_
الفن.. الإيديولوجياً والعلاقة بعناصر البنى الفوقية
سلاف محمد صالح سلاف محمد صالح

الفن.. الإيديولوجياً والعلاقة بعناصر البنى الفوقية

غالباً ما يتم حصر جوهر الفن بأحد جوانبه؛ فقد يُرى تجسيداً للواقع الاجتماعي فقط، أوناقلاً للأفكار والمشاعر والانطباعات، وقد تتسع زاوية الرؤية لتجد أنه يجترح الحلول أيضاً، ويصوغ مُثلاً عُليا. وربما يُحصر بتعبير عن الذوات الإنسانية، أو بكونه مجرد رغبات بإرضاء الحاجة إلى الجمال في تحييدٍ شبه كامل لدوره. يضاف إلى ذلك، النظرات المثالية التي تُخرِج الفن من عملية النشاط الروحي الاجتماعي برمتها، ليدور في زمنٍ يختلف عن الزمن الذي يجري فيه الإنتاج الاجتماعي مادياً وروحياً. وكثيراً ما جرى تعميم خاصيّةٍ أو جانبٍ من جوانب الفن كصفةٍ ومهمَّةٍ وحيدة له، وقد تُربط جوانبه ببعضها ميكانيكياً دون البحث فيما يجمع بينها وإظهار لجوهرها.

جوهر الفن وإيديولوجياته وعلاقته بعناصر أخرى في البنى الفوقية، هو ما سنحاول البحث فيه في مقالنا اليوم:
****
الدعوة بتميز الفن كشكل من أشكال الإنتاج الروحي له قوانينه الداخلية الخاصة، لا يعني عزله عن أشكال الإنتاج الروحي الأخرى؛ لقد عَنَت مفردة (فن) المهارة والخبرة في بعض الأبجديات، وكان ممارسو الفن في الماضي منخرطين بممارسات عِلميةٍ وعَملية ما؛ فارتبطت ممارسة الرواية بالتأريخ والفلسفة..
ولا يمكن إدراك جوهر الفن، ودوره العميق في المعرفة وفي الإنتاج المادي، دون ربطه بالإيديولوجيا؛ فالفن هو شكل من أشكال النشاط الإيديولوجي في السينما والأدب والمسرح والإعلام.. ولا يمكن النظر إلى الفن كنشاط بشري منعزلٍ عن مجمل الظواهر الاجتماعية في البنية الاقتصادية الاجتماعية، فقد كَشَف الفن أفكار الناس وعواطفهم الناجمة عن تعقيدات حياتهم داخل كل بنية عبر المراحل التاريخية. كما لا يمكن لعمل فني ألا يحمل في ذاته تقييمه (قيمته) لموضوعه لجهة كونه رفيعاً أو وضيعاً، منسجماً أو ناشزاً،.. وهذا التقييم هو ما يؤثر في الوعي الفردي والجماعي جمالياً، ويحمله على التغيير من عدمه. وعليه، فإن تقييم الموضوع فنياً، يقوم بتشكيل الوعي الفني والاجتماعي باتجاهٍ فكري محدد، وهو إيديولوجي بالضرورة. وهكذا، فإن الوعي الفني ليس جانباً ضيقاً من جوانب الوعي الاجتماعي، وإنما يرتبط عضوياً بجملة من العلاقات الفلسفية والأخلاقية والحقوقية والعلمية والسياسية.. الناتجة عن علاقات الإنسان بواقعه الاجتماعي.
وإذا كانت الأشكال الصورية للفن في الأدب والمسرح والإعلام تؤثر مباشرة في الوعي الاجتماعي؛ إذ إن عَكْس الواقع في صور هو أهم خصائص الفن، ففيها يتجلى العام والخاص بكمال اللوحة المصورة ووحدة محتواها، فإن أشكاله في الفنون التطبيقية التي تشمل التصاميم الصناعية، والغرافيكية، والتصاميم الداخلية، والعمارة، والملصقات.. فضلاً عن كونها حاجاتٍ استعمالية واستهلاكية لفئات المجتمع المختلفة، أو لإحداها، فإنها نشاط فكري يؤثر في تشكيل الوعي الفني بشكل خاص، والاجتماعي بشكل عام بناءً على حاجاته تلك. وهذا الوعي ناتج عن الموقف تجاه الواقع الجاري تغييره.
وعلى ذلك ينبغي البحث في الإيديولوجيا الفنية لمعرفة مهامها ودورها في تلبية حاجات المجتمع بالمعنى التطوري، من حيث إن الفن شكل من أشكال معرفة العالم وتطويعه. بمعنى، أن جوهر الفن، هو في كونه الوعي الجمالي للعالم الهادف إلى تغييره محكوماً بالقوانين الموضوعية، وأنماطِ الإنتاج الاجتماعي في المراحل التاريخية المختلفة.

