لحظة «الكشف عن الحدّ والانتقال نحو الوجود الحيّ»: المشروع الحضاري بين هيغل ولينين (2)

لحظة «الكشف عن الحدّ والانتقال نحو الوجود الحيّ»: المشروع الحضاري بين هيغل ولينين (2)

في المادة السابقة كنا قد حاولنا الاستعانة بلغة الديالكتيك «الصافي» لدى هيغل وملاحظات لينين عليه في «دفاتر عن الديالكتيك». والفكرة الأساس هي أن الانتقال من «الوجود الميت» نحو «الوجود الحي». هذا الانتقال هو التعبير المجرّد عن ضرورة الانتقال الحضاري المطلوب اليوم. وفي هذه المادة سنمر أكثر على بعض أفكار لينين في نصوصه المجموعة في كتيّب تحت عنوان «إشراك الجماهير في إدارة الدولة».

مجدداً، من «الميّت» إلى «الحي» عبر «الفعاليّة»

الانتقال من «الوجود الميّت» إلى «الوجود الحيّ» (بلغة الديالكتيك) يحصل فقط من خلال الانتقال من «الشيء في ذات» نحو «الشيء (لذاته) وللآخرين»، فتكون حينئذ «الفعالية» (الحركة الداخلية، الحياة...). فالأول (الشيء في ذاته، منقطع الصلة بالآخرين) هو التعبير المجرد عن نمط الحياة الفرداني-الاستهلاكي المهيمن بقوة عالمياً طوال العقود الماضية، أما الثاني (الشيء - لذاته - وللآخرين) هو التعبير المجرد عن نمط الحياة حيث يشترك الناس فعلاً في صناعة تاريخهم المشترك، عبر حل التناقض في البنية الرأسمالية الحالية، «هكذا، إن شيئاً هو حيّ فقط بما أنه يحوي في ذاته التناقض». وربطاً بقضية عقلانية الإنسان، والدفع نحو البربرية، فإن النمط الأول «الفرداني الاستهلاكي» الذي وصل التنظير له اليوم حد المثالية المنعزلة عن الواقع والعدمية (في ممارسات سحرية وشعوذات «ليبرالية» مختلفة لحل القضايا الفردية) قاتل للعقلانية لأنه وبكل بساطة «وجود ميّت» دون «فعالية-حياة». ولا بد من الإشارة إلى أن الاقتباسات المذكورة في المادة الحالية، هي إما من هيغل أو لينين، ولمّ نُشر إلى صاحب الاقتباس لأن تجاه هذه الأفكار بالتحديد لا يختلف فيه لينين مع هيغل.

ولا يمكن المواجهة إلا من خلال نقيض قادر، أولاّ، على وعي هذه الفعالية وفهمها والمناداة بها من خلال «وعي الحدّ» الحالي للوجود المأزوم، وبالتالي رؤية «ما وراء الحدّ»، أي حدود العالم الجديد. فإنتاج هذا «المفهوم» الخاص بهذا الإنتقال نحو الوجود الحي-العقلاني هو تحقيق الضرورة الواعية كحريّة، «فالمفهوم»، مملكة الذاتية أو الحرية». وثانياً من خلال التأسيس للنقيض ممارسياً، أي التأسيس لنمط «الوجود للآخرين» ضمن «الترابط الكلي-الكونيّ» وضمن «حاصل جمع الحركة» (أليس هذا الحاصل بلغة الاشتراكية هو الأممية والصراع العالمي واتجاهاته وقواه المختلفة). ولكن هذا دونه الكثير من الجهد النظري والعملي، الذي كانت التجارب الثورية قد اختبرت الكثير من صعوباته المؤسساتية والبشرية. وفيما يلي بعض من ملاحظات لينين في بداية انطلاق الدولة السوفياتية، والتي ولا شك تهمنا اليوم، لكون المادة البشرية الخام التي نرثها اليوم هي نتاج عقود من غياب الفعالية، مع كل بنيتها العقلية والنفسية التي تتمحور حول فكرة الربح المطلق، ونفي كل خسارة-ثمن-تضحية، وتشرّب الأيديولوجية الفردانية ونمط الحياة على قاعدة «السهل» العقلي والممارسي، دون الإبداع الأصيل، والابتعاد عن قضية وجود تناقض في الواقع (أنظر/ي تيار «الإيجابية» الطاغي عالميا، ليس في علم النفس فقط، الذي هو تعبير عن رفض كل «سلبية»، بل الموجود في مراجع «التنمية البشرية» «وتنمية الذات»، والممارسات/الطقوس الرائجة حول اكتشاف «العالم الداخلي وطاقته الخلاقة»؛ كذا!)، بل تسطيحه والتلاؤم معه (الهروب من الصراع الفردي الداخلي)، ولكن «ليست (الهوية) (التماثل) سوى الوجود الميت، أما التناقض فهو جذر كل حركة، وكل حياة، فقط من حيث إن شيئاً له تناقض في نفسه، يستطيع أن يتحرك، له دفع وفاعلية». ولكن بالمقابل، لدينا قوى بشرية متعلمة (حتى لو كان العلم علماً برجوازياً بالعام) وخاضت تجربة الإدارة والتنظيم والتفكير المجرد بما لا يقاس مع القوى الاجتماعية «البروليتارية-الفلاحية» في بدايات القرن الماضي. وهذا التناسب بين «الإيجابي» «والسلبي» للقوى الاجتماعية يختلف من مجتمع إلى آخر. فهذا السلبي اليوم يتضمن تضخماً لنزعات الفوضوية كنزعات بورجوازية حيث «نرى إلى أي حد تناقض )هذه النزعة الفوضوية( الاشتراكية... تناقضاً مستعصياً لا حل له... )ما يفرض ( النضال في سبيل تربية الجماهير بفكرة الرقابة والحساب... إن النضال في سبيل هذه الفكرة، في سبيل قطع الصلة مع الماضي اللعين الذي عوّد الناس اعتبار كسب الخبز والملبس )ونضيف، الحياة الروحية( ‘قضية خاصة.’.. إنما هو نضال هائل المدى، وذو أهمية تاريخية عالمية، يخوضه الوعي الاشتراكي ضد العفوية البرجوازية الفوضوية».

