_
نحن نتلاعب بك... وبشكل علمي منهجي!
عيب «الاستدلال المتاح» يصف نزعتنا للتفكير باحتمالية حدوث شيء بشكل أكبر إن أنيط إدراكنا لوجود هذا الشيء بسبب طارئ أو عارض
عروة درويـش عروة درويـش

نحن نتلاعب بك... وبشكل علمي منهجي!

نعيش في عصرٍ أصبحت فيه العلوم السلوكية أمراً لا مفرّ منه. يتمّ توظيف نتائج علم النفس الاجتماعي والاقتصاد السلوكي لتقرير الأخبار التي نقرأها والبضائع التي نشتريها والفضاءات الثقافية والفكرية التي نعيشها والشبكات الإنسانية، سواء على الإنترنت أو في الحياة الواقعية، التي نكون جزءاً منها. مجالات المجتمعات الإنسانيّة التي قادتها فيما مضى العادة والتقليد، أو العفوية والهوى، هي الآن نتاج ما تمّت صياغته وفقاً لنظريات العقل البشري والوجود الإنساني.

لا تحاكي التقنيات التي تستخدمها الحكومات والشركات الخاصّة المنطق لدينا، فهي لا تسعى لإقناعنا بشكل واعٍ بالمعلومات والجدالات. تقوم هذه التقنيات عوضاً عن ذلك بتغيير سلوكنا عن طريق محاكاة دوافعنا ما دون العقلانية وشحذ عواطفنا وانحيازنا غير الواعي. إن كان بإمكان علماء النفس أن يفهموا بشكل منهجي هذه الدوافع دون العقلانية، فسيملكون القدرة على التأثير على أصغر جوانب حياتنا وعلى أكبر جوانب مجتمعاتنا.
إنّ اكتشافات «دانييل كانمان» و«أموس تفيرسكي»، وهما عالما النفس الشريكين اللذين أسست أعمالهما لعلم سلوك جديد، هي من أوائل النتائج التي بيّنت قدرتنا على فهم اللا عقلانية البشرية بشكل منهجي. فكما يدّعيان، عندما يخطئ تفكيرنا فهو يقوم بذلك بشكل يمكن توقعه. يخبرنا كانمان أنّه وبفضل النتائج المضادّة للحدس المتنوعة، والتي وصل إليها من الدراسات التي أجراها مع وزميله: «نحن نفهم الاندهاش الآن، كما نفهم عيوب الفكر الحدسي».
قدّم كانمان نموذجه الجديد عن العقل للقرّاء في كتابه «التفكير، سريع وبطيء» عام 2011. حيث وصف العقل البشري بأنّه عملية مترابطة لنظامين من التفكير. النظام الأول: وهو السريع والأوتوماتيكي، ويشتمل على الغريزة والعواطف والمهارات الفطرية التي نتشاركها مع الحيوانات بالإضافة للروابط والمهارات التي نتعلمها. النظام الثاني: وهو البطيء والمتأن والذي يسمح لنا بتصحيح الأخطاء التي يرتكبها النظام الأول.
لكنّ الاكتشاف الأكثر تأثيراً لهذين العالمين هو "نظرية الاحتمال"، حيث توفّر الأساس الأكثر أهمية لمنهج "الانحياز والاستدلال" في العلوم السلوكية الجديدة. فقد راقبا الطريقة التي يتخذ بها الناس قراراتهم في ظروف عدم اليقين، واكتشفوا بأنّ الناس يخالفون في سلوكهم نظرية المنفعة المتوقعة، وهي افتراض جوهري في نظرية المنفعة الاقتصادية التي تصرّ على أنّ سبب اتخاذ الناس لقراراتهم هو زيادة مكاسبهم إلى أقصى حد. لقد أدرك كانمان وتفيرسكي أنّ الذي يحدث ليس سلسلة من الأخطاء العشوائية التي يرتكبها الناس في معرض سعيهم لتحقيق النفع، بل حددوا عدداً كبيراً من «الخروقات المنهجية في البداهة المنطقية في الاختيار بين الرهانات». يمكن من خلال هذه الأخطاء المنهجية توقّع اللاعقلانية البشرية.
