_
الدخان الأسود يعيد «معضلة» مكب السفيرة إلى الواجهة

الدخان الأسود يعيد «معضلة» مكب السفيرة إلى الواجهة

وسط أصوات القصف، افترشت سماء دمشق سحابة دخان سوداء، وسادت رائحة «نتنة» في بعض المناطق بالعاصمة، وبدأت التساؤلات عن مصدرها، وتعددت التكهنات، ليتبين بأن هذه السحابة مصدرها الحرائق في مكب نفايات وادي السفيرة.

منذ أكثر من 4 سنوات، وسكان ركن الدين ومساكن برزة وحاميش ومحيطهما في دمشق يعانون من أثر التلوث البيئي الذي زرعته محافظة دمشق عن سابق إصرار وسط تجمعهم السكني، وفي كل عام تعود مشكلة الروائح «النتنة» من مكب وادي سفيرة، عدا عن الحرائق المفتعلة التي تسبب الضرر البيئي وتزيد من الأمراض التنفسية للسكان.
ليست الرائحة فقط؟
الرائحة ليست الأسوأ، بل انتشار الذباب في وقت مبكر، وظهور الناموس وحشرات أخرى والقوارض وهي الأخطر، وهناك مخاوف من انتشار أوبئة خطرة صيفاً مثل اللشمانيا، وخاصة أن سكان دمشق في تزايد ما يعني تفاقم المشكلة بازدياد عدد السكان.
هناك عدة أوجه للضرر البيئي والصحي الناجم عن المكب، منها: التلوث المنبعث من حرق القمامة، حيث يقوم عمال المكب بحرق القمامة لعدم وجود محطة معالجة لبعض أنواع المخلفات، وبعض الأحيان تنتشر النيران نتيجة الحرارة المرتفعة دون القدرة على التغلب عليها وإطفاءها.
دراسة دقت ناقوس الخطر!
في دراسة لمعهد العلوم التطبيقية والتكنولوجية، أجريت عام 3102 وخرجت للعلن عام 7102، بعنوان «الانبعاثات الغازية الناجمة عن مكب النفايات الصلبة في مقلب وادي السفيرة بدمشق، وآثارها البيئية»، والتي أعدها كل من «د. يمن الأتاسي، د. هالة سرحان، د. تمام درويش» من المعهد، جاء إن «المكب موضوع الدراسة، هو في مجرى وادٍ انهدامي، تصب فيه الأمطار والسيول، ومن ثم فإن تأثير الملوثات على كل من المياه السطحية والجوفية والتربة، أمر ليس بالمهمل، إذ كان ينبغي أخذ الحيطة والحذر، عند البحث عن موقع للمكب، من حيث ضرورة القيام بدراسة للبنية الجيولوجية المكونة للتربة ومدى استقرارها وكتامتها، والمعالجة المسبقة لمنطقة المكب وتبطينها، لمنع تسرب رشاحة المخلفات ذات التأثير السُّمّي العالي»، وقد ذكر الباحثون أسماء عشرات الجراثيم والسموم الكيميائية، التي قد تسبب أمراضاً خطيرةً مثلَ السرطان.
وخَلُصت الدراسة إلى نتائج ومقترحاتٍ، استناداً إلى المعايير الناظمة لمكبات النفايات حول العالم، والتي تؤكد: أن مكب وادي السفيرة لا يحقق حتى الحد الأدنى من معايير السلامة والأمان بسبب: 
1 – المسافة القصيرة بين المكب والتجمعات السكنية.
2 – الموقع المرتفع للمكب في الأعالي، وما ينفثه من غازات مؤذية، أثقل من الهواء بحيث تتركز في الأسفل عند التجمعات السكنية.
3 – الحرق المتعمد، أو غير المتعمد في العراء، يشكل كميات هائلة من «الديوكسنات والفورانات».
4 – الظروف الجيولوجية (واد انهدامي).
5 – الظروف الهيدروجيولوجية .
6 – أخطار السيول والانزلاقات، التي تؤدي لتلوث المياه الجوفية والسطحية والتربة.
أما المقترحات فهي:
نشر ثقافة التخفيف من إنتاج النفايات
الفرز الأوليّ للنّفايات، الذي يبدأ من المنزل وينتهي في المكب
تحويل النفايات الصلبة العضوية، إلى سمادٍ عضويٍ بفصل النفايات العضوية وبقايا الطعام ومخلفات الزراعة، عن باقي النفايات وحفظها تحت ظروف مخصصة، لمساعدتها على التفكك طبيعياً.
الحرق الآمن بطريقة الترميد، وهو حرق مضبوط عند درجة حرارة مرتفعة جداً، يمكن أن يستفاد من طاقتها الحراريّة، في توليد الكهرباء.
عند طمر النفايات، يجب أن تكون الطبقة السفلى للمطمر كتيمة تمنع تسرب الرشاحة إلى المياه الجوفية، ويتم الطمر على شكل طبقات تُغطّى بشكل يومي بالتراب.
لا أحد يعلم حتى اليوم ما هو مبرر محافظة دمشق من إبقاء المكب وسط المدينة والتغاضي عن الأضرار المترتبة عنه، رغم أن حجتها في إقامته بداية، هو: التوتر الأمني في ريف دمشق وعدم قدرة سيارات القمامة الوصول إلى مكب نجهة، لكن وضع الريف اختلف اليوم عما كان عليه منذ 3 سنوات، ولم يختلف وضع المكب «المخالف لكافة المعايير والمقاييس».
من السبب؟
تستخدم محافظة دمشق 2 دونم من المكب لطمر حوالي 007 - 0001 طن من النفايات يومياً، ما يعني ثلث نفايات دمشق اليومية تقريباً، المقدرة بـ 0003 طن.
وبحسب مجمع خدمات دمشق، إن محافظة دمشق قدمت عدة مقترحات لمكبات بديلة لكن وزارة المياه رفضت لقربها من المياه الجوفية، على حد تعبيرها، ما يجعل قضية المكب معلقةً وخطورتها قائمةً إلى اليوم، لكن ذلك لا يشفع للمحافظة اختيار هذا المكان، دون دراسة بيئية مسبقة، ولو كان حلاً إسعافياً، فقد باتت معالجة القضية اليوم أصعب من السابق نتيجة تراكم النفايات على مر السنين، وأثر التلوث قد يحتاج إلى سنوات ليذهب في حال نقل المكب.