_
محمود الشريف محمود الشريف

المجمع الصناعي العسكري آثار في السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية

أنفق العالم على القطاع العسكري ما يقارب 1.82 تريليون دولار في عام 2018 متوسعاً بنسبة 5.4% عن عام 2009, نصف هذا التوسع جرى خلال عام واحد بين 2017-2018. ولكن يمكن القول إن الألفية الجديدة عموماً هي مرحلة توسّع هامة للإنفاق العسكري العالمي، إذ ازداد بنسبة 76% عن مستويات نهاية الحرب الباردة في 1998.

60% إنفاق خمس دول

يتمركز توزع هذا الإنفاق عالمياً ليتصدره منتجون ومستهلكون أساسيون عبر العالم, من أصل 1.82 تريليون دولار إنفاق عسكري هنالك 1,47 تريليون لدى 15 دولة عبر العالم, ومن بينها أكبر خمس دول أنفقت تريليون دولار في 2018 هي: الولايات المتحدة, الصين, السعودية, الهند وفرنسا، والتي تشكل نسبة 60% من الإنفاق العالمي.
وبينما تشكل دول حلف شمال الأطلسي أكثر من نصف الإنفاق العالمي العسكري في 2018، تتصدرها الولايات المتحدة.
تختلف طبيعة الإنفاق العسكري بين الدول، فمنها من ينفق استثمارياً على إنتاج السلاح، ومنها من يستخدم إنفاقه العام لاستيراد الأسلحة من الخارج.
وضمن المنتجين هنالك من ينتج عبر شركات الدولة، ومن ينتج عبر شركات السلاح الخاصة الكبرى، وهو النموذج القائم في الولايات المتحدة.

الولايات المتحدة المنتج الأكبر

تنفق الولايات المتحدة في ميزانية وزارة الدفاع نسبة 35% من الإنفاق العسكري العالمي، ومبلغ 649 مليار دولار في 2018، بفارق كبير عن الإنفاق العسكري للدول التي تليها: ثلاثة أضعاف إنفاق الصين وهي الدولة الثانية عالمياً، وما يعادل مجموع ما أنفقته الدول الثماني الكبرى التالية في قائمة الإنفاق العسكري: (الصين, والسعودية, والهند, وفرنسا وروسيا وبريطانيا وألمانيا, واليابان).
هذه المخصصات الأمريكية من الإنفاق العام على الدفاع، تستخدم عملياً في تمويل الإنتاج العسكري الأمريكي، وهو الأضخم عالمياً أيضاً. وتؤخذ مبيعات شركات الأسلحة الأمريكية كمؤشر على وزن الإنتاج الأمريكي العالمي للسلاح. حيث إن مبيعات الشركات الأمريكية من السلاح وصلت إلى 226 مليار دولار من مبيعات السلاح العالمي ونسبة 57% من المبيعات العالمية. كما أن 42 شركة من ضمن أكبر 100 شركة سلاح عالمية، هي شركات أمريكية (بالإضافة إلى 24 شركة لدول أوروبا الغربية).
تتميز صناعة السلاح الأمريكية، بأنها صناعة مملوكة للقطاع الخاص، وليست للدولة، وهذه السمة تعود إلى عشية الحرب العالمية الثانية، حيث كان للدولة الأمريكية قبلها وزن في هذه الصناعة... كما أنها صناعة متمركزة إلى حد كبير، حيث عدد قليل من الشركات يتحكم بالكم الأكبر من الإنتاج وبالتالي المبيعات، ويظهر هذا من ترتيب ثلاث شركات أمريكية على رأس قائمة أعلى 13 شركة سلاح مبيع عالمياً، ومبيعات الشركة الأولى لوكهيد مارتن كورب ضعف مبيعات الشركة الأمريكية الثانية بوينغ.
إن الوزن الكبير لشركات صناعة السلاح الأمريكية الخاصة، أنتج عملياً ما يسمى المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وهو تحالف محوره شركات صناعة السلاح الخاصة، ويعتمد على نفوذه السياسي عبر ارتباطه ببنى الدولة الأمريكية الأساسية عبر البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية)، التي تتسلح من هذه الشركات وتنفق جزءاً كبيراً من مخصصات الإنفاق الدفاعي الأمريكي على منتجاتها.
لهذا المجمع الصناعي العسكري، وزن سياسي تمتد تأثيراته على السياسة العامة الأمريكية داخلياً وخارجياً، عبر المخصصات الكبرى من المال العام للإنفاق على الدفاع، والمقتطع من المال العام الأمريكي، مقابل تقليص الإنفاق العام على الجوانب الأخرى مثل التعليم والصحة والبنى التحتية وغيرها. كما أن وزنه السياسي يمتد ليؤثر كذلك على طابع السياسة الخارجية الأمريكية، ليشكل «لوبي» حربي له مصلحة في تحقيق مبيعات من تسعير الفوضى في مناطق النزاع العالمية.

