وعلى مرّ التاريخ، بجُملٍ واستعارات مختلفة، ونتحدث هنا عن اليسار واليمين على السواء. وليس الأمر مجرّد عملية تسويق بإلباس جوهرِ الأشياء ثياباً مختلفة من أجل الحصول على الأصوات، فهذه ليس الحال على الإطلاق، إنّ جوهر الموضوع هو أنّ الحدود التي رسمتها الأغلبية الديمقراطية الجديدة لا يمكن وصفها بالكلمات المعتادة من يسار أو يمين. لقد غذّت مثل هذه الكلمات النظام السياسي الإسباني على مدى الثلاثين عاماً الماضية بالوقت الذي أبقت فيه على مصالح أصحاب الامتيازات آمنة على حساب أغلبية الشعب.
الموقف من الدولة والمؤسسات
ش.م: ما هو سوء الفهم من جانب كلّ هؤلاء الناشطين السياسيين، الذي يشرح إخفاقهم بإدراك أهميّة البعد المؤسساتي؟ ما الذي يمنعهم من تحليل الوضع بشكل ملائم؟
إ.إ: بالنسبة لقطّاع معين متماهٍ مع نظريات «الحشود»، وهم أقليّة لكنّها مؤثرة فكرياً، فإنّ حركة 15 أيّار كانت بداية النصر. نصرٌ ربّما قد يتطلب بعض الوقت. لقد استمروا بالقول بأنّ المؤسسات مجرّد موتى، وبأنّها تسير كالموتى الأحياء. لكنّ بعضنا ردّ عليهم: «إنّها حيّة بشكل مذهل بالنسبة لموتى أحياء، وهي تقوم بحيويةٍ مذهلة بالخصخصة وبطرد المستأجرين بشكل جنوني...».
دعينا نقول بأنّ رؤاهم كانت مفرطة بالتفاؤل: «نحن ننتصر». علاوة على ذلك فإنّ هذه النظرة كانت مدينة بشكل كبير بتشكُّلها لرؤى «الزاباتيستا» (الحركة اليسارية العسكرية التي سيطرت على ولاية تشياباس المكسيكية)، أو «الزاباتيستا الجُدد»، والتي تقول: «نسير ببطء لأنّ الطريق طويل». باختصار. بالنسبة لهم: نحن فزنا بالفعل، وأيّة محاولة لتحويل هذه الإمكانية إلى تأثير سياسي فاعل على الدولة سوف يمنح الدولة القدرة على السيطرة عليها وإدماجها، وهذا – وفقاً لاعتقادهم - سيكون خطأً لأنّه سيعدم «الإمكانية الديمقراطية الحقيقية» للحركة.يبدو لي بأنّهم استبدلوا: «لماذا» بـ«كيف»: لأننا لسنا متأكدين دوماً ما هو الهدف، فلدينا نقاشات حول الإجراءات، وتجنّب بعض الأسئلة الصعبة مثل بناء إرادة الوصول إلى السلطة أو مسألة الدولة.
ش.م: هذه هي رؤيا حركات الاحتجاج، وكما ترى فهي مشكلةُ جزءٍ من اليسار الراديكالي.
إ.إ: بالنسبة لأكثر اليسار التقليدي، فإنّ حركة 15 أيّار هي تعبير عن السذاجة الواضحة، وبالنسبة للأكثر خطأً بينهم هي أسوأ من ذلك بكثير حتّى، حيث ربّما تمّ التخطيط لها داخل أروقة السلطة. وفقاً لهذا القسم من اليسار، فلا شيء تغيّر بعد 15 أيّار. فهي لا تمثّل نقلة ثقافية وهي خطأ فادح لأنّها ليست موجودة بكتيبات الإرشاد: فالمحتجُّون لا يرتدون ثياب العمل الزرقاء ولا يحملون المطارق وهلمّ جرّا. باختصار، بالنسبة لهذه القطاعات من اليسار التقليدي فإنّ حركة 15 أيّار هي بلا فائدة.
ثمّ هنالك وجهة نظر أخرى هي دينية وجمالية، فرغم أنّها ليست متطورة جداً بالمعنى النظرياتي، فأعتقد بأنّها محقة. باختصار هي تقول بأنّ التجرؤ على الفوز يتطلب أن توسِّخ يديك، وأن تفترض وجود التناقضات وتقبل بالانتصارات الصغيرة، لأنّ الأمر كما يقال: الكفاح هو الفوز بالقليل والتفاوض بالبقية، كلما دفعت للأمام كلما تلطَّختَ. عليك أن تشمّر عن ساعديك وتتقبل الواقع الفوضوي، وهذا بالتأكيد أقلّ راحة من «نقاء» الهزيمة.
