أهمية اللفظة العامية في التراث الشعبي الشفاهي.. ومعنى جمعها ودراستها
محمد خالد رمضان محمد خالد رمضان

أهمية اللفظة العامية في التراث الشعبي الشفاهي.. ومعنى جمعها ودراستها

التراث الشعبي (ويعني الموروثات الشعبية)، بشقيه المادي وهو التراث الباقي الملموس، والتراث الشعبي الشفاهي اللامادي بكل جزيئاته. هنا روح الشعب الخالدة وحياة الشعب الباقية في وجدانات الناس، وفي أعماق أعماقهم، ويشكل التراث الشفهي اللامادي وعاءً يتسع لكل ما يقوم به الناس،  أو يرونه، فمنه:

 

 1 - الحكايات الشعبية.

2 - المثل الشعبي.

 3- التشبيه والكنايات.

4 - المصطلحات.

5 - الحزازير.

6 - الطرف والنوادر.

7 - الألقاب الشعبية.

8 - ألفاظ الباعة.

9 - الأغاني، وتنقسم بدورها إلى حوالي مئتي نوع.

10 - التراويد.

11 - الزغاريد.

12- التناويح.

13 - العادات والتقاليد.

14 - المعتقدات.

15 - الوشم.

16 - الموسيقا الشعبية.

17 - همهمات النواح.

18 - أشعار الزجل.

19 - الأدعية والتراتيل.

ويحتوي التراث الشفاهي غير هذا الكثير، وقد يبلغ أكثر من ألفي جزئية.

اللفظة العامية.. والهوية العامة

والتراث الشعبي الشفاهي اللامادي يتسم بسمة رئيسية هامة جداً، هي أنها غير معروفة القائل، وبالنسبة للموسيقا الشعبية هي غير معروفة الملحن.

وما يهمنا في دراستنا هنا اللهجة الشعبية والألفاظ العامية التي يتحدث بها الناس ويتعاملون بها، ويغنون بها، هي الكم الهائل من الألفاظ المستعملة في مدار يومهم، ونقول: إنها ليست اللغة، فاللهجة هي غير اللغة، فليست هناك لغة عامية، هناك لهجة عامية. ولهذه اللهجة أهمية فائقة. وكما نوهنا فالكلمة المحكية إحدى جزئيات تراثنا الشعبي، بل هي برأيي ــ ورأي الكثير من الباحثين وعلماء الفلكلور ــ تقع على رأس جزئيات التراث الشعبي أهمية. أما لماذا لها هذه الأهمية؟ فنقول:

إن بلادنا سورية هي من البلدان القليلة في العالم التي سكنت في بدء التاريخ، إذ تعود حضارتها إلى حوالي اثني عشر ألف سنة، هكذا تقول المكتشفات التي وجدت في أكثر من موقع أثري، هذا أولاً..

وثانياً كانت سورية طريقاً حضارياً متنوعاً لعدة أقوام سكنوها أو مروا بها على مدار التاريخ، فهي الموطن الأصلي للآراميين والسريان، وهي واحدة من المواطن الأساسية للفينيقيين، وفيها وجدت الأبجدية الأولى في العالم (في أوغاريت)، وقد وجدت فيها امتدادات للحضارات الآشورية والكلدانية، كما أنها احتلت من جانب اليونانيين والفرس والرومان، ثم تم فتحها على يد المسلمين العرب. ممالك عديدة قامت قبل الميلاد وانتهت، مملكة ماري، مملكة إيبلا، مملكة حلب، مملكة دمشق، مملكة كركميش مملكة أوغاريت وغيرها كثير. وبعد الميلاد هناك مملكة تدمر ومملكة إيبلا، وكانت اللغة الآرامية وبعدها السريانية هي اللغة الأساسية في سورية، والسريانية لغة مكتوبة ولها حروفها. وكانت هي اللغة السائدة قبل الفتح العربي الإسلامي.

وعندما تم الفتح الإسلامي سادت اللغة العربية.

