الجلاء الآن!

الجلاء الآن!

 

أكثر ما يمكن أن ينال من أهمية ذكرى تاريخية لها مكانة متميّزة في الوعي البشري، هو تحويلها إلى مجرد طقس احتفالي، أو أغنية، أو قصيدة، أو خطاب، أو مقال.. دون أن يترافق ذلك مع الارتقاء إلى مستوى الحدث المعني، ودون تمثله، قولاً وفعلاً، والأهم دون العمل على استكمال رسالته في الظرف الراهن، ناهيك عن العمل بما يؤدي إلى عكس تلك الرسالة ودلالاتها ومعانيها واستحقاقاتها التاريخية الجديدة.

ونحن على مذبح الأزمة السورية، تتعدد معاني ذكرى الجلاء، وتتكثف: في أن تكون سورية كجغرافيا وثروات وبشر هي الهدف الأسمى الذي تصغر أمامه كل الغايات الأخرى.. أما الجغرافيا السورية فباتت متقطعة الأوصال، والثروة كانت وما زالت تنهب في رابعة النهار، والسوريون إما يتوسلون اللجوء والإقامات في هذه البلاد أو تلك، أو غرقى في بحر من البحار، أو تائهون في صقيع غابة، أو محاصرون في مدينة أو حيّ، أو يسكنون الخيام في مضارب الإخوة الأعداء، أو معزون في مأتم، أو يتأبطون أكفانهم..

الاستقلال، بما يعنيه من إرث وطني، ومحطة أساسية من محطات تشكل الهوية الوطنية السورية، وخطوة حاسمة نحو تشكل الدولة السورية، وبالدروس التي قدمتها الرموز الوطنية السورية، والحراك الشعبي السوري في حينه، دروس تتجاوز هذر الدويلات الطائفية والعرقية والمذهبية، وقلب الطاولة على مشاريع المحتل، دروس الغيرية ونكران الذات، وإبداع الحلول غير التقليدية، وغير المألوفة، بات اليوم معلقاً على صليب الأزمة، مهدداً بكل أهميته التاريخية ومعانيه، مما يعني طرح السؤال، عن الرسالة التي تحملها ذكرى عيد الجلاء في هذه الظروف؟ 

الاحتفاء بالجلاء في جحيم الأزمة التي باتت تهدد كل الإرث الوطني المادي، يكون بمعرفة الضرورة التاريخية الوطنية التي تفرضها اللحظة الراهنة، والعمل من أجلها كما فعل الوطنيون السوريون في حينه، من يوسف العظمة إلى سلطان الاطرش، وفارس الخوري، إلى ابراهيم هنانو، إلى صالح العلي، ورمضان شلاش، وسعيد آغا الدقوري، تلك الضرورة التي تتجسد في ظروف اليوم حصراً بانطلاق قطار الحل السياسي، نحو حل الكارثة الإنسانية، و مواجهة الإرهاب، والتغيير العميق.