الإيكونومست تقول إنّ الصين «تقترب من الذروة»!
لوه سيي لوه سيي

الإيكونومست تقول إنّ الصين «تقترب من الذروة»!

يناقش تقرير «ذي إكونوميست» الأخير تطور العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، ويشير إلى أن الفترة التي شهدت فيها الصين صعوداً هائلاً خلال السبعين عاماً الماضية قد انتهت الآن، مع أنّ توقعات الإكونوميست السابقة تشير إلى أنّ الناتج المحلي الإجمالي للصين سيتفوق على الولايات المتحدة في منتصف القرن الحادي والعشرين، وسيحتل مكانة رائدة وسط الاقتصادات العالمية. ومع ذلك، يقول التقرير إنّ هناك عوامل ستؤدي إلى الضعف في النمو الاقتصادي، وتغيرات في الهيكل الديموغرافي، ممّا «يبرر» تراجع التوقعات المستقبلية للصين.يناقش تقرير «ذي إكونوميست» الأخير تطور العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، ويشير إلى أن الفترة التي شهدت فيها الصين صعوداً هائلاً خلال السبعين عاماً الماضية قد انتهت الآن، مع أنّ توقعات الإكونوميست السابقة تشير إلى أنّ الناتج المحلي الإجمالي للصين سيتفوق على الولايات المتحدة في منتصف القرن الحادي والعشرين، وسيحتل مكانة رائدة وسط الاقتصادات العالمية. ومع ذلك، يقول التقرير إنّ هناك عوامل ستؤدي إلى الضعف في النمو الاقتصادي، وتغيرات في الهيكل الديموغرافي، ممّا «يبرر» تراجع التوقعات المستقبلية للصين.

ترجمة: قاسيون

في الواقع، أول رد فعل ينتاب القارئ عند قراءة هذه النقاشات هو الضحك، لأنها ليست سوى استمرار لسجل «ذي إكونوميست» في توقعاتها المخطئة بشأن الصين على مدى العقود الماضية. من المهم أيضاً التفكير في مدى انتقائية «ذي إكونوميست» في توقعاتها المخطئة حول الصين، وإذا ما كانت هذه الاختيارية مبنية على الجهل أو الغطرسة. لكن لماذا لا تعترف المجلّة التي يفترض بأنّها أبرز من يعبّر عن رأس المال المالي العالمي، والبريطاني خصوصاً، بسجلها السيء، وتستمر في التنبؤ بمصير الصين؟ ولا ينطبق هذا الأمر فقط على «ذي إكونوميست»، بل أيضاً على العديد من النشرات الغربية الأخرى التي تقدم تصوراً مشابهاً.
ربّما أهمّ ما سنركّز عليه في سياق مناقشة قضية «الصين تقترب من الذروة»، هو العمالة، كونها أحد المحاور الرئيسية لهذه النقاشات. تُظهر البيانات المرتبطة بالقوة العاملة- وهي أحد أساسات التنبؤ- خطأً حسابياً أساسياً لعدم التمييز بين «جودة العمالة»: مستوى تعليم العمالة وتدريبها و«كمية العمالة: ساعات العمل».
حتى الأشخاص غير المتخصصين في الاقتصاد سيفهمون بسهولة هذا الخطأ الذي يمكن إدراكه عبر ضرب مثال: القوة العاملة في كوريا الجنوبية– اخترتُ المثال من كوريا الجنوبية لأنّ لديها أفضل نظام تعليمٍ عالٍ في العالم حالياً. في عام 1945، عاش 85٪ من السكان في الريف، وكان معدل الأمية 88٪. اليوم، يعيش 85٪ من السكان في المدن، ومعدل الالتحاق بالتعليم العالي يساوي الآن نسبة السكان في فئة العمر ذات الصلة. تمرّ الصين بتطور تاريخي مماثل، حيث كانت تغطي الريف أغلبية البلاد، وفي عام 2021 وصلت نسبة التمدن إلى 65٪، ومن المتوقع أن تصل نسبة الالتحاق بالتعليم العالي إلى 60٪ بحلول عام 2022.
في عام 2022، تبين أن قيمة العمل المضافة في كوريا الجنوبية «والتي قد تكون في ساعة عمل خريج الدكتوراه في الهندسة أو علوم الكمبيوتر» تتجاوز بكثير القيمة التي تم إنتاجها في ساعة العمل الواحدة من قبل الفلاح غير المتعلّم في عام 1945. بالمثل، مع زيادة مستوى التعليم والتدريب في الصين، حتى عندما ينخفض إجمالي ساعات العمل «كمية العمل»، فإنّ الاستثمار في التدريب والتعليم «جودة العمل» سيزيد.
وهذا هو بالضبط ما حدث في الصين من عام 2011 إلى 2021. كما تُظهر البيانات التجريبية، فقد انخفض إجمالي ساعات العمل «كمية العمل»، مما أدى إلى انخفاض نسبة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4٪. ومع ذلك، تعززت المساهمة في جودة العمل «التدريب والتعليم الأفضل»، مما أدى إلى زيادة نسبة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4٪. بالتالي، فإن التغيير الفعلي في إجمالي القوة العاملة هو صفر. «علينا تذكر أنّه من وجهة نظر المتخصصين، كان استنتاج نمو الاقتصاد الأولي لـ سولو نظرية خاطئة في حسابات النمو، وقد تم استبدالها بأسلوب حسابات النمو الحديثة. وإذا لم تكن متخصصاً في مجال الاقتصاد، فما عليك سوى فهم أن هناك فارقاً كبيراً في القيمة المنتجة في ساعة العمل بين الأمي وحامل الدكتوراه الهندسية».

