_
الواقعية حاجة للفن والمجتمع
سلاف صالح سلاف صالح

الواقعية حاجة للفن والمجتمع

يتناقض مستوى التطور العلمي الذي أدركه المجتمع البشري اليوم مع جملة المفاهيم الشائعة والمشوَّهة ضمن أطر سيادة الليبرالية. فمن احتكار العلم وخصخصة منجزاته إلى تشويه الوعي الجمالي الفني، وهو ما ينعكس تشويهاً بشكل عميق على وعي الإنسان لأهدافه في خصوصيتها الفردية وعموميتها الاجتماعية التي تفترض أنه القوة الدافعة الأساسية لمجمل العملية الاجتماعية وبناها الفوقية التي تقع ضمنها الثقافة- الفن. وهو ما يؤدي أخيراً إلى صد تشكيل وعي فني ثقافي جذري، ويمنع وجود رواد فنيين ضمن مجتمعاتهم للنضال ضد إيديولوجيا الرأسمال المتفسخ بعين الفن الواعية.

نلقي اليوم بعض الضوء على ضرورة إعادة الاعتبار للواقعية في الفن كإحدى أحوج الأدوات الثقافية في تشكيل الوعي الاجتماعي لمواجهة السيول الثقافية الفارغة مضموناً التي تجرفنا بها الإيديولوجيات السائدة:
ـ1ـ
يدخل الفن، وهو (أعلى شكل مميز للنشاط الجمالي في المجتمع)، متضمناً الأدب والرسم، وفنون العمارة والفنون التطبيقية، والسينما والمسرح والإعلام..، ضمن أشكال البنية الفوقية المكونة للوعي الاجتماعي، والقائمة على قاعدة نمط الإنتاج الاجتماعي، وفيه تنعكس إيديولوجيا الطبقة السائدة- الليبرالية التي تدّعي وراثتها لكامل التراث الفني الإنساني. غير أن الواقع التاريخي لنشوء الفن وتطوره، يناقض ذلك؛ فالإحساس الجمالي البدائي نشأ منذ بدأت الجملة العصبية الحسية للإنسان الواعي بتلقف العناصر والظواهر التي تشكل العالم الموضوعي، وطباعتها في وعيه مشكلةً انفعالاته ومشاعره وعواطفه، ثم وعيه الجمالي البدائي الذي أخذ بالتطور مع تشكل المجتمعات البشرية وبدء تعقد الحياة فيها، وصولاً إلى تشكيل أنماط الإنتاج الاجتماعي، وهو ما يعكس ارتباطه العضوي بالقاعدة الإنتاجية في المجتمع، وانعكاس نمطها على النواحي الفلسفية والسياسية والأخلاقية والدينية والفنية.. إلخ.
وعلى ذلك، فإن في الواقعية الفنية- التي تتصل وثيقاً بالحياة- يتجلى تاريخ الإنسان والمجتمع البشري منذ بدأ الإنسان يخط تصوراته بالرسم والنقش وتاريخه على جدران كهوفه، وهي بالتالي على علاقة مباشرة بالفلسفة وتاريخها، حتى أن بعضاً من الباحثين يجدون أنها فرعٌ من فروعها دون أن يخلطوا بين عمل القوانين الموضوعية العامة في الوعي الجمالي، والخصائص المميزة للفن التي تمنحه استقلاليته النسبية الخاصة. ولكي يستعيد الفن دوره الرافد للعلوم في تطوير الوعي الاجتماعي وتصويب أهدافه بما يحقق مصالحه الفعلية، عليه استعادة واقعيته، وإعادة ارتباطه بالمجتمع اليوم، وبثقافته، وتاريخه الوطني، وبنيته الأخلاقية، وتاريخ الدِّين والإلحاد فيه، وأشكال النشاط النفسي فيه. وبالتالي، إنَّ الواقعية تدفع بالمجتمع إلى الأمام لأنها متأثرة به، ومؤثرة فيه، وهو ما سيؤدي إلى تطوير الفن ذاته، والدفع بالظواهر المتفرعة عنه، كالنقد والبحث التاريخي في مجمل الظاهرات الفنية قدماً، ما يدفع الفنَّ في علاقته الانعكاسية معها إلى الأمام في المنحى التطوري الصاعد، وسينعكس ذلك إيجاباً على تطور الوعي الجمالي الاجتماعي في المجتمع.
وحيث إن لكل فرد في المجتمع شكلاً من أشكال الذوق الجمالي لواقعه، تتوجه الواقعية إلى المجتمع والفرد فيه، وإلى علاقة الفرد بالنواحي الجمالية في العالم والحياة، وتوجيهها سليماً بما يتعارض مع الإيديولوجيات السائدة، بحيث تتجذر علاقته الجمالية بعلاقته مع العالم موضوعياً وعضوياً، بما يتيح ربط الوعي الجمالي بالوعي الاجتماعي، وتالياً بالوعيين الاقتصادي والسياسي؛ إذ إن أهم القضايا والمشاكل الاجتماعية تُطرَح جمالياً- فنياً، وعليه، فإن حلولها تُطرَح جمالياً- فنياً كذلك، وهو ما يحيي جميع الجوانب التقدمية والثورية في التاريخ الجمالي الاجتماعي للمجتمع، كما حدث إبان الثورتين الفرنسية والبلشفية.