لينين عن صعوبة وجهد بناء الجديد

إن «الوجود (لأجل الذات) ولأجل الآخرين»- أو بالأحرى الصيغة الأوضح من جدلية هذه العلاقة هي «الوجود لأجل الذات هو الوجود لأجل الآخرين» (والعكس صحيح) – ضمن «الترابط الكلي-الكوني» يعني بالمعنى السياسي الاشتراك في صناعة المصير المشترك (على المستوى العالمي-الأممي). وهذا هو التناقض المباشر مع الرأسمالية، وجهازها، أي «الجمهورية البرجوازية البرلمانية )التي( تعرقل، تخنق حياة الجماهير السياسية المستقلة، واشتراكها المباشر في البناء الديمقراطي لكل حياة الدولة، من القاعدة إلى القمة»، وهذا الاشتراك ملحّ اليوم «فـبقدر ما يتفاقم الانهيار الاقتصادي وتشتد الأزمة الناجمة عن الحرب، بقدر ما يصبح من الضروري قيام الشكل السياسي الأكمل الذي يسهل شفاء الجراح الرهيبة التي تسببت بها الحرب للإنسانية» (فما بالنا اليوم في ظل التدمير المادي والعقلي للإنسانية في ظل الحرب الهجينة!). ولهذا، فالمشروع الحضاري النقيض ليس فقط «شعارات عامة» ثقافية وهوياتية، بل إن قاعدته المادية يجب (كما السوفيات في الصيغة الاشتراكية المعروفة) «وينبغي أن تتناول مسائل فورية وملحّة، مسائل الحياة بالذات».

ويضيف لينين «إذا ما اشترك الجميع حقاً في إدارة الدولة تصبح الرأسمالية عاجزة عن الصمود»، ولهذا، يقول يشدد لينين، «كان شعار كل السلطة للسوفيات... وتغيير جهاز الدولة القديم كله تغييراً جذرياً، تغيير هذا الجهاز الدواويني الذي يكبح كل ما هو ديمقراطي»، و «لا ريب أن هذه المهمات صعبة، ولكن إذا كنا نسمي أنفسنا اشتراكيين ولا نشير إلى صعوبة هذه المهمات إلا بقصد التهرب من تنفيذها، زال عملياً الفرق بيننا وبين خدم البرجوازية»، ولهذا نقول إن المشاريع الحضارية المطروحة اليوم، ولأنها على العموم قد تخدم اتجاهاً ضاراً كون «السعي وراء التعابير المفخّمة يغطي غموض الفكرة السياسية».

إن الاشتراك في العملية السياسية يطرح أمامه مهمة ضرورية أن تتمكن القوى «الأكثر طليعية... من أن تستنهض وتربي وتعلم وتجتذب... السواد الأعظم الضخم... الواقف حتى الآن على هامش الحياة السياسية، والتاريخ معاً... فالشعب المحكوم عليه في ظل الرأسمالية على وجه الضبط بسجن الأشغال الشاقة، وثكنة العمل الممل اللامتناهي»، وتجاوز هذا الواقع «وللمرة الأولى بعد قرون وقرون من الكدح لأجل الغير، من العمل القسري لأجل المستثمِرين، تتبدى إمكانية العمل من أجل الذات». هناك إذاً في جوهر الانتقالة الاشتراكية، انتقالة فردية- «ذاتية»، ضاعت إلى حد كبير في ظل سنوات التراجع النظري، وهذا ما عزز الاتهام المغلوط من قبل أبواق ومنظري الرأسمالية بأن الفرد لا وجود له في هذا الانتقال الثوري. أما مشروع ماركس وإنجلز ولينين والماركسية بشكل عام، هي انتقالة حضارية، تتمحور حول الإنسان (الخاص)، في ذات وقت تمحورها حول «الكل-العام».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1130
آخر تعديل على الإثنين, 10 تموز/يوليو 2023 22:13