آفاق ممرّ النقل الدولي بين الشمال والجنوب
عمران سالم عمران سالم

آفاق ممرّ النقل الدولي بين الشمال والجنوب

إنّ حرب العقوبات غير المسبوقة التي أطلقها الغرب الجماعي ضدّ روسيا، ووضع سقفٍ مصطنعٍ لأسعار الهيدروكربونات الروسية (النفط والغاز) وتقليل حركة الصادرات والواردات مع الاتحاد الروسي، أجبرت الحكومة الروسية على إعادة تنسيق العلاقات التجارية التقليدية عن طريق تحويلها من أوروبا إلى الشرق.

ترجمة: قاسيون

في هذا الصدد بدأت موسكو بإيلاء اهتمام كبير لتوسيع قدرة خطوط السكك الحديدية الرئيسية TransSib و BAM، وبناء طرق سريعة متطورة نحو الصين، وبناء سكك حديدية وجسور طرق جديدة عبر نهر آمور، وتحسين الموانئ البحرية في الشرق الأقصى الروسي في السنوات الأخيرة.

من المجالات المهمة الأخرى التي أصبحت أولوية في السنوات الأخيرة تطوير طريق بحر الشمال NSR. إن تشغيل مجموعة من كاسحات الجليد القوية التي تعمل بالطاقة النووية والديزل والكهرباء جنباً إلى جنب مع تحديث خدمات الملاحة والموانئ في القطب الشمالي سيجعل من الممكن مرافقة السفن التجارية المخصصة للجليد على طول أقصر طريق بين أوروبا وآسيا على مدار السنة في المدى القريب. هناك طريق آخر مهم للغاية وواعد، وهو طريق «شمال جنوب» الذي لم يحظ باهتمام كافٍ حتى وقت قريب. منذ 500 عام اكتشف التاجر Afanasy Nikitin أقصر طريق تجاري من Antient Rus (روسيا القديمة) إلى الهند. كانت إيران هي التي قدم الحلفاء من خلالها مساعدات إلى الاتحاد السوفييتي بموجب ترتيبات الإعارة والإيجار.

في الآونة الأخيرة، تغير الوضع الجيوسياسي في الخليج العربي بشكل إيجابي نحو استقرار الوضع. هناك اتجاه ثابت ومتسق يظهر تحولاً تدريجياً للمملكة العربية السعودية وقطر والبحرين والإمارات ودول الخليج الأخرى من الغرب إلى الشرق. على سبيل المثال، أصبحت الرياض شريكاً في الحوار مع منظمة شنغهاي للتعاون واتخذت قراراً بالانضمام إلى مجموعة بريكس في المستقبل. في وقت سابق أبدت إيران الاهتمام ذاته وأعادت العلاقات الدبلوماسية مع الرياض.

كلّ هذا يخلق شروطاً أساسية لتنفيذ ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب لأنّه، بالإضافة إلى الهند، يمكن لجميع دول الخليج العربي التي أبدت مؤخراً اهتماماً ملحوظاً بعلاقات أوثق مع روسيا والصين وإيران، استخدام هذا الممر. بالنسبة لدول أخرى في جنوب شرق وجنوب آسيا، فإنّ فرصة الحصول على طريق بديل يتيح الوصول إلى أسواق روسيا ودول رابطة الدول المستقلة تبدو جذابة من الناحية التجارية، لا سيما بالنظر إلى إمكانية إغلاق قناة السويس في حالة القوة القاهرة، كما حدث في آذار 2021 عندما أغلقت السفينة التي جنحت في القناة لمدة أسبوع، ما أدّى إلى حظر حوالي 500 سفينة مختلفة وخسارة التجارة العالمية حوالي 9.6 مليار دولار في اليوم.
تتمثل الميزة الرئيسية للممر بين الشمال والجنوب على الطرق الأخرى، بما في ذلك الميزة على قناة السويس، في تقليص الوقت المستغرق للعبور إلى النصف وتقليل تكاليف النقل. مثلاً، يستغرق تسليم البضائع من مومباي إلى سانت بطرسبورغ باستخدام الطريق التقليدية عبر قناة السويس من 30 إلى 45 يوماً، بينما يمكن أن يستغرق ما بين 15 إلى 24 يوماً عند استخدام الطريق البري. تشمل مزايا هذا الطريق الإمكانات الكبيرة لدمجه مع طرق النقل المتشابكة، مثل الحزام والطريق في الصين، والسكك الحديدية العابرة-للعرب التي تربط السعودية بدول الخليج العربي. سيمكن ذلك من إنشاء إطار نقل أوراسي، وشبكة من طرق النقل المترابطة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. سيساعد هذا في تقليل تكاليف الاستيراد والتصدير.

