Skip to main content

اقتصاد (3533)

لا تزال تقف سورية اليوم أمام مفترق طرق تاريخي حاسم بعد أكثر من عقد ونصف من الحرب المدمرة التي سببت أضراراً هائلة على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي. وللإنصاف، لا بد من القول إن هذه الأضرار لم تكن وليدة الحرب فقط، بل كانت نتاجاً منطقياً لعقود من سياسات اقتصادية جائرة وغير عادلة اجتماعياً، حولت ثروات البلاد لمصلحة نخبة فاسدة ضيقة، فيما كان ملايين السوريين يرزحون تحت وطأة الفقر والتهميش. لهذا، فإن السؤال المطروح اليوم يتجاوز حدود كيفية إعادة بناء البلاد، بل كيف نعيد البناء ولمصلحة من؟ حيث يرسم مشهد الاقتصاد السوري بعد الحرب صورة قاتمة على جميع الصعد: تراجع في قوة الليرة السورية، وارتفاع فعلي في معدلات التضخم (بعيداً عن التقديرات الرسمية التي تحاول الترويج للعكس)، وتآكل متسارع للقدرة الشرائية لملايين الأسر السورية التي لا تقوى على تأمين احتياجاتها الأساسية من غذاء ودواء ومسكن. ولعل الأمر الأشد إيلاماً هو أن هذا التراجع الاقتصادي لم يمنع فئة محدودة من تحقيق ثروات كبرى من عذابات السوريين، مستثمرة الفوضى والفساد وغياب الرقابة.

بعد الزيارات المتتالية التي قام بها كبار المسؤولين من أمريكا إلى الصين، إلى أين سيتجه الاقتصاد الصيني في خطوته التالية؟
يتقاطع هذا السؤال، على نحو مناسب، مع قضية العلاقة بين الصين والعالم في ظل الفائض التجاري الحالي البالغ 1.2 تريليون دولار. فمن الزاوية الخارجية، غالباً ما يتحول الفائض التجاري الضخم إلى ذريعة تستخدمها بعض الدول لإثارة خطاب «المنافسة الصينية غير العادلة» و«استحواذ الصين على الأسواق العالمية». أما من الزاوية الداخلية، فإن وراء الفائض التجاري الهائل قضايا واقعية على التحول الاقتصادي الصيني أن يواجهها:

بعد سقوط سلطة الأسد، وفي خضم الفوضى الهائلة التي خلفتها عقود من الحرب والتدمير الممنهج، بدا أن الشعب السوري يقف على عتبة مرحلة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات. غير أن ثمة أصواتاً بدأت تتعالى من كواليس المؤسسات المالية الدولية، تحمل معها خارطة طريق مألوفة، لا بل متكررة بصورة مثيرة للقلق لمن يتذكر ما جرى في دول من أمريكا الجنوبية إلى أفريقيا مروراً بجنوب آسيا وشرق أوروبا ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. تقول الخارطة: افتحوا الأسواق، وخففوا القيود، وبيعوا ما تملكون من أصول عامة، وستجدون طريقكم نحو النمو والازدهار. لكن التاريخ الاقتصادي يسجل أن هذه الخارطة لم تقد إلا نحو مزيد من الهشاشة والتبعية والإفقار. وفي هذا الصدد، تتحدث الأخبار المتسربة اليوم عن أن شركة «أوليفر وايمن» الأمريكية أنهت المرحلة الأولى من تقييم المصارف الحكومية السورية الستة، وأن هذا التقييم يجري بعد مذكرة تفاهم وقعها وزير المالية، محمد يسر برنية، مع «صندوق قطر للتنمية»، بتمويل ودعم من وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي. وتتحدث هذه الأخبار عن ثلاثة خيارات تنتظر المصارف العامة السورية: أولاً، إعادة هيكلة المصارف العامة، لتصبح شركات مساهمة وتبقى مملوكة للدولة. ثانياً، خصخصة المصارف بشكل كامل، أو طرحها للاستحواذ من قبل مصارف خارجية. ثالثاً، دخول كل مصرف في شراكات استراتيجية مع مصارف عربية (على الأغلب إماراتية) وأجنبية. ووفقاً لمصادر مصرفية صرحت لصحيفة «عنب بلدي» المحلية، «يبدو أن هناك اشتراطات بحيث تقوم المصارف الخارجية بالاعتماد على هيكلية المصارف العامة بدلاً من تأسيس بنوك داخل سورية من الصفر».

