_
تطوُّر الحلول السياسية عبر التاريخ
تايه الجمعة تايه الجمعة

تطوُّر الحلول السياسية عبر التاريخ

ليس كنيزك هبط من السماء إلى الأرض، وإنما كشمعة اشتعلت لتبدد الظلام، اشتعلت من الواقع السياسي والاقتصادي الاجتماعي، ومن حاجات الناس وضرورات التاريخ.

تبلورت شمعة الحل السياسي منذ التاريخ القديم للبشرية، ليس التاريخ الموغل في القدم، وإنما منذ ظهور المجمعات الطبقية، وقطع «الحل السياسي» أشواطاً تاريخية طويلة، عابراً مختلف التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية وصولاً إلى القرن الواحد والعشرين. قد يبدو للوهلة الأولى بأنه حل صعب، أو لا يقبل التطبيق، لكنه ينتهي بالتطبيق لأن الواقع يتطلب ذلك. والحل السياسي ظاهرة تاريخية لها بداية ونهاية، ومرتبطة بفكرة التعاون وردع الحرب أو إحداث التغيير.

الفلسفة اليونانية

في الأعمال الكلاسيكية للفلسفة اليونانية القديمة، ربط اليونانيون بين «الحل السياسي» و«التغيير أو حل القضايا والمشاكل العالقة» دون أن يقولوا ذلك بشكل مباشر حسب ويل ديورانت وهو آخر الموسوعيين المعروفين للفلسفة البرجوازية في القرن العشرين، وأمضى مع زوجته أريل ديورانت أكثر من 40 عاماً في تأليف مجلدات «قصة الحضارة» بين عامي 1935-1975.
يقول ديورانت في الفصل الأول من «قصة الفلسفة» وفي قسم «الحل السياسي» ص 44-52، إن الفلاسفة اليونانيين قد دعوا إلى «التربية المشاعية» لحكام الدولة، وفي ذلك خلاصهم ونجاتهم ونجاة الدولة.
كما دعوا إلى تأسيس «تنظيمات خاصة» تمنع حكام الدولة من استغلال المناصب وجمع الثروات مؤكدين على ضرورة تقديم مصالح الشعب على المصلحة الخاصة، وضرورة إقامة «نظام شيوعي/الكلام لديورانت» بين حكام الدولة وحماتها رغم شراهة حُكام الدول في جمع الثروات.
يبدو تطبيق هذا الكلام ضرباً من الخيال بالنسبة إلى الفترة الواقعة بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد لأنه كلام يناسب القرن الواحد والعشرين، ولكنه أفضل تعبير عن محاولات واقتراحات «الحل السياسي» عند فلاسفة ديمقراطية عصر الرق.

التاريخ العربي الإسلامي

عرف التاريخ العربي والإسلامي أمثلة عديدة على الحل السياسي للقضايا الكبيرة والصغيرة في الكثير من المحطات التاريخية، ولكنه لم يعرفه كمصطلح.
على سبيل المثال، هناك «صلح الحديبية» من جهة، عندما عقد الرسول صلحاً مع قريش عام 627 م، ومن جهة أخرى هناك «سقيفة بني ساعدة» التي كانت أشبه باجتماع للأحزاب السياسية المتصارعة للتوافق على اختيار خليفة الرسول عام 632م، إضافة إلى مجالس الصلح القبلية التي كانت تنهي الحروب والقتال، ويمتلئ التاريخ العربي والإسلامي بالعديد من الأمثلة المشابهة.

المرحلة الرأسمالية

في العصر الرأسمالي، وعلى سبيل المثال، وقع البلاشفة «صلح بريست»، وكان ذلك ضرورياً لضمان «السلم»، ولضمان استمرار الثورة. وكان الحل السياسي هو الحل الذي تنتهي عبره الحروب على الطاولة، وليس في الخنادق وجبهات القتال.
كتب الباحث السويسري جان جاك بيبيل: «لم يكن بين الخمسة آلاف وخمسمئة سنة الأخيرة سوى 292 سنة سلام، ووقعت حوالي 15 ألف حرب هلك فيها الكثير من البشر». وقد عرفت البشرية خلال عصر الإمبريالية سلسلة من الحروب والمآسي، راح ضحيتها الملايين من البشر ودمرت موارد وقيماً بشرية وحضارية كثيرة، وقد هلك في الحربين العالميتين الأولى والثانية أكثر من 70 مليون إنسان.
اليوم، وفي القرن الواحد والعشرين، يشاهد الناس كيف تنحت الحلول السياسية للحروب الحالية في العديد من البلدان، بل وبعض تلك الحروب تعود إلى القرن الماضي، ولن نخوض في الجانب السياسي من الموضوع.
أما الجانب التاريخي للحل السياسي كظاهرة، وضمناً الحل السياسي للأزمة السورية، كانت جريدة قاسيون أول من استخدمه كمصطلح عام 2005، عند تسارع السياسات الليبرالية في سورية، أما روحه، فهي موجودة على صفحات الجريدة منذ اعتماد الحل العسكري من قبل الإمبريالية بعد حربي أفغانستان والعراق، ولم يعد الموضوع يقتصر على سورية فقط، بل يشمل العديد من البلدان حول العالم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
950
آخر تعديل على الإثنين, 27 كانون2/يناير 2020 12:54