سناء موسى تبحث عن جواهر التراث الفلسطيني
«الغد» الأردنية «الغد» الأردنية

سناء موسى تبحث عن جواهر التراث الفلسطيني

سناء موسى فنانة فلسطينية تجمع بين علم دقيق وفن رفيع تتنقل بينهما كالفراشة التي تحوم بين زهرتين فهما يستهويانها ويتنازعان قلبها.

تلف المدن والأرياف الفلسطينية في الوطن والشتات وتلتقي الأمهات والسيدات، تلحن وتغني أغاني تراثية وطنية وتطوف العالم للتعريف بالتراث الفلسطيني.

تستعد سناء في عقدها الثالث لنيل الدكتوراه من جامعة القدس بعد وضعها دراسة حول الأمراض المسببة لفقدان الذاكرة والحركة لدى الإنسان، لكن اهتماماتها تتجاوز هذا الإطار حيث تعشق البحث في التراث الفلسطيني والعربي والإنساني والغوص في بحوره بحثا عن أغلى صدفاته.

تقول سناء، ابنة قرية دير الأسد داخل أراضي 1948 المقيمة في القدس المحتلة، إنها ولدت في بيت فني وجاءت من المدرسة الكلاسيكية، مدرسة الموشحات والأدوار والمونولوج، وهي نصوص تعبر كلها عن فيض المشاعر.

بداية الرحلة

ومن هنا بدأت رحلتها قبل سنوات في البحث عن نصوص تراثية مغايرة لأغاني الفرح والعرس المألوفة التي تقابل بطقوس جماعية تملي انضباطا وتحكما في التعبير عن الوحدة والخوف وتتغنى بالاعتزاز بالنفس والعائلة.

وتوضح سناء أن العريس دائما يقدم في الأغنية التراثية المتداولة على أنه بطل وفارس لكنها تفتقد لنصوص صريحة تعبر عن مشاعر إنسانية حقيقية وتتساءل هل يعقل أن واقعنا لم يشهد نساءً وحيدات وخائفات؟

تختار سناء نصوص المناجاة، الفراقيات والتهاليل لتميزها بالعمق والصراحة وتقول إنها تجد جمالية في أغاني الفرح مثل «خيلنا تدوس المنايا»، وتتساءل أين أغاني الحزن وأغاني الفتيات اللائي فاتهن قطار الزواج؟ أين أغاني النساء المغتربات عن أهلهن؟

وتوضح أنها تصطاد «دررها التراثية» في بحور النساء عبر الاستماع لعدد كبير من أغانيهن كأغنية «السفر برلك» التي ودعت بها السيدات الفلسطينيات أبناءهن وأزواجهن، يوم فرضت عليهم الخدمة العسكرية في أماكن بعيدة لفترات طويلة في العهد العثماني.

وعثرت سناء كذلك على أغان تعود لعهد الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) ضد الاستعمار البريطاني واكتشفت ألحانا متأثرة بأغان كنسية بشمال فلسطين.

وتوضح أنه بعكس السيدات فإن مشاعر الرجال مختلفة حيث إنه كان بعضهم يعاهد بعضا في القتال ويقولون مثلا في واحدة من القصائد «وياك وياك يا اللي ربيت.. أنا وياك إن عشنا عشنا سوا وإن متت أنا وياك». وتشير سناء إلى أن الموروث الشعبي من أغان وقصص وأمثال جزء لا يتجزأ من الرواية التاريخية الفلسطينية مشيرة إلى القيمة المضافة للفن التراثي في الحفاظ على الهوية.

وتتابع «منذ سنوات قمت بمقابلات شخصية في كل فلسطين وبمساعدة طاقم المتطوعين وجمعت عشرات من النصوص والأغاني»، مشيرة إلى أنها قامت بغربلة الأغاني التراثية وانتقاء النصوص الصريحة منها كالفراقيات، وهي أغان نسائية تقال في المناسبات الاستثنائية التي يغلب عليها الحزن.

استثمار التراث

وتضيف أن الفنان بشارة الخل وشقيقها محمد يعملان على قولبة هذه الأغاني التراثية وملاءمتها للغناء، وأنها استعانت في ذلك بمكتبات كمكتبة مركز الفن الشعبي في رام الله وببعض الباحثين في التراث.

ترافق سناء في حفلاتها الخارجية فرقة «نوى أثر» التي تضم ثمانية عازفين من فلسطين والعراق والأردن وتونس، أما موسيقاها فهي مزيج من الأدوار المكتوبة والارتجالية.

وتجمع الفرقة المحلية أيضا عازفين محترفين يشرف عليهم فنيّا شقيقها الموسيقار محمد موسى، ومن بين أهم إنجازاتها الغنائية ألبوم يحمل اسم «إشراق». وتحرص الفرقة أن يرسم العمل الفني صورة للسيدة المسنة وهي تردد أغانيها التراثية إلى حد الحرص على سماع صوت الأساور التي اعتادت تزيين معصميها بها. وتوضح سناء أنها تضفي على هذه الألحان مسحة رومانسية تبرز جمالية التراث رغم أن اللحن التراثي الأصيل قوي وخالد بدليل صموده رغم مرور الأيام والسنين. وتؤكد أنه «لا تراث فلسطينيا بمعزل عن التراث العربي»، مشيرة إلى قصيدة من مصر مطلعها «لو كان معي مالي لأسكن مصر» بلغت فلسطين بفضل الغازيات الراقصات، وهي نص يظهر كم كانت فلسطين حاضرة في الوجدان العربي.