بمعنى أدق، تمثّل الواقعية في حقل الفن الإيديولوجيا المادية التقدمية الثورية قبالة الإيديولوجيات المثالية الليبرالية العفنة. وعلى ذلك، فهي ترتبط بالسياسية، وعن الواقعية خرج أعظم الفنانين، ناجي العلي وغسان كنفاني وزياد الرحباني وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام ودافنشي وغوته وتولستوي وتشيخوف وآخرون، والذين ربطوا خلاص الفرد بالخلاص الجماعي، فانخرطوا في حقول السياسة، بغض النظر عن حجم الثمن الذي يدركون أنهم مؤدّوه. على عكس دور (رواد) الفن المثالي الحديث المسوّقين لحيادية الفن- ذاتيته، بمعنى (تحرير) الفنان من القوانين الموضوعية للعالم الواقعي- الكون والمجتمع-، وانعكاس ذلك الدور انحطاطاً في الفن لربطه قسراً بالذاتية الشكلية، وبالتالي بالماورائية الفنية.
الواقعية إذاً أداة من أداوت النضال الطبقي، ويمكن إذاً فهم أسباب معاداة الطبقات السائدة لها.
ـ2ـ
الواقعية غير نخبوية، فهي تعترف أن لكل فرد في المجتمع شكلاً من أشكال الذوق الجمالي لواقعه، ومن هنا تبرز أهمية علاقة الفنان العضوية بالمجتمع، وتفعيل واقعية فنه. كذلك إن الاهتمام بمسائل الفن، هو شأن عام جمالي، يحق لكل فرد أن يُدلي برأيه الجمالي فيه، وحيث إن التلقي والإحساس الجماليين مكتسبات عامة لجميع البشر، وهي ليست تخصصات علمية في التكنولوجيا والطب، فإنه يحق لكل فرد التعبير عن مُثُله العليا في الفن، ويتخذ نهجه الفني المتلائم مع وعيه الاجتماعي. الإنسان في واقعه الاجتماعي تتشكل لديه الانطباعات والأحاسيس الجمالية مع تشكل مختلف آرائه ووعيه الاجتماعي خلال ممارسته نشاطه الاجتماعي. وهنا تظهر الخصائص المميزة لكل وعي جمالي لكل مجتمع تبعاً لطبيعة النشاط الاجتماعي فيه. وهو ما يرصده الفنان في علاقته العضوية الواقعية بمجتمعه.
بمعنى آخر، الواقعية لا تحصر فهم الفن واتجاهاته وتياراته بين ممارسيه. وإنما تُعِين القوى المنتجة على فهم الإيديولوجيات والعمليات التي تقف وراء الإنتاج الفني. وبالتالي، تتيح لها تحديد التيارات والاتجاهات المعبرة عن ذوقها الأصيل وحاجاتها الفعلية فنياً وواقعياً وجمالياً، وبالتالي، نمو ثقافتها ووعيها الاجتماعي. وهو ما يتناقض مع نظريات الإيديولوجيا الليبرالية التي تفصل الفن عن مجتمعه مروِّجَة استقلاليتَه وعودتَه بالكامل للإبداع الفردي فقط! وهو ما يُؤدي إلى ظهور مفاهيم نخبوية الفن ونخبوية متلقيه، والتي تُشيع مفاهيم عزلة أرستقراطية الفن الروحية في مواجهة توحش الجمهورـ الشعب. وهو مفهوم عدائي تجاه الواقع الموضوعي، إضافةً إلى ترويج فكرة عدائية الشعب للفن! وهي أعلى مفاهيم القباحة الفنية المتلبسة بالجمال والموجهة ضد الشعوب.
ـ3ـ
لم تنشأ الواقعية في الفن معزولة عن المجتمع وحركة التاريخ فيه. الحياة ذاتها دليل على فشل نظريات الفن المعزول، والذي ينهار لدى أدنى احتكاك بتجارب الواقع. وفي ظل الظروف التي يمرّ بها عالمنا اليوم، والتي تهيئ جميع الأسباب لإعادة عجلة التاريخ للدوران مدفوعةً بالقوى المنتجة الشعوب، تُبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للواقعية كمنهج أساس يُعيد للفن ارتباطه بالحياة الواقعية، وهو ما يشكل رافداً هاماً لعملية الدفع التقدمي الثوري إلى الأمام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
926