_
« Free-lancing » هل هي أداة نهب جديدة..؟

« Free-lancing » هل هي أداة نهب جديدة..؟

تزداد أعداد الشابات والشبان الباحثين عن عمل عبر الانترنت، وبخاصة في بلدان تعيش كوارث أوقفت اقتصادها وإنتاجيتها وفرص العمل فيها، كما الحال في سورية وغيرها كثير من بلدان العالم الثالث. وبطبيعة الحال فإنّ المقصود بـ«الكوارث» هنا، ليس الكوارث والأزمات المتجلية عنفاً وسلاحاً وإرهاباً فحسب، بل وأيضاً كوارث الاقتصاد الحر «التابع»، الممهدة والمصاحبة لكوارث الدم بطبيعة الحال.

 

 

يحمل العمل عبر الانترنت عادة اسماً مضللاً جداً هو freelancing، والعامل فيه اسم freelancer بمعنى العامل المستقل أو الحر، وهذه التسمية كانت قبل عقود ذات استخدام ضيق يتعلق تحديداً بالصحفي الذي يكتب لجرائد ومجلات مختلفة دون أن يكون مرتبطاً بأي منها، بمعنى أنّه ليس موظفاً بدوام بأي منها. بعد ذلك بقي من المعنى القديم أنّ العامل ليس مرتبطاً بمكان أو دوام أو شركة محددة، وهو إنما يقدم خدماته المأجورة بما يرضيه ولأي مشّغل كان، وفي أي بلد كان..

 

ورغم أنّ معظم ما يكتب عن الـ freelancing يضعه في إطار «الخدمات» ويفترض تالياً أنّه لا يعتبر جزءاً أصيلاً من الـ outsourcing، أي الاستثمار الخارجي ذي الطابع الإنتاجي بخاصة، إلا أنّ نظرة أقرب لطبيعة الأشغال التي تتم عبر الـ freelancing، تسمح ببناء رؤية مختلفة: فهذا القطاع لم يعد مقتصراً على الصحافة بل تعداه لمختلف أنواع الأعمال تقريباً، فهنالك الأعمال البرمجية والتصميمية، بما في ذلك التصاميم الهندسية المختلفة لمشاريع معمارية وإنتاجية شتى، وهنالك أعمال الترجمة والتدقيق والتسويق والإنتاج الإعلامي بمختلف أنواعه، وغيرها الكثير..

الطريق مفتوح للعمل الذهني

والحال أنّ التطور التكنولوجي الهائل بات يسمح بإنجاز القسم الأكبر من عمليات الإنتاج «الحقيقي» و«غير الحقيقي» عبر الانترنت، (والتفريق هنا يتعلق بإنتاج قيمة مضافة أو إعادة توزيع قيمة مضافة منتجة في قطاعات أخرى)، ويعود ذلك إلى الارتفاع الكبير في نسبة العمل الذهني إلى العمل العضلي ضمن مختلف العمليات الإنتاجية.

يمكن للقارئ أن يطّلع بصورة أكثر قرباً على كيفية سير العملية، بمجرد الدخول والتسجيل في أحد المواقع الكبرى التي تدير أعمالاً من هذا القبيل، ولعل واحداً من أشهر تلك المواقع هو  freelancer.com  الذي يزيد عدد المسجلين فيه عن 19 مليون عضواً أغلبيتهم العظمى هي من العمال، بينما الأقلية هم المشغلون.

منطق العملية يجري بالشكل التالي: كل freelancer جديد يدخل إلى الموقع، يقوم بإنشاء صفحة خاصة به يضمنها معلومات عن مهاراته وشهادات خبرته وإلى ما هنالك، ووفقاً لهذه المهارات أو غيرها يستطيع البحث ضمن الموقع عن فرص العمل المقدمة، كل فرصة لها ميزانية يحددها المشغل، بين حدين أعلى وأدنى، وضمن وقت إنجاز أقصى، وتبدأ هنا عملية مناقصة، حيث يقدم كل فريلانسر راغب بأخذ الفرصة عرضه حول إنجازها ضمن وقت أقل وأجر أقل، وتصل المسألة حدوداً مستفزة في المضاربة بين «العمال الأحرار»، فليس نادراً أن يعرض عمل من نمط تصميم موقع ما بميزانية بين 50 و250 دولاراً، والحقيقة أن أجر تصميمه في بلد المشغل، الذي هو كندا فرضاً، يصل عشرة أضعاف الحد الأعلى الذي خصصه في ميزانيته (وهذه مسألة أخرى سنعود إليها).. وليس نادراً أن نرى عشرات ومئات المتقدمين من «العمال المستقلين» الذين يعرضون خدماتهم لتصميم الموقع كاملاً خلال يومين لا أسبوع وبأجر 45 دولاراً، وبالدخول إلى صفحات هؤلاء تصدمك كم الخبرات والشهادات والمهارات المعلقة في تلك الصفحات، ولكن نظرة جانبية إلى الجانب الأيسر الأعلى من الصفحة (هذا في الموقع المثال الذي ذكرناه) يمكن لها أن تفسر كل شيء، ففي تلك الزاوية وإلى جانب الصورة يمكنك رؤية علم البلد التي ينتمي إليها العامل، هنالك ستجد بشكل متكرر الهند وباكستان ومصر وبنغلادش وإلخ من دول «العالم الثالث» الذين يعولون على الفرق في قيمة العملة في عروضهم التي يقدمونها.

إذا تابعنا في مثال تصميم الموقع الالكتروني الذي ذكرناه سابقاً، وافترضنا أنه رسا على أحد العمال من ذوي عرض الـ50 دولاراً، فإنّ المشغل (الكندي افتراضاً) سيدفع 50 دولاراً تضاف إليها نسبة ما لصالح الموقع بدلاً عن 2500 دولاراً كان مضطراً لدفعها في بلده لقاء الخدمة ذاتها لولا الـ«فريلانسينغ». أي أنّ معدل استغلال الـ freelancer الهندي (مثلاً) هو أكبر بخمسين مرة من معدل استغلال نظيره الكندي الموظف في شركة برمجة كندية ويعيش في كندا..!

دعوة للبحث

إنّ الفرضية التي أزعم أنها تستحق البحث بناءً ليس على ما تقدم فليس فيه كثير ليبنى عليه، بل على الفكرة العامة فيما تقدم، هي أنّ اقتصاد الـ «freelancing» هو خطوة نوعية جديدة ومركبة تستكمل وتطور «هجرة العقول» بوصفها أداة من أدوات النهب التي يستخدمها الاستعمار الحديث، أو الاستعمار الاقتصادي، وهي وإن كانت حمالة أوجه، لا شك أنّ بينها ما هو إيجابي نسبياً لاقتصادات بعض دول العالم الثالث، ولكن سمتها الأهم هي النهب ذو معدلات الاستغلال غير المسبوقة تاريخياً، ففي حالة هجرة العقول، فإنّ العقل المهاجر إذ يستقر في بلد من بلدان العالم الأول، فإنّ تجديد قوة عمله، أي مجمل الأشياء التي يحتاجها من مأكل ومسكن وإلخ، إنما ستقاس بالوسطي الموجود في ذلك البلد، في حين أنّ الـ «فريلانسر» يقدم تقريباً كل ما يقدمه العقل المهاجر (فهو عقل مهاجر أيضاً ولكن عبر الانترنت) دون أن يتحمل البلد المتقدم تبعات ارتفاع قيمة قوة عمل ذلك العقل، فهو لا يزال يعيش في الهند مثلاً، أو في مصر، وستكفيه بضع دولارات ليعيد إنتاج قوة عمله..