أسفرت هذه الأبحاث عن «الاستدلال»، أو «قواعد التصفّح»، والتي باتت تستخدم الآن ككلمات تختزل عيوب محددة في التفكير الحدسي. يبدو أن بعض هذه العيوب مرتبطة مع بعضها بأساساتٍ عاطفية مشتركة: ترتبط جميع العيوب، مثل «تأثير الموهبة – وهي المبالغة في تقدير ما لدينا» و «تحيّز الوضع الراهن – وهي تفضيل عاطفي للإبقاء على الوضع الراهن» و «مقت الخسارة – وهي النزعة إلى منح الخسائر المحتملة وزناً أكبر من المكاسب المحتملة عند تقييم المخاطر»، بالنزعة المحافظة الفطرية لدينا، والتي تظهر في شعورنا حيال تقاليدنا التي اعتمدناها بالفعل.
يمكننا بسهولة أن ندرك وجود الكثير من هذه الاستدلالات في أنفسنا. فعيب «الاستدلال المتاح» يصف نزعتنا للتفكير باحتمالية حدوث شيء بشكل أكبر إن أنيط إدراكنا لوجود هذا الشيء بسبب طارئ أو عارض. مثال: يصبح الخوف من الموت في حادث إرهابي بعد وقوع حادث إرهابي كبير غير متناسب مع احتمالية حدوثه بالمقارنة مع حوادث السيارات أو أيّ من أسباب الوفاة الأخرى التي لا تُعرض على شاشات التلفاز ليل نهار.
لكن يرى بعض علماء النفس الآخرين بأنّه وعلى الرغم من وجود هذه العيوب، فإنّ السعي المستمرّ للمعرفة ولإدراكها يسمحان لنا بتصحيح هذه العيوب بما يخدم الرفاه الإنساني. فمجال الاقتصاد السلوكي، ورائده «ريتشارد ثالر»، يتولى مهمة اكتشاف طريقة لتحويلنا إلى نسخٍ أفضل من أنفسنا. إن كان «الاستدلال المتاح» يشجّع الناس على انتظار وقوع أحداث غير محتملة، فيمكننا أن «نلكز» الناس بتذكيرهم بالنتائج السيئة الأكثر قابلية للحدوث بغية جعل أحكامهم أكثر تماشياً مع الواقع. أو إن كان عيب «تحيّز الوضع الراهن» يمنع الناس من القيام بتغييرات قد تنفعهم لأنّهم غير قادرين على تخيّل ما سيكون عليه المستقبل، كما في حالة صناديق التقاعد وتعويضات إصابات العمل، فيمكننا أن نعتمد خيارات أكثر فاعلية مثل إنشاء صناديق نسجلهم فيها بشكل تلقائي مع السماح لهم بالانسحاب بعد فترة معينة نقوم خلالها بحملات توعية ليدركوا فيها دوافع قراراتهم الآنية ومخاطرها.
أعاد كانمان في كتابه ذكر فكرة وردت في إحدى أوراقه البحثية مع تفيرسكي، وهي أننّا لسنا حكّام جيدين لرفاهنا الشخصي. فحدسنا غير مستقر ومتصارع، وقد نغالي في الحكم بشكل رجعي على تجربة عشناها في الماضي بأنّها أكثر إمتاعاً من حقيقة مشاعرنا الموضوعية حيالها في تلك الفترة. لقد ساعد كانمان على إنشاء مجال فرعي جديد هو علم نفس اللذة، والذي لا يقيس اللذّة وحسب، بل الرفاه بمعناه الأوسع، وذلك بهدف إنشاء وعي أكثر موضوعية لحالتنا من ردّ الفعل الذاتي الذي يعترينا.
لكن لإدراك هذه العيوب وتطبيقاتها، ومن بينها «اللكز»، وجهٌ آخر أكثر إفزاعاً، فهي تعطي السطوة لأصحاب الأجندات وتضعهم في موقع متقدم على الذين يريدون تمرير الأجندات عليهم. فعلى سبيل المثال: دعا «فرانك بابتسكي»، وهو مدير التحليل الاستخباراتي في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جميع ضبّاط المخابرات لقراءة كتاب كانمان. ويقول بأنّ استخدام علم السلوك من أجل الممارسات الخادعة هي جزء من وظيفة ضابط المخابرات.
