_
الصين 20 معياراً لتوسيع الاستهلاك المحلي

الصين 20 معياراً لتوسيع الاستهلاك المحلي

يطرق التراجع الاقتصادي العالمي أبواب الاقتصاديات العالمية، وحتى الأكثر ديناميكية منها، مثل: الاقتصاد الصيني والألماني الاقتصاديات المحورية في التصدير العالمي، ولكن الصين بحوالي 1,4 مليار إنسان تبدو أكثر ديناميكية في التعامل مع تراجع التجارة العالمية بالاعتماد على توسيع الاستهلاك المحلي الصيني، الذي يتسارع لتصبح الصين أكبر سوق مبيعات تجزئة في العالم.

أصدر مجلس الدولة الصيني 20 معياراً جديداً لتوسيع الاستهلاك المحلي، تضمنت اتجاهات تفصيلية في السياسة الاقتصادية تهدف لتسريع دوران رأس المال، وتطوير قطاع التوزيع في الصين ليرفد الاستهلاك المحلي مقدّرات الإنتاج الصينية الكبرى، التي لن تستطيع أن تعتمد في توسعها على التجارة العالمية المتراجعة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية، والحرب التجارية كجزء منها. وتقوم هذه المعايير على فكرة أساسية: توسيع نوعي للاستهلاك المحلي، يتواكب مع مستوى الابتكار التكنولوجي الصيني الاستثنائي منذ ما بعد أزمة عام 2009.

خلاصات من معايير تحفيز الاستهلاك

تربط السياسة الصينية رفع المستوى الاستهلاكي، بتغير نمط الأعمال المعتمد على تطبيقات التقنيات العالية، والبيانات الضخمة، والشبكات الخليوية، والتي ستؤدي إلى تفعيل منصات أعمال جديدة ستنبت بناء على التقدم التقني الحاصل، (قطاع التوزيع وشركاته عليها أن تدخل عالم الابتكار أيضاً، وعلى الأعمال التي لم تدخل عالم الإنترنت أن تتقدم إلى فلسفة أعمال جديدة بناء على التكنولوجيا والتصميم) وفق ما جاء في بيان مجلس الدولة.
يتحدث البيان عن تطوير مناطق التجارة التقليدية عبر دعم الحكومات المركزية بمشاريع البنى التحتية والمواصلات والمنصات المعرفية وأنظمة الإقراض، وأتمتة أعمال الخدمات.
يربط البيان عملية تسريع دوران رأس المال بالربط السريع بين مناطق البلاد، وتطوير مناطق الربط الضعيفة. مثلاً: (تطوير منظومة دوران الأموال والتوزيع في الريف بكفاءة أعلى عبر توسيع ربطها الإلكتروني وتسويق البضائع الزراعية إلكترونياً، لتصل للأسواق المدنية بمستوى أوسع ومساعدة حكومية). كما يركز البيان على إنهاء عزلة البضائع عالية الجودة المعدّة للتصدير، وإدخالها للسوق المحلية (ليتم توسيع تلبية الطلب المحلي على سلع التصدير المميزة والمنتجة في المناطق الجمركية الخاصة، بحيث يسمح بتوسيع منصات خدمات البيع المحلي في هذه المناطق... ووضع معايير جودة مشتركة للبضائع المصدّرة والمستوردة).
جوانب إجرائية أخرى لتوسيع إمكانات الاستهلاك ترتبط بتقليص القيود على شراء السيارات، وتوسيع الأسواق الليلية العاملة على مدار الساعة، عبر توسيع الاستهلاك في الأعطال).
إضافة إلى ذلك فإن السياسات الاقتصادية الصينية لتحفيز الاستهلاك، ستعتمد على دعم قطاع التوزيع، عبر تخفيض تكاليفه بأن يتم توحيد أسعار الطاقة للصناعة والتجارة، وتحفيز شركات التوزيع للدخول في عمليات البحث والتطوير والابتكار، ودعم مطوري معدات التوزيع اللوجستية بشكل قوي، كما يتم التركيز على تسريع تزويد الأسواق بالطاقة كجزء من تسريع عمليات التداول. وتحفيز سوق الماركات المحلية، ودعم شعبيتها بالشكل الذي يدعم التحديث الصناعي.

