_
الفن.. الشكل والمحتوى في عصر الإقطاعية
سلاف محمد صالح سلاف محمد صالح

الفن.. الشكل والمحتوى في عصر الإقطاعية

التحول من نمط إنتاج أدنى إلى نمط إنتاج أرقى، سينعكس تحولاً في الوعي الاجتماعي القائم والناشئ ومفاهيمه الأخلاقية، كما سينعكس تحولاً في المُثل الجمالية- الفن، لتتخذ طابعها الجديد في مجرى التحول العام الجاري. وهو ما لا يعني تحطيم أشكال الفن القائمة، وإنما نفي وفناء بعضها وتحول ونشوء بعضها الآخر، واكتمال أخرى.

وإذ تميّز التحول من نمط الإنتاج المشاعي البسيط إلى العبودية بنمطين أساسين تبعاً لنظام العلاقات الاجتماعية الذي مَيّز بين الدول العبودية في الشرق القديم والعالم القديم والهند والصين. فإن التحول إلى النمط الإقطاعي فرض أنماطاً ودورياً أخرى للتطور الفني أكثر تعقيداً.
هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه في مقالنا اليوم:
تطور الوعي الجمالي الفني خلال الإقطاعية بأشكال متعددة تبعاً للظروف المحددة لأساليب التطور والتحول إليه، غير أنَّ أطراً عامةً ظلت تربط هذه الاختلافات والاتجاهات وتجمعها في وحدة واحدة تمثل المُثل الجمالية في عصر الإقطاع.
فالممالك التي عرفت قوالب- تقاليد صارمة في تطور الأشكال الفنية ناتجة عن صلابةٍ في المفاهيم الاجتماعية فيها (الحقوق والواجبات- القوة والضعف-..)، بسبب طابع الحكم المطلق، كما في فارس ومصر، ضمنت التحول التدريجي للمُثل الجمالية وأشكال الفن فيها.
في حين عرفت روما الغربية تحطيماً مادياً للبنية الاقتصادية الاجتماعية فيها، طالت بالتالي الأشكال الثقافية الفنية والمُثل الجمالية لديها غداة تعرضها للغزو من القبائل البربرية الجرمانية، فكان نشوء قيم ومُثل وأشكال ثقافة فنية أثناء تحولها إلى الإقطاعية يبدو حاصلاً (في الفراغ) دون جذور. على عكس روما الشرقية أو (بيزنطة) التي بقيت بعيدةً عن مفاعيل الغزو فيها، فحافظت بالتالي على مُثُلها الجمالية، لكنها كانت في مرحلة الانحدار والأفول، ووجد ذلك أثره عميقاً على مُثُلها الجمالية التي باتت ذات أشكال مقولبة بقوالب زمنية سابقة.
أما لدى الشعوب التي لم تعرف نمط الإنتاج العبودي كنمط سائد في علاقاتها الاجتماعية خلال تطورها، كان لا بدَّ لانتقالها إلى الإقطاعية من تملّك الأشكال الثقافية الفنية للشعوب الأخرى، واستيعابها وصهرها بمثلها الذاتية لبعثها بأشكال خاصةٍ بها وأكثر تطوراً متناسبة مع أنماط الإنتاج الأرقى كالعرب، وروسيا، والشمال الغربي الأوروبي..
في ذلك العصر، لم يعد الإنسان حيواناً ناطقاً- عبداً، لكن اتسعت طبقة المضطهدين والمسحوقين لتشمل الأحرار بمن فيهم العاملون في حقول الفن الذين يمتلكون بعض الحقوق لكنها مجتزأة بسيطة بما يضمن سيادة الإقطاعي عليها. لقد بات للإنسان استثماره الذي يقوم باستغلاله أبناء الطبقات العليا، ولم يبدُ له من سبيل للأمل في تجاوز مهانته واقتلاع تلك الحواجز الطبقية.