****
تتناقض حيادية الفن واعتداله مع حجم العداء تجاه الاتجاهات الواقعية الفنية، ويتبادر إلى الذهن السؤال: أين حياديته إذاً؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا تحديد علاقة الفن بكلٍّ من السياسة والأخلاق والعلم:
أولاً: الفن ليس ملحقاً بالسياسة؛ فكلاهما يقعان موقعَهما من البنى الفوقية، ويرتبطان عضوياً بالإيديولوجيا المسيطرة. ويظهر عمق العلاقة العضوية بين السياسة والفن في المراحل التاريخية التي تشهد البحث عن حلول للأزمات الاجتماعية العنيفة خارج الأنماط السائدة؛ كما في تراجيديات أسخيل وسوفوكليس وسواهم في مراحل الانتقال من المجتمعات القبلية في اليونان إلى العبودية. وحيث إن المجتمعات حتى يومنا هذا لا تزال طبقية، فإنه لا يمكن للفن ألا يحتوي واقعه من منظور طبقي، وبالتالي، لن يكون منعزلاً عن طابع العلاقات الاجتماعية وفق المنظور الطبقي إياه.
فعلاقة الفن بالسياسة غير مقتصرة على تصوير الواقع، وإنما وبشكل جوهري تتعلق بانعكاس علاقات الناس ومُثلهم السياسية في الفن ذاته. وبمعنى أدقَّ، بانعكاس الإيديولوجيات السياسية على اختيار الموضوع، ومعالجته، وكيفية عرضه لدى فنَّانَين مَثلاً كلّ من موقعه الطبقي وإيديولوجيته. وبمعنى أدق آخر، بانحياز الفن الدائم. إن موضوع الفن في كل عمل فني (لوحة أو قصة ومسرحية وفيلم وخبر أو تقرير صحفي..) يرتبط بالمشاعر والعواطف والأفكار الاجتماعية الإيجابية والسلبية، وموقف الفنان منه.
إن العلاقة بين السياسة والفن طبيعية وقانونية، وهي سبب لتطور الفن أو نكوصه. والإيديولوجيات السياسية لا تَظهر بالدرجة ذاتها في جميع الأجناس الفنية؛ فهي تبرز في الأدب الوطني، وتتخفى في الوجداني والرومانسي. وما السكون البادي في الأعمال الفنية اليوم، أو حالة عدم التعيين فيها، سوى تمرير لإيديولوجيات السكون الدائم للعلاقات الاجتماعية السائدة.
ثانياً: للفن وجه هام يعبر عن نوعية العمل الفني، وانحيازه، يرتبط بعنصر الأخلاق. إن أعظم الآثار الفنية خاطبت الضمير الأخلاقي الاجتماعي ، فيما يتصل بالبطولة والعاطفة..، والتركيز على الحالات الانحلالية في المجتمع لأبطال الأعمال كعوارض مرضية ـ حتى في سيادتهاـ، تتطلب معالجتها الانعتاق من الحالة السائدة. ودون قيمة أخلاقية للعمل الفني، لن يكون له قيمة جمالية حقيقية. فالأخلاق قضية عامة لجيل بأكمله في فترة تاريخية محددة، وسيظل العام فيها ممثِّلاً لأهميته في مراحل تاريخية لاحقة كآثار فاوست والكوميديا الإلهية..
ثالثاً: لا يمكن عزل العلم عن الفن؛ فكلاهما أدوات لمعرفة الواقع الموضوعي، وهما يرتبطان بالنموذج ذاته للعلاقات الاجتماعية في فترة تاريخية محددة. وبالتالي، محتوى الفن هو محتوى العلم ذاته في تلك الفترة، والاختلاف بينهما يكمن في صياغة هذا المحتوى. ولذلك، إن عزل الفن عن العلم، هو عزلٌ للمجتمع عن المعرفة بأحد أهم أشكالها. وإذا كانت القيم الأخلاقية الجمالية هي الأشد تأثيراً في الدفع إلى التقدم، فإنه يمكن جلاء النتيجة التي ستتمخض عنها معرفة الشعوب للمعاني الجوهرية لجميع الأحداث في تاريخهم.
وتوجد أشكال مختلفة دارجة اليوم لعزل الفن عن العلم، أحدها ربط الفن باللعب، أو ترميزه وحصر محتواه بالحس، أو اقتصار علاقته بالعلم على التقنيات العلمية، أو تفضيله على العلم الذي تندرج ضمنه جميع أنواع المعرفة الأخرى الفلسفية والاجتماعية. وجميع هذه الأشكال تهدف إلى نفي قدرة الفن على تشكيل رافدٍ أساسٍ وهام للتغيير الاجتماعي.
يشغل العلم اليوم حيّزاً واسعاً من علاقة الإنسان بواقعه، وسيكون اقتصار أثر العلم على الفن بالتقنيات علاقةً مشوهة. لا بدَّ أن تدخل حقائق العلم إلى العمل الفني دون مصادرة خصوصية كل منهما، ودون توظيفٍ مشبوه في استخدامها كمنطلقات علمية للأعمال الفنية وصولاً إلى نتائج غير علمية ماورائية وغيبية. إن دخول قوانين العالم الموضوعي في الأعمال الفنية، سيتلاقى مع الفلسفة كمجال للمعرفة العلمية، وهو ما تسعى الطبقات السائدة لتجنبه.
****
تنطلق نظريات حيادية الفن أو اعتداله من مبدأ الخصوصية المطلقة للفن، في حين تنطلق نظريات الفن الواقعي من الخصوصية النسبية له، ومن كونه المجال النفسي والروحي الذي صاغته المجتمعات خلال تطورها، لتعرض آراءها ومُثلها الجمالية. وإذ يُعزَل عن تلك الآراء والمثل، ويُحصَر في أطر التعبير عن الذات الفردية، فإنه يُساق إلى الضحالة.
وإذ كان عالمنا اليوم يبرهن على أنَّ التاريخ لم يصل نهايته، فإنه يفتح آفاقاً جديدة أمام الفن اليوم للانعتاق.

معلومات إضافية

العدد رقم:
934