_
ترجمة نور طه ترجمة نور طه

مراجعة لكتاب دانييل إيستولين: القصة الحقيقية لمجموعة «نادي بيلديربيرج» وماذا تخطط الآن؟ (2-3)

الشركاء الإعلاميون لبيلدربرغ «ليست مهمتنا إعطاء الناس ما يريدونه، بل ما نرى نحن أنهم بحاجة إليه». هكذا يلخّص ريتشارد سالانت، الرئيس الأسبق لشبكة (CBS) الإخبارية، المهمة الرئيسية للإعلام. ومن هنا يمكننا أن نفهم ما تقوم به وسائل الإعلام الكبرى من تحكّم بكل ما نراه ونسمعه ونقرأه عبر التلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات والكتب والأفلام وعبر قسم كبير من الإنترنت. هذا ويواظب المسؤولون الكبار وبعض الصحفيين في هذه الوسائل على حضور اجتماعات نادي بيلدربرغ.

عائلة «روكفلر»

على الرغم من وصول عميد أسرتهم ديفيد روكفلر إلى الرابعة والتسعين من عمره، فإن آل روكفلر ما زالوا يتمتعون بنفوذٍ هائل. فعلى مدار السنوات الماضية، تمكن آل روكفلر- بقيادة ديفيد- من الهيمنة على الإعلام بشكلٍ كبير. ومن خلال هذه الهيمنة، استطاعت العائلة امتلاك تأثير قوي على الرأي الأمريكي العام. الأمر الذي مكّنهم بدوره من التحكم بقسم هام من سياسات البلاد كمدخل للسيطرة على الأمة بأكملها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت طموحات هذه العائلة لتصل حد الرغبة بالهيمنة على العالم بأسره.

إن المخطط المشترك الذي تعمل عليه كل من عائلة روكفلر من جهة ومجموعة بيلدربرغ من جهة أخرى يتضمن إخفاء التوجهات الحقيقية لهم عبر إلباسها أرديةً تمويهيةً جذابة. بغية الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من السياسة الدولية العامة، وبالتالي إجبار قادة العالم على الانصياع لأوامرهم بوصفهم الأسياد الجدد له. أما بالنسبة لكيفية تنفيذ الأجندات الإعلامية الخاصة بهذا المخطط، فستتكفل ما تُعرف بـ (الصحافة العالمية الحرة) بأداء هذه المهمة.

الحكومة ومجلس العلاقات الخارجية (CFR)

صدر قانون الأمن الوطني الأمريكي في عام 1947، وبموجب هذا القانون، تم إنشاء مكتب وزير الدفاع. واللافت هنا أن 14 من وزراء الدفاع الذين مروا على هذا المنصب منذ إحداثه، كانوا من أعضاء مجلس العلاقات الخارجية. كما أن جميع وزراء الخارجية الذين تعاقبوا منذ عام 1940 وحتى الآن- ما عدا جيمس بايرينز- كانوا أعضاء في المجلس وفي المفوضية الثلاثية أو في أحدهما.
على مدى الثمانين عاماً الماضية، كانت جميع الشخصيات الفاعلة في مجلس الأمن القومي الأمريكي وجميع مستشاري السياسات الخارجية- تقريباً- وكبار الجنرالات والأدميرالات على لائحة أعضاء هذا المجلس.

إضافةً إلى أن العديد من المرشحين الرئاسيين كانوا، أو مازالوا أعضاءً في المجلس كجون كينيدي وريتشارد نيكسون وجيرالد فورد وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجون كيري وجون ماكّين. والحال ذاته ينطبق على كل من مدراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) كويليام ويبستر وروبرت جيتس ومايكل هايدن وليون بانيتّا، وعلى العديد من وزراء الخزانة.

برمجة أذهان الجماهير

في كتابه (البُعد الإنساني- تجارب في البحوث السياسية)، يقول هادلي كانترنويل الاختصاصي في علم الاجتماع:

«إن العمليات النفسية- السياسية التي تمارسها الحكومة، لا تعدو كونها مجرد محاولات دعائية وإعلامية تستهدف مجموعات مختلفة من المواطنين بهدف تهيئة الجو لديهم وإعداده لتقبّل التوجهات التي يسعى مجلس العلاقات الخارجية لتطبيقها».