في الفيلم الوثائقي «الرجل ذو النعل الذهبي» الصادر عام 2000، والذي انتقد نموذج إعادة الإعمار اللبناني الذي قاده رئيس الوزراء آنذاك، الملياردير رفيق الحريري، قدّم المخرج السوري، عمر أميرالاي، واحداً من أكثر الحوارات تكثيفاً بالمعنى السياسي والاقتصادي. كان الحريري يقف على شرفة مكتبه المطلة - من فوق - على مدينة بيروت التي تمت «إعادة إعمارها» بعد الحرب الأهلية اللبنانية، يسأله أميرالاي: «كيف شايف بيروت من هون دولة الرئيس؟»، يردّ الحريري: «يعني هوي الجمال يلي فيها إنك بتقدر تشوف البحر والجبل والبيوت بنفس الوقت»، ليبادره أميرالاي: «والناس؟».
كانت تلك إضاءة ذكية على أن المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب السلطة لم يعيروا أي وزن للناس، وأنهم غير قادرين على رؤية المكان - أي مكان - إلا بوصفه مساحة استثمارية يمكن التربح منها. الأكيد أننا في سورية اليوم نواجه نموذجاً شبيهاً، ورجالاً جدد ذوي نعال ذهبية، يطلون على الخراب السوري من شرفاتهم العاجية، لا ليروا ملايين الجياع أو القابعين تحت خط الفقر، بل ليروا في الركام «فرصاً» للخرسانة المسلحة والزجاج العاكس، محولين المأساة الوطنية وعذابات الحرب إلى «كاتالوغ» عقاري هدفه الوحيد إسالة لعاب رأس المال العابر للحدود.

في 13 أيار، وافق مجلس الشيوخ في الكونغرس الأمريكي رسمياً على تعيين كيفن وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، ما يعني أن الاحتياطي الفيدرالي سيدخل «عصر وارش». وقبل ذلك، كان وارش قد بلور وطرح أفكاراً جديدة حول إطار السياسة النقدية، الأمر الذي أثار اهتماماً واسعاً في القطاع المالي العالمي، فالاحتياطي الفيدرالية يعني الدولار، ولا يزال الدولار رغم دورات الضعف المتتالية، هو العملة الاحتياطية الأولى في العالم.

لم يكد ينقشع غبار السلطة السابقة تماماً حتى بدأت الكاميرات تلتقط مشاهد مغايرة: مستثمرون ومسؤولون بوجوه جديدة، وخرائط مضاءة بألوان المشاريع العقارية فوق أراضٍ لا يزال بعضها يحمل آثار التدمير والاحتراق. ففي غضون أشهر قليلة من سقوط السلطة السابقة، باتت مشاريع التطوير العقاري تحتل صدارة الملفات التي تُقدم بها سورية الجديدة للعالم: برج سكني هنا، ومنطقة حرة هناك، وحديث عن «مدن ذكية» في بلدٍ لا تزال مدنه وقراه تفتقر إلى أبسط البنى التحتية الضرورية. بطبيعة الحال، فإن هذه الصورة ليست مستغربة، فالعقار دائماً ما يكون أول من يطل برأسه حين تفتح أبواب الاستثمار، ذلك لأنه من القطاعات الاقتصادية الأسرع ربحاً. لكن هذه الصورة مقلقة للغاية حين تقرأ في ضوء ما تعانيه الغالبية العظمى من الشعب السوري من فقر متجذر وبطالة متنامية وإنتاج زراعي وصناعي مدمر، وملايين النازحين الذين يحتاجون إلى فرص عمل حقيقية، لا إلى شقق لا يملكون ثمن إيجارها حتى. والمسألة هنا ليست رفضاً للبناء والتعمير، بل هي سؤال جوهري عن التسلسل والأولويات: من يبني لمن، وعلى حساب من؟

في 2 أيار 2026، أصدرت وزارة التجارة الصينية إعلاناً ليس طويلاً من حيث الحجم، لكنه ثقيل الوزن من حيث الدلالة، وهو: «إعلان وزارة التجارة رقم 21 لعام 2026، بشأن نشر أمر حظر يتعلّق بإجراءات العقوبات الأمريكية المرتبطة بالنفط الإيراني ضد 5 شركات صينية».

