كيف بنت فنزويلا 1.5 مليون مسكن؟!

كيف بنت فنزويلا 1.5 مليون مسكن؟!

في الذكرى الرابعة لوفاة الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز، وفي اللحظة التي تتعمق آثار الأزمة الاقتصادية في فنزويلا، تحت تأثير حرب النفط، من المهم الإضاءة على واحد من المشاريع الاقتصادية-الاجتماعية التي أنجزت ويستكمل إنجازها حالياً، والتي جعلت فنزويلا واحدةً من الدول ذات المعدل الأسرع، في انتشال سكانها الفقراء من دائرة الفقر..

مشروع الإسكان العام الفنزويلي، والذي أعلن عنه عام 2011 لتوفير 3 ملايين منزل للفنزويليين بنهاية عام 2019، قد أنجز نصف المهمة، حيث أعلن الرئيس الحالي مادورو، في مطلع العام الجاري أن الحكومة نجحت في تحقيق الهدف المخطط له حتى الآن، واستطاعت توفير مليون ونصف منزل للسكان..

مساكن مجانية للحد الأدنى من الدخل!

المشروع هو أحد مبادرات الحكومة الاجتماعية، ويهدف إلى معالجة مشكلة نقص المساكن التي خلفتها الحكومات السابقة، حيث فشلت في توفير فرص سكن متساوية للجميع، ويهدف كذلك إلى تعويض السكان الذين خسروا بيوتهم نتيجةً للفيضانات المدمرة التي تعرضت لها البلاد. وذلك من خلال توفير مساكن اجتماعية آمنة ولائقة، لذوي الدخل المحدود بتكلفة منخفضة أو بالمجان، اعتماداً على مستوى الدخل للمستفيدين، وتكون الأفضلية للسكان ذوي الدخل المنخفض، وفق نظام الشرائح. فالفقراء أو ذوي الحد الأدنى للدخل يحصلون على دعم بنسبة 100%، أما من يحصل على ضعف الحد الأدنى للأجور فيستحق تخفيضاً للتكلفة بنسبة 50%، ويتوقف الدعم عندما يصل الأجر إلى أربعة أضعاف الحد الأدنى للأجور.

برمجة التمويل..

تمول الحكومة تكلفة المشروع بشكل كامل، والتي قدرت حتى عام  2015 بحوالي 37 مليار دولار، وذلك بالاعتماد على الموارد العامة، وبإلزام المصارف بتخصيص 20٪ من سيولتها للقروض العقارية بهدف دعم البرنامج. لكن النقطة الحاسمة في إمكانية تحقيق الهدف، هي التعاون مع دول مثل: الصين بشكل أساسي، بالإضافة إلى روسيا وبيلاروسيا.

يعتبر المشروع واحداً ضمن مجموعة من مشاريع الاستثمار في البنى التحتية، والمواصلات، والنفط في فنزويلا، بقروض وصلت بمجموعها إلى قرابة 50 مليار دولار في عام 2017، والتي كان من المخطط أن تسدد بمجموعها عيناً، عبر شحنات النفط الفنزويلية.

كما وقعت فنزويلا عقوداً مع شركات صينية خاصة، لتوريد المواد والآليات اللازمة للبناء، وعقوداً مع الشركة الصينية المملوكة للدولة (سيتيك) لبناء 20 ألف وحدة سكنية. وتعمل تلك الشركات الصينية بالاعتماد بشكل كبير على العمالة المحلية، حيث قامت شركة سيتيك بتوفير أكثر من 3500 فرصة عمل للفنزويليين، كما قامت بتزويد بعض الشقق المنجزة بالأثاث مجاناً..

يوجد اليوم في فنزويلا 51 مركز إنتاجي جديد لصناعة مستلزمات البناء، مما خلق فرص عمل محلية جديدة. كما ساهم المشروع في نمو صناعة البناء والتشييد، حيث ارتفعت نسبة مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد الوطني من 5% إلى 16.8%.   

وللمشروع أهداف اجتماعية أخرى، وهي إشراك السكان المحليين والمستفيدين في تخطيط وتنفيذ المشاريع، حيث قام 60% من مالكي البيوت بوضع المخططات، وقامت المجالس المحلية ببناء أكثر من نصف المشاريع. مما يضمن بدوره أن المشروع يتناغم مع الطلب المحلي، وينطوي على إشراف من المجتمع نفسه، الأمر الذي نجم عنه انخفاضاً ملحوظاً في مستوى الجريمة في الأحياء الجديدة. كذلك بنيت المساكن على شكل وحدات سكنية مجهزة بمرافق ترفيهية ورياضية، ومراكز اجتماعية وغيرها. 

 تقدم فنزويلا من خلال مشروع الإسكان العام، تجربةً تستحق الإضاءة، حيث نجحت في تجاوز أزمة السكن باستخدام الأموال العامة، وبالمقابل دعم قطاع صناعي هام، وتوفير فرص عمل للسكان ومنازل مدعومة تتناسب مع مستويات الدخل المختلفة.

العلاقات مع الصين ومصيرها في ظل الأزمة؟!

بين 2001-2017 وقعت الصين وفنزويلا أكثر من 790 اتفاقية تعاون، أغلبها في القطاع الإنشائي والمواصلات والبنى التحتية، الانتقادات الدولية كثيرة لطريقة التمويل الصينية، فيما يُسمى النموذج «البكيني للإقراض من دولة لدولة»، مع تسهيلات في طرق الدفع، إلا أن هذه الطريقة قد أتاحت لفنزويلا توسيع بناها التحتية، وتطوير إنتاجها للنفط، والكهرباء، مقابل تسديد جزء من مدفوعاتها عيناً، وبالتالي الاحتفاظ بجزء من احتياطي عملاتها. 

سددت فنزويلا ما يقارب 30 مليار دولار من دينها، عبر المدفوعات العينية بالدرجة الأولى، وتدين الحكومة الفنزويلية اليوم للصين بحوالي 20 مليار دولار، كما توقفت عمليات توسيع التمويل، ليتم البحث في طرق سدادها، بعد أزمة فنزويلا الاقتصادية العميقة، الناجمة عن حرب النفط، وانخفاض أسعاره العالمية، حيث تعتمد فنزويلا بنسبة 95% من إيراداتها على النفط، فهل تستطيع الصين، وفنزويلا بالدرجة الأولى دفع علاقاتها إلى مستوى جديد في ظل الأزمة الفنزويلية المهددة بالتصاعد تحت تهديد الولايات المتحدة الأمريكية بعقوبات على شركات النفط الفنزويلي؟!