ملاحظات غير هامشية حول الغارة الإسرائيلية -

ملاحظات غير هامشية حول الغارة الإسرائيلية -

الغارةٌ الاسرائيليةٌ ضربت دمشق، وتبعها عددٌ من التصريحات السياسية  في وسائل الإعلام، وحملةٌ من التعليقات والكلام الممجوج على مواقع التواصل الاجتماعي، يومٌ يمضي ثم آخر، ونعود لنغرق في تفاصيلنا ومعاركنا اليومية، لا نملك سوى ذكرى عن اشتعال السماء تلك الليلة...

 

الغارةٌ الاسرائيليةٌ ضربت دمشق، وتبعها عددٌ من التصريحات السياسية  في وسائل الإعلام، وحملةٌ من التعليقات والكلام الممجوج على مواقع التواصل الاجتماعي، يومٌ يمضي ثم آخر، ونعود لنغرق في تفاصيلنا ومعاركنا اليومية، لا نملك سوى ذكرى عن اشتعال السماء تلك الليلة...

 قد يبدو أيُّ حديثٍ عاطفي اليوم عاجزاً عن إيصال الشعور بضخامة الحدث فعلاً، قد يبدو أي وصفٍ لوحشية الكيان الصهيوني وإجرامه، وصفاً ضعيفاً ركيكاً لأنه ببساطة يخاطب الآن الذاكرة الآنية القريبة للسوريين، التي شغلتها تفاصيل الأزمة والوضع الداخلي في البلاد..

أظهرت الغارة الأخيرة خللاً خطيراً في الخطاب العربي عموماً تجاه القضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل، القائم: التركيز على الجوانب العاطفية و«الإنسانية» للقضية الفلسطينية، البكائية الشديدة والوقوف على الأطلال، تمجيد عقدة الضحية. في الوقت الذي يتراجع فيه التحليل الحقيقي للجوانب السياسية والاستراتيجية للصراع، أو المعلومات الكافية عن الداخل الإسرائيلي، بحيث يبقى هذا العدو مرعباً خطيراً ومجهولاً في الوقت نفسه!   

إلا أن الكيان الصهيوني في المقابل لم يقع في الفخ ذاته، وعمل طوال سنوات على بناء خطاب عقلاني يساعدنا الغوص في بعض تفاصيله الابتعاد عن التشوش والانفعال المرتبط بالحدث السوري الداخلي، و إنعاش الذاكرة البعيدة للسوريين، تلك التي كان «لإسرائيل» فيها حصة الأسد بوصفها العدو الأول..

يُعرف عن اسرائيل بأنها عدوٌ شديد الصبر، لأنها وببساطة  احتاجت العمل لسنوات  لإضفاء الشرعية على كذبة! وهو الأمر الذي يبرر نفوذ رأسمال اليهودي الكبير على شركات الإنتاج السينمائية في هوليوود، أو المحاولات المستمرة لاستقطاب بعض الرموز الفنية أو الأدبية المشهورة لزيارة الكيان الصهيوني، وجهود اللوبي الإسرائيلي وجماعات الضغط في أنحاء العالم من أجل تنظيف سجلات التاريخ وإعادة كتابته بما يتوافق مع «الرواية الإسرائيلية» للأحداث ليصل الأمر بسن قوانين تحرّم حتى  التشكيك بوقوع حادثة «المحرقة اليهودية»!

استهدفت بعض الدراسات الإعلامية الإسرائيلية للخطاب العربي منذ عدة سنوات معرفة نوع المصطلحات المستخدمة للدلالة على اسرائيل ( الكيان الصهيوني الغاشم، العدو الصهيوني، الاحتلال الإسرائيلي..) واستخلصت الدراسة بأن الخطاب العربي سيعترف «لفظياً» بإسرائيل ككلمة مجردة بعد أن تخلى عن كل الأوصاف السابقة التي اعتبرت في نظر شرائح واسعة من المجتمعات العربية مصطلحات خشبية ! هذا التغيير اللغوي البسيط الذي استغرق عشر سنوات اعتبر نصراً حينها!

يقصد بكل ذلك القول إن اسرائيل أولت أهمية كبيرة للرأي العام العالمي والعربي، وعملت لسنوات على تغير القناعات والاتجاهات نحوها، بالدرجة نفسها التي سعت فيها لبناء قوتها العسكرية والتكنولوجية. لأن الأمرين لا ينفصلان بالنسبة لها، بل الحقيقة أن الجانب الأول يمهّد الطريق أمام الثاني ويجعله أكثر يسراً.

تبدو اليوم جميع المقارنات بين الصراع العربي الإسرائيلي والصراع الداخلي السوري شديدة السطحية والتبسيط، تغفل تماماً  نوع الصراع وطبيعته ومداه التاريخي الطويل والظروف السياسية والدولية، وكل التفاصيل الأخرى التي تجعل هكذا مقارنات غير ممكنة فضلاً عن كونها غير صحيحة.. خاصةً وأن الكيان الصهيوني الآن يجد الفرصة سانحة لتلميع صورته ليظهر بمظهرالبلد الأكثر «ديمقراطية» في الشرق الأوسط، الخائف على مصير السوريين من ارتفاع منسوب العنف في البلاد!! وبذلك لا يحتاج أن يخوض معاركه بيده ويلطخ صورته أمام الرأي العام في الوقت الذي تبدو بعض أهدافه قابلة للتحقق دون تدخل مباشر منه..

وإذا كان العدو الإسرائيلي يرى في تغيير المصطلحات نحوه خلال عشر سنوات واستخدام لفظ «اسرائيل» بدلاً من «عدوان» انتصاراً له، فما حجم الانتصار الذي حققه بغارته الأخيرة؟ خاصةً وأن بعض شرائح المجتمع قابلتها بالتهليل !! ؟ ما حجم النشوة التي يشعر بها عندما يظنّ بأنه لم يعد العدو الأول للسوريين؟ ويتوهم أن صواريخه تستطيع اختراق الأجواء السورية والوصول إلى قلب العاصمة لتضرب أهدافاً عسكرية في الوقت الذي ينشغل فيه السوريون بالتطهير والتحرير  بحيث لا يملكون الوقت أو القوة للرد؟؟

آخر تعديل على السبت, 12 تشرين1/أكتوير 2013 14:24