دعم الاستهلاك بمحاربة الفقر وزيادة الأجور

يشكل الاستهلاك نسبة 60,1% من الناتج المحلي الإجمالي الصيني، وقد انتقلت الصين لتتجاوز الولايات المتحدة كأكبر سوق لمبيعات التجزئة في العالم، لينمو استهلاك التجزئة الصيني بنسبة 7,5% هذه السنة، ويصل إلى 5,64 تريليون دولار، بالمقارنة مع 5,53 تريليون مبيعات تجزئة في الولايات المتحدة.
إن توسّع قدرات الاستهلاك المحلي الصيني، ترتبط إلى حد بعيد بأهداف تجاوز الفقر في البلد ذي المليار وقرابة نصف إنسان. فالصين عملياً أخرجت 740 مليون من سكان الريف من تحت خط الفقر بين مطلع الثمانينات ونهاية عام 2017، حيث تبقى ضمن هدف مواجهة الفقر 30 مليون مواطن. وبين عامي 2014-2017 تسارعت هذه العملية وأصبحت الصين تُخرج 13 مليون سنوياً من الفقر. والخروج من الفقر يعني رفع مستوى المعيشة وإتاحة المزيد من الدخل لتأمين الحاجات، والاستهلاك.
وعدا عن محاربة الفقر، التي تركز على الفقر الريفي، فإن ارتفاع الأجور الحقيقية في الصين هو دعامة أساسية لارتفاع مقدارت الاستهلاك وإمكانية الاعتماد عليه، فخلال عشرين عاماً ماضية تضاعفت الأجور الحقيقية للعمال الصينيين بنسبة 400%، وأصبحت الأجور قادرة على شراء أربعة أضعاف البضائع التي كانت تشتريها في عام 2000.

الأزمات كفرصة

الحرب التجارية العالمية كتجلٍّ للأزمة الاقتصادية العالمية، تحمل آثارها على الجميع، والصين ليست في منأى وإن كانت بوضع أفضل، فعملياً تراجع نمو الاقتصاد الصيني في النصف الأول من العام الحالي إلى 6,2% من مستوى 6,4%. ولكن بالمقارنة مع اقتصاديات عالمية أخرى تعتمد على التصدير كالاقتصاد الألماني، فإنه قد وصل إلى عتبة التراجع المطلق، ولم ينمُ، وانخفضت مؤشرات التشغيل بشكل شهري في العام الحالي. إنّ اشتداد الأزمات يفتح الباب نحو التغيرات الكبرى في بنية المنظومة وطرق تحفيز النمو فيها، وإن كانت الصين قد اعتمدت منذ الثمانينات على الانفتاح الاقتصادي وعلى تحويل اقتصادها إلى مصنع تصديري للعالم، معتمدة على انخفاض الأجور... فإن هذه المرحلة قد انتهت منذ ما بعد الأزمة المالية العالمية 2008-2009، وانطلقت الصين لتستفيد من الفوائض المتشكلة في المرحلة السابقة وترفع مستواها التكنولوجي التقني، وحصتها من التجارة والاستثمار العالمي، وترفع مستوى التنمية والاعتماد على الطلب المحلي للشعب الصيني. ومع كل تفاعل واشتداد للأزمة ستسير هذه العمليات خطوات أعمق للأمام.
يذكر الاقتصاديون الصينيون في توصيفهم للمبادئ الثمانية للاقتصاد السياسي للصين، أن للخطط الصينية هدفاً واضح المعالم بتطوير القوى المنتجة، أساسه في جانبين مترابطين: الاستمرارية القائمة على العلوم والتكنولوجيا أولاً، وتوجيه الإنتاج لتطوير مستوى المعيشة والاستهلاك المحلي، بما فيها توزيع الثروة والدخل، وتصحيح نسبة الأجور من الناتج التي انخفضت في الصين من حدود 50% إلى قرابة 40% خلال مرحلة الانفتاح. في قلب هذه العملية يأتي التركيز الصيني على قطاع الاستهلاك مدعوماً بمقولة أن يتحول الإنتاج، وإنتاج القيمة الزائدة تحديداً (الربح) في المجتمع الصيني إلى تلبية حاجات المجتمع، وليس العكس، وفي هذا طريق السير نحو الاشتراكية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
929
آخر تعديل على الإثنين, 02 أيلول/سبتمبر 2019 12:23