«عبء السلاح» في الشرق الأوسط

وتظهر هذه التأثيرات في السياسة الخارجية الأمريكية والعلاقة مع الدول الأعلى استيراداً للسلاح عالمياً. حيث تشكل دول منطقة «الشرق الأوسط» أعلى مستويات في مؤشر «عبء السلاح» أي نسبة مخصصات الإنفاق الدفاعي بالمقارنة مع الناتج. وفي هذا المؤشر تسجل منطقتنا 6 دول من أصل أكبر عشرة منفقين من بينها دول الخليج بالدرجة الأولى: فالإنفاق العسكري يشكل نسبة 8.8% من الناتج السعودي, وكذلك 8.2% من الناتج العُماني على السلاح, 5.1% من الناتج الكويتي, حتى لبنان نسبة 5% من الناتج, والأردن 4.7%, بالإضافة إلى دولة الاحتلال 4.3%.
وتعتبر سياسة الإنفاق العسكري في دول الخليج, استكمالاً لمنظومة البترودولار بإنفاق عوائد النفط في الاقتصاد الأمريكي وعلى شراء الأسلحة.
حيث لا يمكن فصل أثر الدور السياسي- الاقتصادي للمجمع الصناعي العسكري في تسعير الصراع السياسي والعسكري في منطقتنا، والسياسات الخارجية للدول المرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية في الخليج وغيره.

من تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام 2019- military expenditure database SIPRI-.

صناعة السلاح الأمريكية العائدة لشركات السلاح الكبرى الخاصة، بتحالفها العميق مع وزارة الدفاع الأمريكية، تصنع تأثيراً كبيراً في السياسات الأمريكية الداخلية التي تضع الإنفاق العسكري أولوية على حسابات أولويات إنفاق المال العام الأخرى وتسعّر التناقضات في الداخل الأمريكي، وكذلك الأمر في السياسة الخارجية الأمريكية حيث ترتبط مصالح مبيعات شركات السلاح الكبرى الخاصة بسياسة تسعير المعارك والنزاعات عبر العالم، وفي منطقتنا على وجه الخصوص. إن نموذج الإنفاق العسكري الأمريكي يقابله نماذج إنفاق عسكري أخرى هامة كما في الحالة الصينية التي تنفق على قطاعها الدفاعي 18% من الإنفاق العالمي، ولكن عبر شركات مملوكة للدولة، ولغايات الردع والدفاع وليس البيع العالمي... وروسيا كذلك الأمر فعلى الرغم من دخول واحدة من شركاتها إلى قائمة الشركات الـ 13 الأعلى مبيعاً عالمياً في عام 2017، إلا أنها شركة مملوكة للدولة، ومبيعات الشركات الأمريكية في القائمة 16 ضعف مبيعاتها...

معلومات إضافية

العدد رقم:
933
آخر تعديل على الإثنين, 30 أيلول/سبتمبر 2019 14:33