ثالثاً نقول: كل هذا ترك أثره في بلادنا، فقد تركت هذه الأقوام التي مرت واستقرت آلاف الألفاظ في اللهجة العامية.. لهجتنا التي لا تزال موجودة معنا ونحكي ونتحدث بها يومياً، إذن ألا يعني كل هذا أن نجمع هذه الألفاظ وندرسها، ونحللها ونعيدها إلى أصولها. وبضمن هذه الألفاظ قد تكون هناك بعض الألفاظ العربية المنسية الضائعة، وبجمعها نكون قد أحييناها وعرفنا سبب ضياعها إلى آخر ما هناك حولها.. كذلك اللغة الأخرى الأصل التي هي السريانية، فقد نعرف خلال هذا الجمع كلمات ضائعة حتى عن المعجم السرياني، فنحن نجدها مترسبة في أعماق الناس، وقد لاحظ ذلك العالم الأمريكي الكسندر كراب، الذي بين أهمية الألفاظ وأهمية دلالاتها، وذلك في كتابه الهام (علم الفلكلور) إذ اشار فيه إلى: (وحيث لا توجد وثائق، يكون من حق المؤرخ ــ وهذا حقه لا نزاع ــ أن يستنبط شتى النتائج من الاستدلالات اللغوية). أي أن الألفاظ تحل محل الوثيقة التاريخية، إذا لم نجد الوثيقة التاريخية.. إذاً كم للفظة من قيمة وأهمية في هذا المجال!!.

ويقول العالم ذاته في الكتاب نفسه، وفي معرض حديثه عن الحكايات الشعبية: وكم هو هام تركها وتسجيلها مثلما رويت، دون تفصيحها أو تشذيبها، أو التدخل في كلماتها وتدوينها حرفياً (ولو أن الأخوين جريم، صنعا ما يطلبه الآن الفلكلوريون المتحمسون، فقاما بتدوين الحكايات تدوينا حرفياً، ونشرها بدون أن يستعينا بقدرتهما الفائقة والعطوفة على إعادة الصياغة لتوفرت نصوص تتيح ــ هنا وهناك ــ أن تصل إلى نتائج أفضل بالنسبة لتاريخ هذه الحكايات)، وهذا يعني أن الألفاظ العامية التي ذهبت كان يمكن أن تحمل معها إمكانية التعرف على تاريخها.

العامية.. ودراسة التاريخ

الألفاظ العامية واللهجة المحكية هي خزان وخزانة معرفية لا غنى عنها، يمكن لها أن توفر على المؤرخ بحثاً ودراسة وتعمقاً كبيراً لاكتشاف قضية قد يجدها في كلمة عامية ما.. في لفظ من ألفاظ لهجتنا المحكية المحلية، فإن كانت هذه اللفظة مجموعة في معجم أو كتاب الألفاظ العامية فسيسعد كثيراً، ونكرر إن الألفاظ العامية من جزئيات التراث الشعبي اللا مادي الذي نعمل المستحيل لجمعه وحفظه، وقد انتبهت بعض الدول العربية إلى أهمية ما تحدثنا عنه، وانتبه باحثوها إلى ذلك، فمثلاً خصص قسم خاص في كل عدد من مجلة (التراث والتاريخ) وهو القسم الثالث للألفاظ واللهجات وبالحرف أنقل: خصص قسم من المدونة لنقاش الألفاظ العامية واللهجات المنتشرة في مملكة البحرين ومقارنتها بدول الجوار.

المسؤول عن المجلة الباحث البحريني حسين محمد حسين، إذاً هناك وفي البحرين ليس جمعاً للألفاظ واللهجات العامية، بل هناك بحوث للدراسات والمقارنة مع غيرها من اللهجات في دول الجوار. وفي بعض الدول تشجع الدولة هذا الجمع للألفاظ ـ وطبعاً هذا هو الشيء العلمي الذي يجب أن يكون ـ فهناك مثلاً كتاب (معجم الألفاظ الكويتية) تأليف الشيخ جلال الحنفي، وكتاب (ألفاظ اللهجة الكويتية) للكاتب الكويتي يعقوب يوسف الغنيم طبع عام 2004. بل أنه أقيمت بعض الاجتماعات والندوات في بعض الدول كمؤتمر (الحكي الشعبي) الذي عقد في القاهرة في شهر آذار عام 2009، كل هذا يظهر الاهتمام الكبير الذي تبذله بعض الدول العربية للعمل على جمع عاميتها ودراستها، والحفاظ عليها من الضياع. ونشرت الثقافة الشعبية البحرانية مقالاً بعنوان (ألفاظ في لهجتنا العامية).. وبحثت القضية كثيراً وفي أكثر من محفل ومجال، فمثلاً بحثت في ندوة (الثقافة الشعبية)، وهي ندوة حوارية هامة عقدت في البحرين من 10 نيسان إلى 14 نيسان بعنوان: (المنهج في دراسة الثقافة الشعبية) وقد نشرت أبحاثها في مجلة (الثقافة الشعبية). وبحثت أيضاً في مقال (منزلة الثقافة الشعبية في الأوساط العربية). وبحثت أيضاً في مؤتمرين عقدا في الجزائر عامي 1998 ــ 1999، ونشرت خلاصتهما في مجلة (الثقافة الشعبية).

