_
بعض الخلفيات الاقتصادية للسياسة التركية

بعض الخلفيات الاقتصادية للسياسة التركية

يتساءل الكثيرون عن الدور التركي اليوم في الأزمة السورية، وللإجابة على مثل تلك التساؤلات، علينا أولاً: أن نفهم مجمل التناقضات الداخلية التي تعيشها تركيا، وثانياً: علينا أن نحدد الموقع التركي ضمن خارطة التوازنات الدولية المتغيرة اليوم، لنستطيع أن نحدد ماهي مصالحها وأية سياسات وتوجهات تخدم تلك المصالح، وبالتالي نستطيع أن نمتلك المحددات الجوهرية لتكوين صورة أكثر موضوعية عن خلفيات الموقف التركي..


وبعيداً عن الداخل التركي، سنحاول هنا الإشارة إلى المستجدات الجارية في العلاقات الاقتصادية التركية مع روسيا وجيرانها الأوروبيين، فالموقع الجغرافي لتركيا في آسيا ووجود جزء من أراضيها في منطقة البلقان الأوروبي، بالإضافة إلى إطلالتها على عدة مسطحات مائية مثل البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر إيجة، يجعل الدور الجيوسياسي التركي مفتاحياً ضمن تغير موازين القوى الجاري حالياً ..

الطموح التركي والطاقة
يشكل مشروع خط غاز السيل الشمالي 2 لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا قضية أساسية في هذا السياق، فجزء من خط أنابيب الغاز سيمر عبر تركيا. الضغط الأوربي المدعوم من واشنطن على بلغاريا في عام 2014 لمنع وصول خط غاز السيل الشمالي إلى ميناء بورغاس البلغاري دفع روسيا إلى بدء مفاوضات مع تركيا بشأن البديل التركي. كما أن مشروع العقوبات الأمريكية الأخير والذي يستهدف الشركات الأوروبية المستثمرة في المشروع، دفع روسيا إلى تسريع أولوياتها في استكمال بناء الجزء التركي من خط أنابيب الغاز، والممتد من محطة ضخ الغاز التي تم إنجازها بالفعل بالقرب من أنابا جنوب روسيا، والذي سيعبر البحر الأسود، وبالتالي تركيا إلى بلغاريا وربما إلى الحدود اليونانية تفادياً للعقوبات. ومن هنا: سيكون على الدول الشرائية التعاقد على خطوط الأنابيب الخاصة بها وبناؤها لاستخدام الخط التركي والذي هو قيد التشغيل حالياً في مقدمة الخطة، حيث أنجزت شركة غاز بروم الروسية منذ شهر أيار حوالي 15 ميل من خط الأنابيب تحت البحر الأسود. وهو إحدى خطي الغاز الأساسيين والذي سيتم افتتاحه في آذار 2018، والثاني في 2019، ومن المقدر أن تصل الطاقة الإنتاجية السنوية لكل منهما إلى 15.75 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، أو ما مجموعه 32 مليار متر مكعب لكليهما، وهو ما نسبته 7% من حاجة أوروبا للغاز المقدرة بحوالي 447 مليار متر مكعب في 2016.
إن إعلان دول مثل هنغاريا، بلغاريا وصربيا مؤخراً عن عزمها توقيع اتفاقيات مع تركيا لنقل الغاز الروسي عبر الخط التركي، هو ما دفع أردوغان في مؤتمر النفط العالمي الذي عقد يومي 9 و11 تموز في اسطنبول، إلى القول بأن تركيا الفقيرة بمصادر الطاقة، تهدف إلى أن تصبح مركزاً للطاقة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

مصالح روسية-تركية متبادلة
من ناحية أخرى اختارت الحكومة التركية مجموعة روساتوم الروسية لبناء أول محطة للطاقة النووية لها، وهى محطة أكويو النووية، مع أربعة مفاعلات بالقرب من البحر المتوسط في جنوب تركيا. ويجري بناء الوحدة الأولى التي تبلغ تكلفتها 20 بليون دولار، من قبل اتحاد روسي تركي مع مجموعة بناء تركية، والتي ستبدأ العمل في عام 2023.
وتجدر الإشارة هنا إلى تأكيد الرئيس التركي أردوغان مؤخراً على عقود بقيمة 2.4 مليار دولار لشراء وحدات من أنظمة الدفاع المضاد للطائرات الروسية S-400 المتقدمة، على الرغم من الجهود التي بذلتها الإدارة الأمريكية والناتو لوقفها، واختيار نظام الباتريوت الأمريكي كبديل.
أي: أن العلاقات الاقتصادية والتعاون المتبادل بين الروس والأتراك اليوم تتم على مستوى قطاعات حيوية ومتقدمة مثل الطاقة والأمن. مما يعني أن المنافع الاقتصادية والجيوسياسية التي تستطيع أن تحققها تركيا من الصعود الروسي هو ما يفسر التقارب الروسي- التركي، والتحول ربما في الموقف السياسي.
هناك تحول يجري اليوم، ليس فقط في تركيا، بل أيضاً عبر كامل منطقة البلقان. فالحدود الجيوسياسية الجديدة للبلقان تتبلور وتدفع باتجاه عملية فرز داخل الاتحاد الأوروبي، بين دول أكثر تشدداً وارتباطاً بالمنظومة الأمريكية، وبين دول أوروبية أخرى أكثر براغماتية وحرصاً على مصالحها الاقتصادية والأمنية من الدفاع عن القوة الأمريكية المتراجعة والمفلسة، لذلك فهي تسعى للبحث عن مصالح لها في الشرق، والمعبر التركي هو أحد بوابات أوروبا نحو الشرق..

هوامش:
Turkey، Russia and Interesting New Balkan Geopolitics، Global Research.