دخلت روسيا والهند وإيران معاهدة «ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب» في عام 2000. انضمت أذربيجان وكازخستان وتركمانستان وقرغيزستان وبيلاروسيا وعُمان وتركيا إلى المشروع في السنوات التي تلت ذلك. تغطي المعاهدة ثلاثة اتجاهات رئيسية «الغرب على طول الساحل الغربي لبحر قزوين مع ربط سكة حديد عبر أذربيجان»، «شرقاً على طول الشاطئ الشرقي لبحر قزوين مع وصلة سكة حديدية عبر كازخستان وتركمانستان»، «عبر بحر قزوين باستخدام خطوط العبّارات والحاويات في بحر قزوين». يتم تسليم الشحنات عبر أراضي إيران عن طريق السكك الحديدية أو البر إلى ميناء بندر عباس ثم عن طريق البحر إلى ميناء مومباي في الهند.

تحديات وآفاق تطوّر

في الوقت نفسه كشفت عشرون عاماً من التشغيل التجريبي لمعاهدة «ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب»، بما في ذلك اختبار شحنات البضائع في كلا الاتجاهين، عن عدد كبير من «الاختناقات» والمشكلات العالقة التي يواجهها المشروع، والتي تمنع استخدامه لإنشاء شحنة مربحة وفعالة تتدفق لصالح جميع الأطراف. يشير الخبراء إلى التطور الضعيف لنظام النقل في إيران بسبب التضاريس الجبلية المحددة للبلد، والسبب الرئيسي لعدم كفاية قدرات المعاهدة. تعمل المعدات الموجودة القديمة وقاطرات الديزل القديمة ووزن عربة السكك الحديدية والقيود المفروضة على طول القطار بشكل كبير على إبطاء حركة القطارات على خط السكك الحديدية أحادي المسار العابر لإيران، الذي يمر عبر العديد من السلاسل الجبلية في الجزء الشمالي الشرقي من إيران، من محطة سرخس في الحدود الإيرانية التركمانية «الاتجاه الشرقي للمعاهدة» إلى ميناء بندر عباس. في المقابل، يوجد في الاتجاه الغربي للمعاهدة خط سكة حديد يمتد فقط إلى أستارا، المحطة الحدودية الأذربيجانية الإيرانية، حيث لم يكتمل بناء الجزء الإيراني البالغ طوله 165 كم من خط السكة الحديد المؤدي إلى رشت. يتم نقل جميع الشحنات الصادرة من روسيا من قبل الطرف الإيراني إلى المركبات وتسليمها إلى بندر عباس. أعرب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي مؤخراً عن أهمية الجزء من ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب على الاقتصاد الوطني، داعياً إلى استكماله وتشغيله بأسرع وقت ممكن.

طوال هذه السنوات، تم توجيه حركة الشحن الرئيسية عبر مركز التجارة الدولية على طول بحر قزوين من الموانئ الرئيسية في أستراخان وماخاتشكالا وأوليا في اتجاه ميناء أنزالي الإيراني. علاوة على ذلك، تنقل السفن الروسية الشحنات ذات الشكل الواحد أو المتعددة «فحم خام، مواد بناء، أخشاب خام، بضائع خشبية، حبوب» إلى إيران. تُستخدم السفن الإيرانية في توصيل البضائع المناسبة للحاويات «مثل المواد الغذائية والمعادن والخشب والورق والآلات والمعدات والأسمدة المعدنية». يتمّ لهذا الغرض استخدام حاويات مكافئة عشرين قدماً فقط، بما في ذلك من أجل النقل الإضافي. مع ذلك فإنّ ناقلات البضائع المتنوعة الإيرانية المستخدمة على هذا الطريق قديمة جداً ولديها سعة حاويات منخفضة لا تتجاوز 200 حاوية بحجم عشرين قدماً، وهو ما لا يكفي بوضوح لزيادة حركة العبور بين الدول.

بالإضافة إلى ذلك لا يوجد حتى الآن وثيقة نقل وجمارك موحدة تنطبق على كامل مسار الممر. كما لا يوجد تأمين موحد على البضائع ومشغل واحد مسؤول عن المسار بأكمله. يعيق هذا القدرة التنافسية لمسارات الممر من حيث التسعير الذي من شأنه أن يعزز عبور الحاويات بين الهند وروسيا.
وفقاً لتقديرات بنك التنمية الأوراسي، يمكن تعزيز حركة الشحن بشكل إضافي من خلال رقمنة وتحسين البنية التحتية الخفيفة. سيساهم إدخال أنظمة النقل الذكية ورقمنة النقل الدولي متعدد الوسائط وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية بشكل إيجابي في تعزيز حركة التجارة بين أطراف معاهدة الممر. سيخلق هذا فرصاً جديدة لتبسيط إجراءات عبور الحدود، وتقليل وقت التسليم وتكاليف النقل وتسحين السلامة المرورية.

بتصرّف عن:
Prospects For International North–South Transport Corridor

معلومات إضافية

العدد رقم:
1134
آخر تعديل على السبت, 06 كانون2/يناير 2024 21:09