صيّاد سمك بوزن القارة السمراء
لؤي محمد لؤي محمد

صيّاد سمك بوزن القارة السمراء

طرد أسمان سمبين «عثمان بالسنغالية» من المدرسة الفرنسية بعد شجار مع أحد مدرسيها، لم يخطر بباله وهو ينشر شباك الصيد مع والده، ويؤدي أعمالاً يدوية شتى لسدّ الرمق، أنه سيكون ذات يوم كاتباً ومؤسساً للسينما الإفريقية.

حياة قاسية

ولد عثمان سمبين لأسرة فقيرة في بلدة زيغنشور في إقليم كازامانس جنوبي السنغال، في شهر كانون الثاني 1923. وارتاد الكُتّاب في البداية، ولُقنِّ مبادئ الدِّين الإسلامي واللغة العربية قبل أن ينتقل إلى المدرسة الفرنسية.
وبعد أن طُرد من المدرسة، في العام 1936 تقلب عثمان في عدة مهن، أولها: مهنة أبيه في صيد السمك. وإذا كانت المدة التي قضاها في مزاولة صيد السمك قصيرة نسبياً، فقد أتاحت له فرصة التدرب على إمعان التفكير، وهو ما سينعكس على أسلوبه وعلى نظرته لمحيطه.

إضراب السكك الحديدية

جند صيّاد السمك في صفوف قوات الجيش الفرنسي سنة 1944، وشارك في الحرب العالمية الثانية. وعاد بعد انتهاء الحرب إلى بلده، ليكون من بين الذين خاضوا إضراباً لعمال السكك الحديدية بدكار في العام 1947. ليعود في نفس العام إلى فرنسا ويلتحق بمصنع ستروين للسيارات في باريس، ثم يلتحق بعمال ميناء مرسيليا، وينخرط في نقابة سي جي تي CGT ومن ثم ينضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي. ويعتبر سمبين هذه المرحلة من حياته مرحلة غنية سياسياً وأدبياً.
صرِّح لصحيفة الأومانيتيه قائلاً: لقد زودتني إضرابات داكار بموقف واقعي ملموس. لكنني اكتشفت الأدب والمسرح والنوادي السينمائية في الخمسينات في مرسيليا، في أحضان الحزب الشيوعي... بالنسبة إلي، أنا ابن زيغنشور، قرية كازامانس الصغيرة، وكانت مدرسة الحزب مدرسة عظيمة. كانت جامعتي.

الرَاوِية الماركسي

لم يقتصر دور الحزب الشيوعي الثقافي، على التوعية السياسية وتوفير فرص القراءة، بل أتاح له فرصة النشر. وبدأت حكاية سمبين مع الكتابة في النصف الثاني من الخمسينات.
ففي عام 1956 نشر أول رواياته، تحت عنوان «عامل الرصيف الأسود»، وهي رواية فيها الكثير من السيرة الذاتية للمؤلف. لكن الرواية التي ستحقق له بعض الشهرة هي رواية: «قطع حَطب الرّب الصغيرة» المنشورة عام 1960.
ومن الأدب أطل سمبين على عالم السينما، فبعد عودته من فرنسا إلى بلده المستقل حديثاً، وبعد أن قام بجولة في عدد من الدول الإفريقية، انتاب هذا النقابي الماركسي شعور بالعبث: لمن يكتب؟ هل لهذه الآلاف المؤلفة من الأميين الذين يجهلون أبسط مبادئ القراءة والكتابة؟ إذاً، هي صرخة في واد.
وجد سمبين طريقة لحل هذا التضارب: السينما. فعبر السينما يمكن أن يصل إلى جماهير أوسع، وعِبر السينما يمكن أن يواصل الإبداع الأدبي بطريقة أخرى. وقال سمبين في هذا الصدد، إنه واصل بأساليب حديثة عمل الرواة الأفارقة الذين يُسمون بالغرييو GRIOT.

