الإصرار على التقشّف في مواجهة جميع الأبحاث التي أثبتت فشله
مجموعة من الكتاب مجموعة من الكتاب

الإصرار على التقشّف في مواجهة جميع الأبحاث التي أثبتت فشله

مع ارتفاع تكاليف المعيشة العالمية والتضخم وعدم المساواة، تجتاح تدابير التقشف والخصخصة جميع أنحاء العالم عند مستويات قياسية، وتواجه الخدمات العامة تخفيضات لها عواقب وخيمة. في هذا السياق، تتزايد المخاوف الموجودة مسبقاً بشأن استمرار البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بفرض الحلول القائمة على السوق.

ترجمة: قاسيون

كانت الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي انعقدت في المغرب في شهر تشرين الأول، بمثابة فرصة لمؤسسات بريتون وودز والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، للردّ على تحذيرات منظمات المجتمع الأهلي وغيرها من المنتقدين، بشأن تأثير تدابير التقشف على توفير الخدمات العامة الأساسية لمليارات الأشخاص. على الرغم من الأدلة والشهادات والبدائل القابلة للتطبيق، ظل رئيس البنك الدولي أجاي بانجا والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورغيفا، مصرّين خلال الاجتماعات على أن التمويل الخاص ضروري لسدّ ما قالا بأنّه فجوة تمويلية كبيرة. تمّ التغاضي عن حلول، مثل: زيادة التمويل العام، والإصلاح الضريبي، ومعالجة ومحاربة التدفقات المالية غير المشروعة، وامتثال المانحين لأهداف المساعدة الإنمائية الرسمية، وتمويل المناخ، وإلغاء الديون، ليستمرّ تركيز مؤسسات بريتون وودز بدلاً من كلّ ذلك على «مزاحمة» التمويل الخاص من أمثال ما سمّاه بانغا «مختبر استثمار القطاع الخاص a Private Sector Investment Lab».

تواجه مؤسسة التمويل الدولية IFC، وهي ذراع البنك الدولي للقطاع الخاص، تدقيقاً خاصاً مع تزايد الأدلّة على الممارسات الضارّة في ظلّ تزايد المشاريع التي تمولها مؤسسة التمويل الدولية، بما في ذلك فضيحة «أكاديميات بريدج الدولية». قدّمت الاجتماعات السنوية لعام 2023 أدلّة جديدة على الضرر الذي تدعمه مؤسسة التمويل الدولية لخدمات الرعاية الصحية، في أعقاب تقرير دامغ أصدرته منظمة أوكسفام الدولية في حزيران بعنوان «التنمية المرضيّة». يحدد التقرير تدفقات التمويل بين «مؤسسات تمويل التنمية»، بما في ذلك البنك الدولي، ومقدمي الرعاية الصحية من القطاع الخاص الذين يعملون لتحقيق الربح في الجنوب العالمي. من خلال دراسات الحالة المتعمقة في الهند وكينيا، وجدت منظمة أوكسفام أن وعود «مؤسسات تمويل التنمية» بتعزيز التغطية الصحية الشاملة، وحماية الحقوق لم يتمّ الوفاء بها. بدلاً من ذلك يتمّ استخدام أموال دافعي الضرائب المخصصة لمكافحة الفقر وتحقيق أهداف التنمية- نظراً لأن مؤسسات تمويل التنمية ممولة من القطاع العام- لدعم المستشفيات الخاصة باهظة الثمن، والساعية إلى الربح، والتي ترفض تقديم الخدمات للمرضى الذين لا يستطيعون الدفع، بل حتّى تقوم باحتجازهم. وبالإشارة إلى أن البنك مكلف بالمساعدة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والحد من الفقر ودعم النمو الشامل، يكشف التقرير عن أضرار جسيمة تلحق بالمرضى في المستشفيات التي تمولها مؤسسة التمويل الدولية، وانعدام شفافية الاستثمارات، والتدفقات المشكوك فيها لأموال دافعي الضرائب إلى الملاذات الضريبية. والفشل النهائي لاستثمارات مؤسسة التمويل الدولية في مجال الرعاية الصحية، في توفير الدعم المناسب لأولئك الذين هم في أمس الحاجة إليه، أي الأكثر فقراً وضعفاً.

على الحكومات أن تستمع لنداءات المجتمع الأهلي، وليس لتوصيات صندوق النقد الدولي، فمن أجل توفير الدعم الشامل للأمهات والأطفال والمعوقين والمسنين، يمكن تأمين التمويل عبر فرض ضرائب تصاعدية، مع استكمال المساعدات الدولية في أفقر البلدان وأثناء الكوارث. كما أشار التقرير إلى أن «مؤسسة التمويل الدولية كانت في طليعة حملة استخدام الأموال العامة لتعظيم دور كل من التمويل الخاص، ومقدمي الخدمات التجارية في أنظمة الرعاية الصحية في الجنوب العالمي».