وبناءً على ذلك، تطلَّب الأمر لبسط السيادة الإقطاعية الحاجةَ إلى الإيديولوجيا لتوجيهها إلى الطبقات الدنيا التي بات من الضروري مراعاة متطلباتها الروحية لدى تقديمها بعض الحقوق للعاملين في الإنتاج، وحرمانها للكثير منها. وهو ما يقدم تفسيراً لتبني الطبقة الإقطاعية لإيديولوجيا الدِّين. لكن الدِّين قدم فكرتين متناقضتين. الأولى: فكرة الخضوع لكل من الطبقة المتسيّدة وإرادة القوة الخالقة. والثانية: فكرة التساوي بالآلام والآثام والموت والحساب الذي شكل المنفذ الماورائي لتنفيس احتقان المضطهدين. وهو ما مثَّل فكرة جديدةً كل الجدة عن عصر العبودية.
على أن الحركات الشعبية، عملت على نقل فكرة المساواة تلك من نطاقها المثالي إلى نطاقها الواقعي، وهو ما سّمي بالهرطقة أو الرِّدة لدى رعاة الدِّين. فالديانات التي كان رسلها فقراء وأميين وعانوا من أصحاب المال والسلطة، هي الأساس الذي قامت عليه تصورات الدِّين الشعبي والفن.. في عصور الإقطاعية. وهنا مكمن الفرق بين الدِّين الرسمي والدِّين الشعبي.
يبرز اتجاهان لدى البحث في استخلاص الظواهر العامة لفن عصر الإقطاع.
الأول: يعتمد دراسة العمارة والزخرفة كمحدد أساس للدراسة والبحث في الثقافة الفنية، وهو ما يصطلح الباحثون على تسميته بنضال المدينة وسكانها ضد الحكم الدِّيني الإقطاعي، والوعي الجمالي المنبثق عن هذا النضال.
الثاني: يعتمد دراسة الفن وجميع أشكاله في ذلك العصر على أساس ارتباطه بمصادر الفكر الدِّيني الذي قام بترتيبه وتتنظيمه. ولم يكن للفنانين دٌور سوى تأدية الدور المرسوم لهم في إطار السلطة الدِّينية المرتبطة بالحكم الإقطاعي. وتنظر وجهة النظر المثالية هذه إلى الفن في ذلك العصر على أنه جاء خدمةً للدين. أما جميع أشكال الفن الأخرى، فهي ترسبات (شعبية) من الوثنية القديمة أو ما يُصطلح على تسميته (القوى الشريرة).
لكن جوهر الفن ومحدده الأساس كان اقترابه من الدِّين الشعبي في عصر الإقطاع. إذ لم تمارس أشكال الفن من قبل رعاة الدِّين الرسمي، وإنما في ورشات المضطهدين من البنائين والرسامين وحفارين على الخشب.. يظهر ذلك جلياً، على سبيل المثال، في الحيواناتِ المفترسة والقرود والصيادين والفلاحين والكائنات الأسطورية في كاتدرائيات المدن (دوم ونوتردام ..) التي ناصب قاطنوها العداء لرجال الدِّين وسلطات الإقطاعيين. وهو ما يعكس طبيعة الانفعالات والتطلُّعات والرؤى المنطلقة من طبيعة التناقضات المولَّدة من نمط الإنتاج، وخصائصه القائمة على إهانة وعي الإنسان- الشعب الآخذ النامي، وإذلال قِيَمهِ الإنسانية.