الأفارقة يشاهدون السينما

قرر سمبين التحول إلى السينما ليصل إلى جماهير واسعة، وهم صنف شبيه بشعراء الربابة في مصر وحكواتيي المشرق، وأصحاب الحلقة في بلاد المغرب، يقومون بكل ما تتطلبه الرواية من أداء وسرد، وغناء.
ولهذا الغرض اعتمد سمبين قصصه سيناريوهات لمعظم أفلامه المطولة العشرة، وهي سيناريوهات تعالج مواضيع في صلب هموم المجتمع السنغالي بصورة خاصة، والإفريقي بصفة عامة، لذا اتَّسمت بنوع من المباشرة، ولم يخفف منها سوى الاستخدام الذكي للكاميرا وللتعبير السينمائي. وقد اعترف سمبين بأنه أنتج أفلام «موالد»، جال بها في القرى والبلدات ليقدح شرر الأسئلة في أذهان مواطنيه.
درس سمبين السينما عندما ناهزت سنه الأربعين سنة، وقد ولج هذا العالم أيضاً من باب النضال النقابي، ومن إحدى عواصم الفن السينمائي: موسكو الاتحاد السوفييتي. ولا غرابة، إن تلوَّن أسلوبه في أغلب أفلامه سواء منها الروائية أو الوثائقية، بالطابع النضالي اليساري.
بدأ نجمه يصعد في سماء السينما عام 1966 بفيلم «فتاة سوداء من ...»، ويعد النقاد هذا الفيلم أولّ فيلم روائي إفريقي مطول، ومن ثم حجر الأساس للسينما الإفريقية جنوب الصحراء.
يروي الفيلم- خلال 65 د- قصة فتاة سنغالية تنتقل إلى فرنسا مع أسرة فرنسية. وتصاب الفتاة بخيبة أمل جرّاء ما تعيشه من مهانة. ستنتهي بها إلى التفكير في الانتحار. وحاز الفيلم على جائزة «جان فيغو» بعد أن حصل على جائزة تور عن فيلم «رجل العربة».
يتحدث الفيلم عن بؤس ما بعد الاستقلال في السنغال بأسلوب هو أقرب إلى تقنية الفيلم الوثائقي من الفيلم الروائي، عِبر حكاية حمّال تقليدي في مواجهة التعقيدات الإدارية والمصاعب المالية والعراقيل المجتمعية. وبقي سمبين وفّياً لهذا النهج سواء في أفلامه الأخرى التي حصلت على جوائز مختلفة، وذلك من خلال سعيه إلى تعرية واقع المجتمعات الإفريقية، وخاض صراعاً ضدّ تعدد الزوجات والبطالة والفساد والفقر وختان النساء والحرب والطائفية والاستعمار.
أنتج أفلامه بالفرنسية أو بلغة الوولوف، اللغة التي يتحدث بها حوالي 40% من سكان السنغال. وبلغ تأثير أفلامه على الناس إلى درجة صدر أمر من الرئيس السنغالي نفسه عام 1977 بوضع أفلامه تحت مقص الرقابة، وصودرت بعض أفلامه، ولم تعرض حتى اليوم بعد 12 عاماً من رحيله.
ولعل أبرز أفلامه، هو: فيلم «جِنّي الغابة» الذي أخرجه عام 1971، ويصور مقاومة الكازامانسيين للمستعمر الفرنسي، بعد أن يستهدف الأخير مصدر قوتهم من الأرز.
أسس سمبين السينما الإفريقية عِبر أفلامه وعِبر مهرجانات ساهم في تأسيسها وتطويرها، مثل: مهرجان عموم إفريقيا للسينما والتلفزيون سنة 1972. فكان أول أفارقة جنوب الصحراء الذي يخوض في عالم السينما، وكاد أن يكون أول المخرجين السود لولا أوسكار ميشو الأمريكي «الذي أخرج أول أفلامه عام 1919».

معلومات إضافية

العدد رقم:
925
آخر تعديل على الأربعاء, 07 آب/أغسطس 2019 13:52