أثناء اجتماع منتدى سياسات المجتمع المدني CSPF ضمن الاجتماعات السنوية لهذا العام بعنوان: «تمويل التنمية للرعاية الصحية الخاصة الربحية: ما هي الآثار المترتبة على التغطية الصحية الشاملة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين؟»، ردّ ممثّل مؤسسة التمويل الدولية، تشارلز دالتون، على العرض الذي قدّمته الكاتبة الرئيسية للتقرير، آنّا ماريوت من منظمة أوكسفام، بالإشارة إلى أن مؤسسة التمويل الدولية ترى أنّ مثل هذه النتائج غير مقبولة، وستقوم بالتحقيق فيها بشكل كامل. ومع ذلك، أكد أنه يجب إيجاد حل لاحتياجات الرعاية الصحية، ولسوء الحظ فإن ضبط الأوضاع المالية أمر لا مفر منه. ورد دالتون بأنه «منزعج شخصياً ومستاءٌ من هذه القصص»، ثمّ أضاف: «بأنّ مؤسسة التمويل الدولية يمكن أن تفعل ما هو أفضل. القطاع الخاص لا يملك كل الحلول، ومؤسسة التمويل الدولية لا تقول ذلك. لكن الطلب على العرض كبير جداً، وعلينا أن نفكر خارج الصندوق».

الجميع في واد وصندوق النقد في واد آخر

ومع ذلك، لا توافق المؤسسات العالمية الرائدة على أن التمويل الخاص هو الجزء المفقود في الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات العامة. على سبيل المثال: تنصّ إرشادات منظمة الصحة العالمية WHO بشأن تحقيق الرعاية الصحية الشاملة، على أنّه «ينبغي للبلدان تقليل اعتمادها على التمويل الخاص، والتقدّم بدلاً من ذلك نحو توفير الرعاية الصحية الشاملة في المقام الأول. الرعاية الصحيّة الممولة من القطاع العام، لأنها تؤدي إلى تحسين الكفاءة والفعالية والإنصاف».

كما نشرت هيومن رايتس ووتش أبحاثاً نقدية أخرى تستكشف نهج صندوق النقد الدولي في معالجة عدم المساواة. قامت ورقة بحثية صدرت في شهر أيلول بعنوان «ضمادة على جرح رصاصة»، بتحليل 39 برنامجاً لقروضٍ صندوق النقد الدولي، منذ بداية جائحة كوفيد-19 حتى آذار 2023، لتقييم استجابة الصندوق وبرامجه للأزمات من خلال عدسة حقوق الإنسان. وجدت الدراسة تفضيلاً كبيراً لضبط الأوضاع المالية على حساب صحّة البشر وحقوق الإنسان، وشددت على أن هذا هو الحال على الرغم من حقيقة أن تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2023 «آفاق الاقتصاد العالمي» خلص إلى أنه: «في المتوسط فإن ضبط الأوضاع المالية لا يؤدي إلى خفض نسب الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي».

أعدّ باري هيرمان ورقة بحثية لخريف 2023 بتكليفٍ من عددٍ من منظمات المجتمع الأهلي المعنيّة بالعدالة الاجتماعية في التنمية العالمية الموجودة في ألمانيا، بعنوان «لدى صندوق النقد الدولي سياسة جديدة بشأن الإنفاق الاجتماعي: كيف ينبغي للصندوق أن ينفذها؟». تناولت الورقة البحثية كيف يقدّم صندوق النقد الدولي المشورة، ويحدد متطلبات السياسة لقروض الصندوق في إطار استراتيجيته الجديدة للإنفاق الاجتماعي. وأشارت الورقة، إلى أن «البرامج الأخيرة الخاصة بكل دولة والنصائح الأخيرة في مشاورات المادة الرابعة لا تزال تجسد درجة غير مبررة من التقشف، مما يؤثر سلباً على المواطنين الفقراء والضعفاء في البلدان المتضررة». وأشار هيرمان إلى أن الصندوق يحدد المعايير الرئيسية لتقييم برامج الإنفاق الاجتماعي: الكفاية والكفاءة والاستدامة المالية. وعلّق هيرمان قائلاً: «جيّد، والآن يتعين على الصندوق أن يستمع إلى دعوات المجتمع الأهلي لتقديم الدعم الشامل للأمهات والأطفال، والمعوقين وكبار السن، بتمويل من خلال الضرائب التصاعدية الكافية، مع استكمال المساعدات الدولية في البلدان الأكثر فقراً، وأثناء الكوارث».

وسط المناقشات المستمرة حول الحوكمة العالمية، والمخاوف المتزايدة بشأن السلام والاستقرار، تتنبأ التقارير بمستقبل قاسٍ بالنسبة للبلدان المقترضة: انهيار الخدمات العامة، وزوال قدرة الدولة، وما يرتبط بذلك من فقدان الثقة في المؤسسات العامة، يرافقه انخفاض طفيف في الديون، وتأثيرات سلبية كبيرة على حقوق المليارات من البشر.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1153
آخر تعديل على السبت, 06 كانون2/يناير 2024 20:19