جهاد أسعد محمد جهاد أسعد محمد

الأزمة.. ومنطق المناطقية

«يا حيا الله بالسويداء من MTN.. عبي بـ100 ل.س وخلّي نص نهارك ببلاش من 12 فجراً لـ12 ظهراً»..

  ذلك هو المضمون الحرفي لرسالة حقيقية، يتضح في متنها المرسِل والمرسَل إليه.. ويمكن من دون بذل أي جهد معرفة الغاية من الإرسال، والمنطق «المناطقي» الذي يتوارى خلفه.. وبالطبع فإن هذه الرسالة/ الفضيحة، وصلت لكل من مشترك في الشركة الوارد اسمها أعلاه ممن توافقت خاناتهم الإدارية مع العقل الصغير والساذج والمسطّح لمرسلي الرسالة..

هذه صورة مصغرة مثبتة بالدليل البيّن عن المنطق الذي يتعامل به بعض المنافحين عن «الوطن» و«المخلصين له» في وجه «المؤامرة الإمبريالية - الصهيونية - التركية - الخليجية» الكبرى التي يتعرض لها!! والأمثلة في هذا الشأن كثيرة، ويمكن لحظ ما يشبهها عند عبور الحواجز، وأثناء لحظات التعارف العابرة، ولدى متابعة إحدى المحطات الفضائية «الوطنية» الخاصة ونظيراتها من الإذاعات، وفي توزيع وقطع الخدمات العامة من ماء وكهرباء واتصالات ومواصلات...

ولكن هذا المنطق ليس من اختراع المتمنطقين «الصغار» به، بل هو مجرد اقتداء بمنطق رسمي غالب في التعاطي مع الأزمة القائمة، بدأ تجليه بتوزيع «بطاقات الشكر» على المناطق «الهادئة»، وإطلاق الصفات العجيبة والمجترحة على المحتجين، التي تراوحت بين «مندسين» و«عرعوريين» وما بينهما من صفات التخوين والعمالة والتكفير والانحراف النفسي والسلوكي والخروج عن القوانين والآداب العامة.. وقد لا ينتهي إذا ما بقي سائداً إلا بالتدمير الكامل والشامل للبلاد ووحدتها الوطنية والسلم الأهلي فيها..

ما يبعث على الألم والخوف أن هذا المنطق أخذ يشق طريقه بين الناس بصورة لافتة وفجة، وأصبح الحديث المناطقي العلني، يحدث اصطفافات خطيرة في الشارع وفي مواقع العمل الحكومية، بل وحتى في صفوف «المثقفين» والسياسيين وداخل الأطر الحزبية بما فيها «اليسارية»!

أحد الأصدقاء من إحدى المحافظات المتنوعة الطوائف، وقف عند نقطة تفتيش وبحوزته حاسوب محمول (لابتوب)، فسأله الرجل الرسمي عن محافظته وهو يقصد معرفة طائفته، فلم يحمل له الجواب ما يريد، خصوصاً وأنه عجز عن تحديد ذلك من خلال اللهجة، ما دفعه وقد حسب أن هذا «المشبوه» من طائفة «معادية»، ليسأله بصورة استفزازية عما يوجد داخل الحاسوب، ثم راح يتهمه بأنه يهرّب الصور لـ«الجزيرة» و«العربية».. وأخيراً قال له بلهجة آمرة: «هات هويتك!».. وما إن رأى «الهوية» وعرف اسم المنطقة واسم القرية التي ينتمي إليها الشاب، حتى راح يعتذر ويتوسل المسامحة على سوء الفهم... ونسي الحاسوب وما قد يحتويه من «أفلام مصورة» لـ«الجزيرة» و«العربية».. أما صديقي فحبس دموعاً ذرفها لاحقاً أمامي على الحال التي وصلت إليها البلاد، والتي قد تنتهي إليها لاحقاً إذا ما استمر هذا الانجراف الأعمى نحو الهاوية.