ومن وجهة نظر الكاتب الكندي كين أدكي، فإن ما تنظر إليه الغالبية العظمى من الأمريكيين على أنه (الرأي العام)، ما هو في الحقيقة سوى دعاية (بروباغاندا) مصممة لاستثارة استجابات سلوكية محددة لدى الجماهير.

«إن أهم التطورات التي حصلت في القرن العشرين هي نمو الديمقراطية، ونمو قوة الشركات، ونمو قوة أجهزة الإعلام والدعاية التابعة للشركات الكبرى بوصفها الوسيلة التي تستعملها هذه الشركات في محاربتها للديمقراطية» (الناشط والأكاديمي الأسترالي أليكس كيري).

لجنة روكفلر الثلاثية

في الصفحة 405 من مذكراته، يقول ديفيد روكفلر ما يلي:

«يعتقد البعض أنني وعائلتي نشكّل جزءاً من عصابة سرية تعمل ضد مصالح الولايات المتحدة. ويصوّرنا هذا البعض بأننا مجموعة ذات نفوذ عالمي نقوم- بالتعاون مع أشخاص آخرين حول العالم - لبناء نظام سياسي واقتصادي جديد أكثر تكاملاً. وإذا كنتم- أيها القراء- تشاركون هذا البعض ظنونه، وإذا كان ما تم ذكره تهمة، فأنا أعلن أني مذنب... وأنا فخور بذلك».

هناك تعاون يجري بين نادي بيلدربرغ من جهة واللجنة الثلاثية من جهة ثانية لوضع مخطط يمهّد لنظام عالمي جديد ترتكز قيادته في أيدي ثلة قليلة من الأشخاص النافذين.

لقد كان أعضاء اللجنة- التي أُنشئت عام 1973 ومركز قيادتها في واشنطن- البارزون في الولايات المتحدة وأوروبا وشرق آسيا، يعملون على تحقيق هدفهم الرئيسي المتمثل بنظام اقتصادي عالمي واحد وجديد. أما الآن، فقد تحول هذا الهدف إلى تأسيس نظام عالمي شامل وجديد تقوده نخبة عالمية تتشكل من أعضاء يتوزعون على هذه المناطق الثلاث.

على الرغم من أن التقارير السنوية للجنة هي ذات طابع علني حيث يتم نشرها، إلا أن أهدافها وأعمالها الداخلية تبقى دائماً طيّ الكتمان لسببٍ بسيط هو أنها ضد مصالح الناس.

«إن هذه المجموعة مصممة بشكل خاص بحيث تضمن تأثير وجهات نظرها المتعددة على السياسة العامة» من كتاب (الثلاثية تحكم واشنطن) لأنطوني ساتون.

تقول الكاتبة هولي سكلار في كتابها (اللجنة الثلاثية): « يقوم الأغنياء أثناء سعيهم المشترك من أجل الهيمنة العالمية، بحماية مصالح الرأسمالية الغربية عبر إضعاف المبادئ الوطنية والقومية أو أية ردود أفعال من شأنها أن تحرّض قسماً من النخب العالمية ضد قسمٍ آخر.»

بدأت اللجنة الثلاثية اليوم تأخذ طابعاً عالمياً مع ازدياد أعضائها الذين ينتمون لمناطق مختلفة من العالم وبالتالي اتساع النظاق الجغرافي الذي يمتد إليه تأثيرها. فعلى سبيل المثال، تضم اللجنة أعضاءً من الأرجنتين وأوكرانيا وإسرائيل والأردن والبرازيل وتركيا والصين وروسيا.