علاوة على ذلك فإنّ بعض القطاعات الراديكالية مفتونة بالهزيمة. إنّ هذا الافتتان الرومانسي يفسّر على سبيل المثال لماذا رئيسٌ في أمريكا اللاتينية يحوّل حياة شعبه يعتَبَرُ أقلّ جاذبية من سلفادور أليندي الذي قُتل في قصره الرئاسي، وأقول هذا مع كامل الاحترام لأليندي وتجربة الوحدة الشعبية في تشيلي، لكن بهذه الحالة فإنّ البطل المذبوح هو بطلٌ أعظَم... إنّ بطلاً مذبوحاً مذهلٌ لأنّه لم تُتَح له الفرصة ليتلوّث بالواقع. مات نقياً كملاك، بنظَّاراته ومظهره الأوروبي الطيِّب... وتحوّل إلى أيقونة. هذا النوع من الافتتان هو أحد أشكال الإسهابيّة «maximalism» (وفق علم الجمال)، إنّه شكل من رفض المقامرة والتجرؤ على الفوز، مع جميع التعقيدات المنطوي عليها والتي لا يمكن تجنبها.
ثم لدينا كما لاحظنا سابقاً مسألة الدولة. إذا فهمت الدولة بدلاً من كونها مجالاً للقوى، على أنّها جهاز (جهاز يمكن حصاره أو تدميره أو الهرب منه)، فإنّ الدولةَ وفق فهمٍ كهذا لا يمكن إلّا قبولها ككل أو رفضها ككل. وهذا يمنعنا من فهم الدولة كمجال للكفاح، مكان يوجد داخله توازن للقوى، توازن غير مستقر على الدوام أو موازنة دائمة للحركة. إنّها محصَّنة بالمؤسسات الموجودة، لكنّها كذلك ساحة معركة، خاصة عندما يكون المزاج عاصفاً بالنسبة للمؤسسة الحاكمة بحيث تبقى المشكلات دائمة وغير محلولة.
ش.م: أنا أتفق معك. إنّ مسألة الدولة جوهرية. فعلى أحد الجوانب هنالك أولئك الذين يرونها كمؤسسة محايدة لا تتطلب التعديل، وعلى الطرف الآخر هنالك أولئك الذين يرونها كشكل نقي من الهيمنة التي يجب تدميرها. ومع ذلك فإنّ قلّة من الناس يدركون بالحقيقة بأنّ الدولة موقع تَنازُع يجب علينا الانخراط فيه بعمق من أجل تحويله ليصبح بخدمة القوى الشعبية. إنّ هذا النقص بفهم طبيعة الدولة هو أصل الكثير من الأخطاء لدى اليسار بجميع أشكاله.
إ.إ: إنّ رفض فهم الدولة يعني أيضاً رفض فهم مسائل التمثيل والقيادة. بالنسبة لمثل وجهات النظر أو النظريات هذه فإنّها مجرّد ظواهر ذات اتجاه واحد. التمثيل بالنسبة لهم ليس مفاوضة بين أصحاب التمثيل والممثلين عنهم، بل هو عبارة عن تحوّل «سحري».
ومن وجهة النظر هذه، فإنّ القيادة ليست علاقة «استماع-اقتراح-استماع»، بل يجب من خلالها – لتمثيل المصالح – أن تفسر كل ما يخرج من تحت. بالنسبة للقادة من هذا النوع لا وجود لـ«تحت»، و«القيادة» ليست إلّا ادعاء السيادة. علينا أن نعترف بأننا قادمون من تقليد لثلاثين عاماً من الهزيمة الثقافية والفكرية لليسار. إنّ الوصفات النظرية والفكرية التي نبني عليها بنقاشاتنا كانت ولا تزال ضعيفة جداً. ليس لدينا الكثير من النقاط المرجعية لتفكيرنا، أو الكثير من الخبرة العملية التي يمكنها أن تجدد النظرية والنقاش. لم نشهد منذ عقود وقتاً مثل «أسابيع من الحركة الحقيقية» التي علمتنا أكثر من عَشر أطروحات مجتمعة.

(0 أصوات)