ورثة سانت أكزوبري والصراع على «الأمير الصغير»
إسكندر حبش إسكندر حبش

ورثة سانت أكزوبري والصراع على «الأمير الصغير»

من الصعب أن يكون كثيرون قد تخطوا «الأمير الصغير»، رائعة الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت أكزوبري، فهي منذ صدورها العام 1943، لا تزال مصدراً لـ«وحي» الكثير من الأعمال الأخرى المتعلقة بها.

كتاب جعل من صاحبه، حاضراً لغاية الآن في المشهد الثقافي، في العالم بأسره. حاضراً على عدة مستويات: عبر ما كتبه بالطبع من أعمال لا تزال تحظى باهتمام كبير، عبر عمليات البحث عمّا تبقى من رفاته بعد أن سقط بطائرته في تموز العام 1944 قبالة شاطئ مدينة مارسيليا بعد أن كان عائداً من مهمة حربية في طائرته، إذ غالباً ما تستعاد الفرضيات والنظريات، ليعاد البحث عنه كل فترة، سدى، وأيضاً يحضر عبر «المحاكم» والقضايا التي يتواجه فيها ورثته طمعاً بالحقوق التي تبدو على تزايد واضطراد.

من آخر الأخبار المتعلقة بهذه القضية، ما أعلنته إحدى المحاكم الفرنسية منذ أيام، حول صاحب الحق في امتلاك حق الاستفادة من ميراث الكاتب، وهي ليست بقضية جديدة، إذ إنها تدور منذ عشرين عاماً، وقد شهدت القضية فيها تقلبات عدة. ففي قرار لها صدر يوم 21 الماضي، أعلنت محكمة باريس العليا أن جوزيه مارتينز فروكتويوزو، سكرتير كونسولو (زوجة الكاتب)، هو صاحب الحق الشرعي الوحيد في إدارة ميراث الكاتب والإشراف عليه، وهو الأمر الذي يرفضه الفريق المقابل المتمثل بعائلة جيرو داغاي التي تضم أحفاد أولاد أخت الكاتب الراحل.

منذ عقود وهذه القضية التي يتقابل فيها الفريقان المعنيان، تلفت النظر في المشهد الفرنسي، وقد ازدادت حدة في السنوات الأخيرة بسبب المشاريع «المتسارعة» والمتعلقة بكتاب «الأمير الصغير»، الذي يمثل المشكلة الرئيسة في هذا النزاع. فبعيداً عن أن الكتاب لا يزال يطبع بكميات كبيرة (ما يعني أموالاً طائلة) ويترجم إلى العديد من اللغات مرات جديدة، هناك مشاريع أخرى موازية له: تحويل الرواية إلى سلسلة من الرسوم المتحركة التلفزيونية، ما أوحي لدار «غاليمار» أن تعيد إصدار هذه الحلقات على شكل كتب متسلسلة تروي مغامرات ذلك «الأمير» الذي هبط من كوكب مجهول.

من هنا ارتأت المحكمة أن هذا الاقتباس التلفزيوني الذي جرى من دون موافقة جوزيه مارتينز فروكتويوزو، يعتبر تعدياً على حقوقه التي يملكها في كونه الوصي الفعلي على ميراث الكاتب الأدبي. كذلك ارتأت المحكمة بأن عليه أن يكون «شريكاً» فعلياً في هذه القضية، لأن الأمر «لماركة» معترف بها دولياً (المقصود أن «الأمير الصغير» أصبحت ماركة مسجلة، لا يحق لأحد التصرف بها أو الاعتداء عليها).

القضية إذاً تتخطى مجرد الحادث الثقافي، إذ تدخل في صلب عملية اقتصادية مالية كبيرة، ففي تفاصيل القضية أنه تمّ تعيين خبير محلف لتقدير الحصة المالية التي يجب على جوزيه مارتينز فروكتويوزو الحصول عليها، وقد حددت بمبالغ كبيرة جدا. يكفي أن نعرف فقط أن كتاب «الأمير الصغير» ترجم لغاية اليوم إلى 240 لغة في العالم، ما يمثل رقماً قياسياً لم يسبقه إليه أي كتاب آخر، ما يعني عائداً مالياً يفوق كل التقديرات والتوقعات.

القضية لن تنتهي بالتأكيد، إذ أعلن محامي عائلة جيرو داغاي، أنه يحضر دعوة جديدة، تتعلق بهذا القرار، ما يعني أن ثمة أبعاداً أخرى تنتظرنا بين مختلف الورثة، الذين لا يتصارعون بالتأكيد، على قضية أدبية، بل على قضية مالية بامتياز...

 

المصدر: السفير