_
«الرجل الإيرلندي»  يدفن المافيا الإيطاليّة
عروة درويش عروة درويش

«الرجل الإيرلندي» يدفن المافيا الإيطاليّة

تمخّض الجبل فولد فأراً، هذا أقلّ ما يمكن أن يُقال عن فيلم المافيا الإيطالية الهوليودي الجديد واسع الدعاية: «الرجل الإيرلندي». الفيلم من بطولة أعلام هوليود فيما يخص المافيا الإيطاليّة: آل باتشينو وروبرت دي- نيرو وجو بيشي، وإخراج المخضرم: مارتن سكورسيزي. كيف حدث هذا مع فيلم بمثل هذا التمويل وكلّ هؤلاء النجوم؟ ما الدافع لإنتاج فيلم عن المافيا الإيطالية اليوم، وهي الموضوع الذي فقد بريقه منذ زمن؟

الجانب الفني:

دون التطرّق للتفاصيل الخاصة بأهل المهنة، يمكننا على الفور أن نكتشف الضعف في محاولة إيكال جميع الأدوار لذات الممثلين، دون اعتبارٍ للمراحل العمرية التي تفصل فيما بينها. فصبغ شعر روبرت دي نيرو، وإلباس جو بيشي ثياباً جلدية على سبيل المثال، لم يكونا كافيين لعدم إزعاج المشاهد بحني ظهرهما وبطء حركتهما المصاحبة لشيخوختهما، وخاصة المُشاهد الذي تابع أفلامهم وهم أصغر سناً وأحبهم في تلك الأدوار وطبع صورهم بها. إنّ وقوع هوليود بمثل هذا الخطأ الذي ينسب عادة للسينمات الأقل تطوراً، مثل المصريّة والسوريّة، والتي يكون للممثلين المشاهير سطوة أكبر فيها، يعني بأنّ منتجي هوليود يخشون ألّا يكون موضوع الفيلم وحبكته كافيين لتسويقه.
ورغم أنّه من المتوقع تلوين الفيلم بهذه الألوان في محاولة لإضفاء مسحة من القدم عليه، إلّا أنّ خلفيات التصوير والديكور المعتمد ينمّ عن ضعف في الرؤية والتقدير، ويضفي سمة الجمود على المشاهد وعلى حركة الفيلم عموماً، بحيث يبدو الفيلم وكأنّه يدور في استديو مرتب غير واقعي، ولم يقلل من هذا الانطباع موديل السيارات واليافطات المعلقة، ولا الأزياء والنظارات الشمسية غير الحيّة التي يرتديها أغلب الممثلين بشكل أميل للكاريكاتوري. ومردّ ذلك أنّ الطاقم الفني قد وقع في فخ تكرار الأفلام الهوليودية ذات الصيت الذائع عن المافيا، والتي تركت أثراً في الذاكرة الجماعية للمشاهدين بسبب صنعتها الفنيّة الإبداعية في حينه، وأقصد تحديداً فيلم العرّاب بجزأيه الأول والثاني، وغودفيلاس الذي أخرجه سكورسيزي نفسه. ويمكننا أن نرى أنّ منتجي مسلسل سوبرانوز قد تنبهوا لهذا الأمر من قبل وشذوا عن القواعد الهوليودية السائدة، الأمر الذي ساعدهم على إنتاج رائعة فنيّة أخرى متعلقة بالمافيا الإيطالية.
والنصّ والحوار بحدّ ذاتهما مملان، لا يحملان شيئاً إبداعياً لا في الشكل النمطي للشخصيات الهوليودية عن المافيا، ولا في المضمون من حيث يمكن للمشاهد أن يضيع في الحوارات. بل ونرى جلياً تأثير ألعاب المافيا والعصابات واسعة الانتشار بدورها، فنرى، خلافاً لأفلام المافيا السابقة التي تخصص كلّ فرد بعمل متمايز عن غيره، البطل فرانك يقوم بالأعمال بشكل متسلسل بصيغة مهمات، ترفع من رتبته كلّما حقق أحد الإنجازات. شكلت هذه الطريقة ضرباً صريحاً لمفهوم العائلة واعتناء أفرادها بعضهم ببعض، المفهوم الذي كان من أساسات أي طرح لأفلام ومسلسلات المافيا الإبداعيّة.