العامية السورية..

والعقليات المتزمتة.. والبيروقراطية

اللهجة العامية السورية تتعرض وبسرعة للضياع نتيجة عوامل عديدة هي:

ــ دخول الصناعة وتطور الاتصالات.

- الرائي والحاكي وما يقدمانه يومياً.

- زيادة التعليم.

- سرعة ضياع أغاني العمل في الزراعة والمهنة والحرفة لانكفاء دورهم قليلاً.

- انتشار وسائل الإعلام المكتوبة، كالجريدة والمجلة والكتاب..

إضافة إلى وجود أسباب أخرى ثانوية كثيرة.

لكل ذلك تضيع كلمات كثيرة من لهجتنا المحكية والمحلية بتسارع كبير، لا يمكن لنا اللحاق إلا ببذل جهود تشترك فيها عدة مؤسسات من مؤسسات الدولة، وباحثون غيورون على المعرفة والعلم وعلى التراث الشعبي الخالد. على أن تشترك في هذا الجمع المدارس والمراكز الثقافية والمراكز المحلية والبلديات والوزارات المعنية... كوزارة الثقافة ووزارة الإعلام وغيرها. وبدلاً من أن تنشط هذه الدراسات وينشط الجمع في هذا المجال، للأسف، وللأسف وأقولها ثالث مرة: يا للأسف، نرى أن مؤسسة هامة من مؤسسات الدولة وهي (مجمع اللغة العربية) تفعل المستحيل لئلا تنتشر أو تطبع هذه الدراسات وهذه المعاجم، وتقف كالجبال أمام نشرها، وذلك بحجة الدفاع عن الفصحى، مجمع اللغة العربية، ممثلاً بأناس رسميين ومحنطين لا يقدرون قيمة هذا الجمع، لذا يقفون ضده، وللأسف هناك باحثون يدعون العلم والمعرفة أيضاَ ضد جمع الألفاظ العامية، ولا أريد أن أذكر أسماءً فهم يعرفون أنفسهم. وحاول بعضهم إيقاف طبع مثل هذه الكتب.. وأحياناً تقف المؤسسة المسؤولة في وزارة الثقافة عن طبع مثل هذه الكتب، تقف ضد طبعه. وهم يعتبرونها مسيئة للفصحى. وهكذا ودون استيعاب ما تحتويه تلك الألفاظ، وعالمها، الغني المليء بفنون معرفية لا تقدر.

واللفظية العامية المحكية واللهجات لا يمكن أن تكون ضد الفصحى، فهي ليست لغة بديلة ليست لغة.. وقد نوهت في مقال سابق إلى ذلك، وقد نشر في سورية كتاب هام حول ذلك وفيه دراسة قيمة وافية، والكتاب هو (موسوعة العامية السورية) للباحث ياسين عبد الرحيم، وهو كتاب صادر عن وزارة الثقافة السورية عام 2003، ورغم أهميته فهو لم يستوعب كل العامية السورية، لذا فثمة مجال كبير لكتب أخرى، تنحو نحوه في الجمع والدراسة.

مناشدة عاجلة

وأكرر بأن الألفاظ العامية ودراسة اللهجة المحكية هي واحدة من جزئيات التراث الشفهي اللامادي المهمة.. وعلينا كباحثين ودارسين وجامعين ــ بل ومحبين لبلدنا ووطنيين ــ أن نهتم بذلك، ونمنح هذه القضية الوقت والجهد اللازمين.

وختاماً أتوجه إلى أصحاب الشأن أو أصحاب الرأي بوجوب الالتفات إلى ذلك، ومنحه الأهمية التي يستحقها من العناية، خاصة في مجالات النشر والطباعة.