غضب المنهكين وبرنامج المنهوبين

غضب المنهكين وبرنامج المنهوبين

تسيطر مظاهر الغضب على محيّا العمال كيفما اتجهنا، غضبٌ دفين تراكم خلال السنوات الطويلة الماضية، تلك السنوات المليئة باليأس والأوجاع اللحظية، فبغض النظر عمّا تعرض له كل عامل أو عائلة عمالية في تجربتها الخاصة مع الأزمة وتداعياتها، فالمشترك العام بين أفراد الطبقة العاملة بأسرها كان وما زال العنف الاقتصادي الممارس عليهم بشكل دائم ومستمر، وبوتائر شديدة تزداد مع ازدياد الزمن.

هذا ما جعل حياتهم اليومية أشبه بالجحيم بكل ما للكلمة من معنى، وهذا ما يجعلهم اليوم منهكين بأقصى درجات الإنهاك، وتكاد تشعر بأنهم غير قادرين على النهوض من جديد، فهزالة أجسادهم واصفرار وجوههم وضمور عضلاتهم تُصور بوضوح حالتهم الجسدية والمعيشية، فكيف إذا ما ولجت لأعماقهم ولامست أرواحهم المتعبة؟ لكن كل ذلك ما هو إلّا شطرٌ من بيت، فمع كل خلية منهكة ستجد إرادة الحياة والإحساس السامي بالمسؤولية، ومع كل عجز آني ستجد عزيمة مخبأة كقوة كامنة تنتظر بصبر وحكمة ثقباً في جدار الاستعصاء القائم، هم منهكون لا شك لكن ما دامت وسائل النقل العام تضج بهم وما زالت أرصفة المدائن تزدحم بخطواتهم المستعجلة وما دامت المعامل والورش والمشاغل والدكاكين تحيا بوجودهم ستبقى هذه الطبقة نابضة بالحياة ومكتنزة لعناصر القوة القادرة على إحداث التغيير وقادرة على تلمّس مخرجها من جحيم التوحش الاقتصادي والمعيشي الممارس عليها، فكل ثروة وكل منتج صغيراً كان أم كبيراً هو نتاجها وفيه قوة عملها المنهوبة من خصومها ومستغليها.

بين الناهب والمنهوب

إن الطبقة العاملة وسائر الكادحين هم المنهوبون المنغمسون في مقاومة الشدائد المعيشية اليومية ومجمل ضغوط الحياة، ويعالجون واقعهم المرير بعشرات الحلول الإبداعية، يمانعون سحق حقهم في الحياة ويمنعون أية مشاعر تؤدي إلى انكسارهم فهم الواعون بشكل كامل لتموضع الناهبين في المجتمع والسلطة وتخوم مراكز قواهم الكبيرة والحيّة المتحكمة في اقتصاد البلاد ورقاب العباد ضمن منظومة متكاملة ومنهجية من الفساد ويعون تماماً بأن خلاصهم ليس ببعيد وبأنهم بدفاعهم عن أنفسهم وحقوقهم الطبقية إنما يدافعون عن البلاد بحد ذاتها عن اقتصادها وسيادتها وخياراتها الوطنية وعن تاريخها وإرثها ومستقبل أولادها، وما خسائرهم المتلاحقة المرافقة لصمت المترقب للوثب إلا نتيجة عقود من السياسات الاقتصادية المفصلة على قياس الناهبين ومراكز الفساد الكبير ولخدمة احتكاراتهم التي زادتهم نفوذاً أعلى وبالتالي قدرة أشد على النهب والاحتكار حتى وصل بهم الأمر إلى نزع بضع لقيمات الطعام من أفواه المنهوبين والكادحين وأسرهم المحرومة.

كرامة الوطن من كرامة مواطنيه

يستطيع من أراد الرؤية أن يبصر واقعاً شديد الوضوح، حيث انحدرت معيشة المنهوبين للدرك الأسفل وارتفعت نسبة المهمشين في المجتمع، وارتفعت معه كل المعدلات إلى حدود قياسية معدلات الفقر المدقع والبطالة والتسرب الدراسي زد عليه قوائم المفقودين والمهجرين والنازحين والرعاية الاجتماعية والصحية والخدمات والدعم وكل ما يمس الحياة اليومية، وتبدو مراحل الانحدار في خواتيمها وفي مرحلتها الأخيرة وما بعد القاع من قاع، وبذلك فإن مصير المنهوبين وسائر الطبقات المضطهدة والمستغلة أن تطلق قواها الكامنة وتنفض ما ألمّ بها من تراكمات وتحمل برنامجها الوطني والسياسي والاقتصادي الاجتماعي والثقافي الذي ينقذ كل مواطن ويحقق كرامته فكرامة الوطن من كرامة مواطنيه وهي فوق كل اعتبار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1060