الدور الوظيفي

لطالما لعبت المافيا الإيطالية في السينما الهوليودية أدواراً وظيفية هامّة في الأجندة الرأسمالية، فنرى جميع الأعمال المتعلقة بالمافيا عموماً، والمافيا الإيطالية خصوصاً وهي تُظهرهم كمجموعة متمردة على النظام الرأسمالي القائم، لهم قواعدهم الخاصة بهم، ونمط حياة اختاروه مجبرين كي لا يُحنوا رؤوسهم «للمتنفذين» الذين يرتدون السترات الفارهة وأغلبهم من الأمريكيين البيض، الأمر الذي يخفي بشكل واضح أنّ المافيا الإيطالية، سواء في الواقع أو السينما، هم مجرّد فرع إجرامي آخر للمنظومة القائمة، لهم دور وظيفي محدد لا يشذّون عنه قيد أُنملة، وإلا يتم طحنهم على الفور «للاستزادة راجع مقال قاسيون:».
لكنّ المافيا الإيطالية في هوليود قد فقدت بريقها منذ أكثر من عقدين، وآخر عملٍ مبدع فيما يخصها «مسلسل سوبرانوز» اضطرّ لكسر الكثير من القيود القديمة عن الطرح المقنن للمافيا الهوليودية كي يلاقي قبولاً لدى الجماهير، القيود التي لم يكن بالإمكان التراخي بها بعد ذلك أكثر. وقد رأينا على طول العقدين الأخيرين محاولات كثيرة لإنتاج أعمال جديدة عن المافيا تحقق ما حققته الأعمال القديمة، لكن دون نجاح يذكر، وليست الأعمال التي تلاقي رواجاً نسبياً مثل «بيكي بلايندر» إلّا شخصيات ممجوجة مكررة لا تصمد لأكثر من وقت عرض العمل، وغير قادرة على تشكيل شخصيات «نقيض بطل» تمتزج في الخيال الجمعي للمشاهدين وتخلد بها، على شاكلة النجاحات التي حققتها شخصيات مثل «مايكل وفيتو كورليوني» أو «نيكي سانتورو وجينجر ماكينا» أو «جيمي ديفيتو وهنري هيل». وباتت هوليود تبحث عن شخصيات تناسب المرحلة أكثر مثل «الجوكر»، وهو حديث منفصل يطول.
لكن طالما فقدت هذه الشخصيات قدرتها على التأثير، وطالما أنّ هوليود ومموليها أدرى بشعاب شخصياتهم، ما الفائدة إذاً من مثل هكذا أفلام؟ هل هي لتحقيق ربح ريعي وانتهى الأمر؟ هل هناك رسائل أخرى يمكن الاستفادة منها عبر هذه الأفلام؟ هل يحاولون إعادة شخصيات المافيا إلى الدراما من جديد بعدما حققت نجاحات في الكوميديا آملين بإخراجها من دائرة الترفيه الهامشي؟

تشويه الحركة العمّالية والتاريخ

حاول الفيلم بطريقة فجّة إظهار النقابات العمالية الأمريكية، وبالمضمون الحركة العمالية ككل، وكأنّها حركة إجرامية مرتبطة من جذورها بالمافيا وبالعصابات الخارجة عن القانون، الأمر الذي يخدم الاتجاه العام للإعلام الشركاتي بإظهار الطبقة العاملة كطبقة فاسدة غير مثقفة فاشيّة بطبعها. استطاع منتجو الفيلم- عبر شخصية جوني هوفا الذي لعب آل باتشينو دورها- أن ينفثوا سمومهم بخصوص الطبقة العاملة الأمريكية المنظمة، والإسهام في مزج تاريخها بالجريمة الأمريكية المنظمة.
يحتاج تفصيل هذا الأمر مقالاً أو أكثر، ولكنّ استعراضاً سريعاً لتاريخ الحركة العمالية الأمريكية سيكون مفيداً هنا. فبغض النظر عن جوني هوفا نفسه، أو زعماء النقابات الآخرين المرتبطين بالمافيا، وبالطبقة السياسية عموماً، فإنّ هذا الارتباط قد حدث أساساً بتوجيه من الرأسمال الأمريكي، العرّاب الحقيقي الذي كان يخشى هذه النقابات قبل عقدين من ذلك، واستخدم في ذلك كلّ الأسلحة في ترسانته وأبرزها: الكونغرس الأمريكي وجهازا المخابرات الإف.بي.آي والسي.آي.إ.
منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وأجهزة الرأسمال الأمريكي تحاول كسر شوكة الحركة العمالية التي كانت نشطة في أمريكا، متأثرة بالروح التي بثها نجاح ثورة البلاشفة الروس. وقد جربت في ذلك كلّ سبيل من دعم الجريمة المنظمة والتغطية عليها في قتل وابتزاز الناشطين النقابيين. يمكننا كمثال أن نلجأ لوثائق جامعة جورجيا، كان عدد المنتسبين لنقابتي «CIO» و«AFL» يبلغ 14,5 مليون عامل، أي قرابة 35% من عمال البلاد، وقد تعرض زعماء وقادة هاتين النقابتين للضرب والابتزاز والاغتيال والاتهام بالانتماء «للشيوعية التخريبية» بشكل منهجي على طول فترة الحرب وما بعدها.
كما هناك المحاكمات الشهيرة التي عقدها الكونغرس ضدّ كلّ من يبدي حتّى أدنى تعاطف أو انتماء للحركة العمالية، وتجريمه بالخيانة وحرمانه من العمل والضغط عليه بأوسع طريقة، المحاكمات التي نددت بها فيما بعد المحكمة العليا للولايات المتحدة «يتحدث فيلم the way we were بشكل جيّد عن هذه الحقبة».
إنّ كلّ هذا والكثير غيره، هو من أضعف الحركة العمالية الأمريكية، وبالتالي نقاباتها ومؤسساتها، وسلّم زمام أكبرها للمافيا الذين شكلوا امتداداً إجرامياً للنظام القائم. هؤلاء المافيا هم ذاتهم الذين أخرجتهم الشركات من لاس فيغاس عندما انتهى دورهم الوكيل، وهي اليوم تتخلى عن تلميعهم في وجه العامة لانتهاء وظيفتهم الهوليودية.
ولهذا يمكننا أن نعتبر بأنّ فيلم الرجل الإيرلندي هو مسمار آخر في نعش صورة المافيا الهوليودية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
948
آخر تعديل على الإثنين, 13 كانون2/يناير 2020 13:50