وهنا تبدو صورة المثل الجمالي النقيض لمقابله في العصر العبودي، والذي ظهراً بطلاً سيداً حراً منتصراً. فبدا المَثل الجمالي في العصر الإقطاعي تجسيداً للإنسان المعذَّب- يظهر جلياً في تصوير المسيح المصلوب-. لقد كان الدِّين والفن إذاً يتوجهان إلى الطبقات الدنيا المضطهدة والمسحوقة. وكان فناً واقعياً تنعكس فيه حدة التناقضات الاجتماعية بدرامية أحياناً كثيرة.. وتداخل فيه صراع المدن ضد الريف للاستقلال عن سلطة الإقطاع، وصراع الملوك والخلفاء والأباطرة ضد الحركات الانفصالية في الإقطاعيات، والحروب والانتفاضات الشعبية.. اندمجت جميعها لتشكل مزيجاً لتصورات فنية ذات أشكالٍ غير واضحة، عكست الواقع فعلاً!
فعالم العذاب والفقر والاضطهاد الذي ظل بعيداً عن فن العصر العبودي، انصبَّ غزيراً في فن العصر الإقطاعي (البخلاء وأدب الصعاليك وفنون الكاتدرائيات والكنائس..) مصوراً التناقض بين عالم الثراء والسلطة وعالم الآلام والقهر، وممهداً الطريق للتعبير عن حياة الناس المضطهدين الدرامية، والنفوس الملتاعة المتخبطة في صورة جسد ناحلٍ ضعيف، ومعبراً عن اتساع أفق المشاعر الإنسانية بين العطف والتآخي والنفور بين المعذبين والعداء للسلطة والنفوذ. لقد عبر فن العصور الوسطى عن (المسائل المعقدة والعميقة للوجود الإنساني الاجتماعي).
أما فن الكلمة، فقد ظل حتى ذلك العصر معتمداً غالباً على المشافهة، إذ لم يكن كرس وجوده المادي بالتدوين والطباعة بعد. ولكن المشافهة تلك، أتاحت للفلكور الشفهي الشعبي فرصةَ الوجود في (القصائد والقصص وأغاني العشاق والروايات الشعرية المستقاة من البحر الشعبي الواسع السخي، ومن الإبداع الملحمي الذي يخص الجميع ولا يخص أحداً)، وأغاني الحرب والعمل والمائدة وأغاني الجوَّالين المحرضة على الشغب والمواعظ للحشود الغفيرة، والروايات التاريخية المختلفة والمتخيلة أحياناً كثيرة، والأحاجي وقصص الحيوانات التي تحدَّدت بشكلٍ كبير وحاسم بأشكال الوجود الاجتماعي اليومي والحاجات الحياتية اليومية شأنه بالضبط شأن الحِرَف. ولقد كان بسبب من طبيعته الشعبية تلك متحرراً من القيود الدِّينية والرسمية ولذلك كان أكثر (علمانيةً وتحرراً) وعكس بأمانة جوانب الحياة الواسعة.
وعليه، ارتبط نهوض الفن في العصور الوسطى (بنضال المدن للاستقلال) عن الإقطاعيات. وكانت المدن الساحات الأساسية للنضال الذي خاضته القوى الاجتماعية المتقدمة الداعمة للمضطهدين، والخارجة من صفوفهم. وقد انعكس على خصاص الفن في ذلك العصر. وعند خضوع المدن فيما بعد إلى سلطة الحاكم المطلقة المركزية (ملك- خليفة- إمبراطور-..) وتحررها من سلطة الإقطاعيات، باتت مواضيع الفن تنضب تدريجياً منحدرةً إلى قوالب جامدة ، لتدخل في دائرة فن البلاط الضيقة.
شكلت الثقافة الفنية في عصور الإقطاعية الجدارَ الذي صدَّ في العصور اللاحقة محاولات الطبقات السائدة في دول المركز لتهميش وتحطيم الوعي الاجتماعي وتقاليد وإرث طبقاتها الأخرى في دولها أولاً، ودول الأطراف ثانياً، لدى تعرضها لمحاولات الغزو، وظلت قوةً كامنةً قادرةً على بعث نُسغ الحياة في عروق الشعوب الحيّة من جديد في طريقها للانتصار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
940
آخر تعديل على الأربعاء, 20 تشرين2/نوفمبر 2019 12:20