خطأ آخر مقصود

لكن حتى إذا تجاوزنا هذا الفرق الأساسي، فحالة العمالة في الصين في الواقع ليست بهذه السوء كما يروج تقرير «الصين تقترب من الذروة». على سبيل المثال: ما يقرب من ربع السكان لا يزالون يعيشون في الريف- وسيتحول عدد كبير منهم إلى المدن في العقود القادمة، مما سيؤدي إلى زيادة في الإنتاجية. في الوقت الحالي، يبلغ سن التقاعد في الصين 60 عاماً للرجال و50-55 عاماً للنساء، وهو رقم منخفض بالمقارنة مع المعايير الدولية. مع تزايد العمر المتوقع في الصين بشكل كبير، إذا تم زيادة سن التقاعد في المستقبل، فسوف يزيد عدد ساعات العمل المتاحة.
باختصار، ارتكب هؤلاء الأشخاص خطأً أساسياً- عدم تمييزهم بين «كمية العمل» و«جودة العمل»- لأنهم لم يأخذوا في الاعتبار آثار نقل القوة العاملة من الريف إلى المدينة، ولم يلاحظوا أن سن التقاعد المنخفض جداً في الصين سيزداد بالتأكيد مع زيادة العمر المتوقع. وبالتالي، فإن تصريحات «الصين تقترب من الذروة» بشأن انخفاض العمالة تم تضخيمها بشكل كبير حتى في سياقها الخاص.
ومع ذلك، في الواقع، حتى مع تلك المشاكل الثانوية، فإن النقطة الأساسية التي قدمناها في تحليلنا لتغيرات سكان الصين، ونمو الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 1978 هي أن متوسط نمو السكان في الصين كان 0.9٪ سنوياً، في حين بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي 9.0٪. وبالتالي، 8.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي 90٪ من النمو، لا يمكن شرحه بتغيرات السكان. هذا يشير إلى أن الزيادة في القوة العاملة لم يكن لها تأثير كبير على نمو الاقتصاد الصيني.
وعند تحليل هذه النقطة بتفصيل، فإنه من الضروري أن نلاحظ أن مساهمة «جودة العمل: التعليم والتدريب» تعد العنصر الأساسي الذي يحد من تأثير «كمية العمل: عدد ساعات العمل» على النمو الاقتصادي. على الرغم من زيادة العمالة في الصين، فإن التركيز على تعزيز جودة العمل سيسهم في تحسين الإنتاجية، وتعزيز التنمية الاقتصادية بشكل أكبر.
من الواضح، أن الحكومة الصينية تدرك هذه التحديات وتعمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل معها. تشمل هذه الإجراءات تعزيز الابتكار، وتحسين بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز التعليم والتدريب المهني، وتحسين السياسات الاجتماعية والتأمين الصحي. إن هذه الجهود المبذولة ستسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، وتعزيز جودة العمل في الصين.
في المحصلة، علينا أن نتذكر، أن افتراض أنّ «الصين تقترب من الذروة» ليست قضية بسيطة يمكن تلخيصها في أرقام وإحصائيات. إنها عملية تاريخية معقدة تشمل العديد من العوامل المتداخلة. على الرغم من التحديات التي قد تواجهها الصين في مجال العمالة والتوظيف، فإنها تمتلك قوة عاملة شابة ومؤهلة، وتستثمر بشكل متزايد في التعليم والتدريب. وهذا يشكل قاعدة قوية لاستدامة نموها الاقتصادي، وتحقيق التنمية المستدامة في المستقبل.
في الختام، يمكننا أن نقول بثقة إن الكلام عن أنّ «الصين تقترب من الذروة» مجرّد عنوان صحفي جذاب، وأنّ واقعية مثل هذا الافتراض تستند إلى تحولات هيكلية وتغيرات في العمالة وجودة العمل. إن الصين تواجه تحديات وفرصاً عديدة في الفترة المقبلة، ومع التركيز الصحيح على تطوير جودة العمل وتعزيز الابتكار، يمكن للبلاد أن تواصل نموها الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة لفترة طويلة قادمة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1123
آخر تعديل على السبت, 06 كانون2/يناير 2024 13:49