أحوال العمال في هذا الزمان.!
عادل ياسين عادل ياسين

أحوال العمال في هذا الزمان.!

للتحكم والسيطرة والهيمنة على قوة العمل كيما يفلت زمامها، ويصبح التحكم بمنتوجها صعباً، وهذا شرطه أن يكون العمال واعين لمصالحهم عارفين بشكل وأسلوب استغلالهم، مدركين لأهمية أن يكونوا منظمين، والشرط المقابل، وهو قدرة رأس المال على تحقيق أعلى نسبة ربح، بأن تصيغ الطبقة المسيطرة القوانين الضرورية لعملية السيطرة والتحكم، مدعومة بقوة القمع وبجهاز نقابي يدجن حسب مصالحها- إن أمكنها ذلك- لتعزيز السيطرة التي تؤمن مصالح رأس المال، ولا بأس من فتات ينثر هنا وهناك لتغطية عملية الاستغلال، التي يجري التلاعب به بوعي العمال، بأن ما يجري وما يقدم لهم في المناسبات الدينية كالأعياد وغيرها.. إنما هو مكرمة وهبة من صاحب العمل، الذي سخره ورزقه الله لكي ينفق على الفقراء والمساكين، والعمال هم الأكثر فقراً، فإذا ما أنفق عليهم نفقة ما، سيكون وزنها أكثر في ميزان حسناته، وستسجل له في صحيفته، وتكون عوناً له ليدخل الجنة.

في بعض معامل القطاع الخاص، حيث يكون العمال بالمئات، ويعملون ثلاث ورديات، وإنتاج المعمل رائج ومسوق بالرغم من الوضع المزري للصناعة عموماً، في قطاع الدولة أو في القطاع الخاص، لأسباب كثيرة، مما يعكس هذا الحال نفسه على أوضاع العمال في أجورهم، وبالتالي، مستوى معيشتهم فيصبح عدم الرضا هو السائد عند العمال على ما هم به من سوء في أحوالهم، وعدم الرضا الذي يكون همساً في البداية، ويصبح علناً لاحقاً، ولكن لا يتحول إلى فعل ظاهر كإعلان احتجاج في المكان، أو توقف عن العمل، أو إضراب لوقت محدد، هذا الوضع يستشعر به رب العمل عبر قرون استشعاره المنتشرة على خطوط الإنتاج، ويحاول امتصاصه بأشكال مختلفة.
أحد المعامل الكبيرة تحرك عماله تحركاً جزئياً، ورب العمل استقبل هذا التحرك بجملة من الإجراءات، أولها: دفع نسبة من الأجر المقطوع تعويضاً عن غلاء المعيشة، ودفع نسبة أخرى كمكافآت، وبقي الأجر المقطوع ثابتاً، ولا تدخل تلك التعويضات في حساب الراتب التأميني، لأن ذلك سيكلفه مبالغ كبيرة تدفع في حساب العامل، وتحسب له عند الاستقالة أو الخروج على المعاش، هذا جانب، والجانب الأخر من الموضوع يحمل في طياته مخاطر على العمال من حيث وعي مصدر استغلالهم وكيف يتم ذلك.
يقوم رب العمل بتوزيع بعض الهبات التموينية، وكذلك يوزع على العمال بعض قطع اللحم وغيرها، وهذا التوزيع كما ذكرنا أعلاه يأتي بسياق أن صاحب العمل قلبه لله وقلبه على الفقراء العمال المساكين، وهو يستفيد إلى أقصى حد من أوضاعهم السائدة التي لا تسر لا عدو ولا صديق، وهو يستفيد إلى حد كبير من إيمانهم بأن ما يقدمه من أشياء هذا فعل خير، ولا يعلمون قضية أساسية، وهي: أن صاحب العمل لا يقبل بالانتقاص من أرباحه، وبالتالي ما يقدمه هو جزء يسير مما ينتجه العمال، حيث يعمل قانون القيمة الزائدة عملاً جباراً من خلال تكثيف العمل، أو إطالته أو تطوير في أدوات الإنتاج، وأن ما يأخذه العامل كأجر وما يأخذه كهبات مأجور عليها رب العمل، هي مما ينتجه العامل في الساعات الأولى من عمله، وما تبقى فهي لرب العمل.
النتائج المستخلصة من هذه الوقائع، أن رب العمل يستحوذ على الربح الذي يريده من عمل العمال، ويقدم لهم رشاً ليضمن عدم تحركهم دفاعاً عن مصالحهم وحقوقهم، وأيضاً بهذا الفعل الذي يقوم به رب العمل يبقي وعي العمال لمصالحهم- إن تمكن بالاستمرار من تقديم الرشا- مغيباً ومرهوناً بتحركاتهم بما يقدمه لهم، وهناك تجارب عمالية يمكن الرجوع إليها، حدثت في المراكز الإمبريالية والأطراف، حيث ساد الرفاه الاجتماعي، وقدمت للحركة العمالية والحركة النقابية الرشاوى المادية والمعنوية، ولم يستمر هذا الأمر مع تسيّد الليبرالية الاقتصادية في منتصف السبعينات، حيث بدأ الهجوم على مكاسب العمال وحقوقهم، واليوم مع انتشار وباء كورونا، أصبح وضع العمال في أسوأ حالاته، ومستوى معيشتهم في الحضيض، حيث تشهد المراكز والأطراف الرأسمالية تحركات عمالية واسعة، ويعيد العمال تنظيم أنفسهم بنقابات جديدة، من حيث التكون والقدرة على المواجهة مع أعدائها الطبقيين، متخطين النقابات الصفراء السابقة، ومتجاوزين تجاربها وسلوكها السابق المهادن لقوى رأس المال.
إن الطبقة العاملة في سورية تتعرض لضغوط كبيرة في أكثر من جانب:
أولاً: الكوارث التي لحقت بها جراء الأزمة بالتهجير، ليس من مكان السكن فحسب، بل من مكان العمل.
ثانياً: البحث عن سكن وعمل في الوقت نفسه، وهذا رتب أعباءً كبيرة لا طاقة للعمال على تحملها.
ثالثاً: ضغط الأجور من حيث ضعفها وعدم قدرتها على تلبية الضروريات من سكن ومعيشة.
رابعاً: فقدان الطبقة العاملة لتنظيم يرعى مصالحها في أوضاعها الجديدة، حيث النقابات غائبة عن الفعل الحقيقي في الدفاع عن مصالحهم.
خامساً: في غياب النقابات ودورها في تنظيم العمال، تحرك العمال في بعض المعامل منفردين، واستطاعوا في بعضها تحقيق القليل من مطالبهم، لهذا اضطر أصحاب المعامل المجاورين من تقديم بعض الفتات لعمالهم درءاً لخطر العدوى من العمال المتحركين.
إن تطور الأوضاع المعيشة للعمال، وغياب حقوقهم وغياب تنظيمهم النقابي سيدفعهم نحو التحرك، وهذا قانون الصراع بين الناهبين والمنهوبين، وعندها لن يفيد الفتات المقدم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1031
آخر تعديل على الإثنين, 16 آب/أغسطس 2021 23:42