تسيطر على أذهان شريحة من السوريين نظرة نمطية قاتمة تجاه قطاع الدولة، تتلخص في كونه جهازاً متخلفاً، وفاشلاً، ومثقلاً بالخسائر الدائمة. وجرى تكريس هذه الذهنية في الخطابين الرسمي والإعلامي اللذين استمرا لعشرات السنين في نعت مؤسسات الدولة بـ«الخاسرة» وعديمة النفع. إذ بات ذكر قطاع الدولة مرتبطاً تلقائياً بمصطلحاتٍ كالفساد والتعقيد الإداري والبيروقراطية وتدني الإنتاج، وذلك في وقت يتم فيه تلميع صورة القطاع الخاص باطرادٍ يهدف إلى تصويره كحلٍ وحيد. ولنكن منصفين، فإن ما زاد من تجذر هذه القناعة هو التراجع الحقيقي في مستوى أداء وخدمات العديد من مؤسسات قطاع الدولة على امتداد العقود السابقة، وتهاوي قدرتها على المنافسة، وهو ما أرجعه البعض إلى فكرة أن الملكية العامة تفتقر للكفاءة الاقتصادية بطبيعتها. وهو أمر يعمل بعض الأكاديميين السوريين المعروفين إلى ترويجه بكثرة مؤخراً، محاولين إقناع الجمهور بأن رفض خصخصة مؤسسات القطاع العام ورفض عمليات إنهاء الدعم الاجتماعي ورفض انسحاب الدولة من لعب دورها الاجتماعي باتت «من الماضي»، وأنه يجب علينا «الانفتاح» على قبولها، كما لو أنها طرح جديد ينبغي علينا تبنيه كي «نواكب العصر».

تستمر المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في التصاعد، وقد أصبح مضيق هرمز فعلياً في حالة إغلاق، فيما يستمر تأثير ذلك على الملاحة الدولية في التوسع والانتشار. وبحسب بيانات صحيفة Lloyd›s List البريطانية المتخصصة في شؤون السفن، كان متوسط عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز يومياً قبل اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران نحو 120 سفينة. وبعد اندلاع الصراع، انخفض هذا العدد بشكل حاد إلى نحو 10% من مستواه قبل الحرب. ومع إعلان ترامب في 13 نيسان إغلاق المضيق، تراجع العدد إلى 4 سفن يومياً، ثم وصل في 14 نيسان إلى أدنى مستوى له عند سفينتين فقط يومياً. وفي 25 نيسان شهد عدد السفن العابرة تحسناً طفيفاً، لكنه بقي عند مستوى منخفض. وهذا يعني أن بيانات الملاحة في مضيق هرمز خلال الفترة المقبلة ستكون ذات دلالة رمزية فقط.

في لحظة يفترض أن تشكل نقطة تحول في تاريخ الاقتصاد السوري، بعد سقوط السلطة السابقة وفتح الباب نظرياً أمام إعادة الإعمار وبناء نموذج اقتصادي جديد، تتزايد الأسئلة حول المسار الفعلي الذي تسلكه السياسات الاقتصادية في البلاد. فبين الفرص الافتراضية التي أتيحت مع إعلان رفع العقوبات عن سورية وعودة الانفتاح الخارجي، وبين الخيارات التي اتخذتها السلطة اقتصادياً، تتكشف فجوة عميقة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة. في هذه المقابلة، يقدم الخبير الاقتصادي والباحث، ربيع نصر، المؤسس المشارك في «المركز السوري لبحوث السياسات»، قراءة نقدية شاملة للأداء الاقتصادي حالياً، متوقفاً عند ما يصفه بـ«الفرصة الضائعة»، ومحللاً تحولات الاستثمار العام والخاص، واختلالات المالية العامة، وغياب الشفافية في إدارة الاقتصاد. كما يطرح ملامح نموذج بديل يقوم على إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز العدالة الاقتصادية، وتوسيع المشاركة المجتمعية كمدخل أساسي لأي عملية تعافٍ حقيقية.

الصفحة 3 من 253