وفي السياق ذاته، يرى الكاتب أنتوني ساتون أن «هدف اللجنة هو التعاون مع كل من نادي بيلدربرغ، ومجلس العلاقات الخارجية لصياغة أهذاف السياسة العامة التي ستقوم- لاحقاً- الحكومات حول العالم بتنفيذها» ويضيف ساتون «لقد رفض أعضاء اللجنة الدستور الأمريكي والعملية السياسية الديمقراطية». وفي الواقع، فإن اللجنة تشكلت أساساً لمواجهة الديمقراطية ومحاربتها وصولاً لاحتوائها بشكل كامل.

لقد تخوّف أحد التقارير الرسمية الصادرة عن اللجنة الثلاثية مما وصفه بـ «ازدياد المشاركة الشعبية في التحكّم بالمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً تلك المشاركات التي أتت كردة فعل على تمركز السلطة بأيدي الكونجرس والحكومات المحلية وحكومات الولايات.» ولمواجهة هذا (الخطر)، كان لا بد من اللجوء إلى السيطرة الإعلامية التي يمكن من خلالها ضبط كل ما يُنشر في الصحف والإذاعة والتلفزيون.

يجب على قيادة مجلس العلاقات الخارجية، إذا كانت تريد تحقيق مآربها، أن تقوم  بتأريض مفهوم السيادة الوطنية شيئاً فشيئاً حتى الوصول إلى محوه بشكل كامل من الخطاب والوعي الجماهيريين.

إن نجاح كل من نادي بيلدربرغ واللجنة الثلاثية ومجلس العلاقات الخارجية، يعتمد بشكل كبير وأساسي على إيجاد الطرق التي يستطيعون من خلالها دفعنا للتخلي والتنازل عن حرياتنا تحت مسمّيات مختلفة كالأزمات والمخاطر والتهديدات. هذا وتلتزم جميع المؤسسات التعليمية ومعاهد البحوث والدراسات المدعومة من هذه المنظمات الثلاث بتمويل ما تسميه بـ (الدراسات) التي سيتم استخدامها لاحقاً لتبرير وشرعنة كل تصرفات هذه المنظمات الداعمة.

بيلدربرغ والاحتكار

فيما يتعلق بقضية الاحتكارات، فإن أعضاء هذه المنظمات الثلاث يطمحون لاحتكار كل من الحكومة والنقود والصناعة والملكيات الدائمة والمتجددة ذاتياً. حيث تنص القاعدة التي تسير وفقها الأعمال الكبيرة على ما يلي:

أولاً، احصل على الاحتكار.. ثانياً، دع المجتمع يعمل لديك. وطالما أننا نرى أن العلاقة التي تربط بين جميع الثوريين العالميين من جهة، وجميع الرأسماليين العالميين من جهة أخرى هي علاقة عداءٍ وحقدٍ وحسب، فإننا نفوّت نقطةً حاسمةً هنا. ففي الحقيقة، فإن هناك علاقات ومصالح مشتركة خفية بين قسمٍ من الرأسمالية الاحتكارية الدولية، وقسمٍ من الحركة الاشتراكية الثورية العالمية.

مع نهاية القرن التاسع عشر، توصلت شركات وول ستريت إلى فهم جديد لآلية الاحتكار. وهذا الفهم يقول بأنك إذا أردت أن تحتكر شيئاً ما، فما عليك إلا أن تدّعي أن هذا الاحتكار هو للمصلحة العامة.

أما سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فقد شهدت حصول تعاون بين أعضاء من المجلس واللجنة  في ما عرف حينها بـ(مشروع 1980) والذي يعد أحد أكبر المشاريع في مجال توجيه وتسيير الأحداث العالمية للحصول على نتائج مستقبلية محددة. واللافت في هذا الأمر، أن (تفكيك الاقتصاد العالمي بشكل تام) كان واحداً من النتائج المرجوة. والسؤال هنا: لماذا؟!

تتلخص الإجابة بأن النمو الصناعي العالمي الذي بدأ في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تسبب بازدياد المنافسة عالمياً. وبالتالي، كان لا بد من القضاء على هذه المنافسة أو على الأقل احتواءها. ونتج عن هذا انتقال للثروة من الفقراء إلى الأغنياء، وتقليص حجم الطبقة الوسطى، والتخطيط للقضاء عليها نهائياً.

(0 أصوات)