ورغم أنّ بابتسكي يؤكد بأنّ الذي يحدد هذا الاستخدام هو القانون والأهداف الاستخباراتية التي تقررها حكومات منتخبة بشكل ديمقراطي، لكنّه بقوله هذا يظهر ضمنياً إمكانية استخدام أساليب التلاعب هذه من قبل أيّ شخصٍ يملك المعرفة والإمكانات اللازمة.
يكمن القلق الأعمق في إدعاء علماء السلوك بأنّهم طوروا القدرة على التلاعب بحياة الناس العاطفية بأساليب تشكّل رغبات الناس الأساسية وقيمهم ورغباتهم. ولأنّ تاريخ الشركات والمؤسسات المالية زاخر باللجوء إلى علم النفس وعلمائه من أجل تسويق بضائعهم والترويج لما يحقق لهم الربح دون مراعاة أيّ قواعد أخرى، فكان لا بدّ أن تجد هذه العلوم طريقها لخدمتهم. أعلن مؤسس موقع أمازون "جيف بيزوس" في رسالة إلى حاملي الأسهم عام 2015 بأنّ لدى البائعين في أمازون الأفضلية في مجال الأعمال لأنّه: «من خلال فريقنا للإشراف على المبيعات، نحن نخلق دفقاً مستمراً من آليات "اللكز" المؤتمتة (أكثر من 70 مليون نمطياً كلّ أسبوع)» مع وجود 70 مليون «لكزة»، يصعب علينا أن نتخيّل أنّ زبائن أمازون يملكون الحرية الكاملة في عكس تأثيراتها بشكل واعٍ وتغيير الاتجاه الذي تمّ لكزهم لينظروا إليه.
تبنّى فيسبوك أيضاً التبصّر السلوكي الذي تحدثنا عنه، وذلك بعد تلقيه لدعاية واسعة غير مرغوبة أثناء إجراء الأبحاث على برمجة ابتدائية. في عام 2012، قام فريق فيسبوك لعلوم البيانات الأساسية بالتعاون مع باحثين من جامعة كورنويل ومن جامعة كاليفورنيا، باختبار برمجة عاطفية ابتدائية، وذلك دون إعلام الـ 700 ألف مستخدم الذين كانوا يقومون بالاختبار، وذلك كي يروا إن كان التلاعب بتدفق الأخبار لديهم سوف يؤثّر بشكل إيجابي أو سلبي على ما ينشرونه. عندما ظهر الأمر عام 2014 تمّ النظر إليه عموماً على أنّه نوعٌ غير مقبول من التلاعب النفسي، لكنّ فيسبوك دافع عن البحث على أساس أن شروط استخدام الموقع التي وافق عليها المستخدمون تنصّ على الموافقة على إجراء مثل هذه الأبحاث.
أصبح "ناثان مايرفولد"، رئيس التقنيات السابق لدى مايكروسوف والذي حضر صفوف كانمان الرئيسة عام 2007، مستشاراً لدى شركة كانمان الاستشارية "تي.جي.جي غروب"، والتي يرأسها مدير «سيتي بنك» السابق "فيكرام باندت". تهدف هذه المجموعة وفقاً لما أتى في موقعها إلى: «تفكيك المعرفة المخفية في البيانات الكبرى... وتصميم هندسة الاختيار... والحد من ضوضاء صناعة القرار (أيّ إلغاء التناقضات الناجمة عن الأحكام الذاتية المتنازعة في المنظمات)» ورغم أنّ الموقع لا يذكر أسماء زبائن «تي.جي.جي»، إلّا أنّ بعض التقارير تحدثت أن «دويتشه بنك» هو أكبر عملائهم.
ولأنّه من المتوقع استخدام هذه التقنيات من قبل الحملات الانتخابية كي تحصد النجاح، ومن قبل الحكومات التي تريد تسويق برامجها، فقد أعلنت بعض الشركات مثل «سكل غروب» بأنّها تملك الأسلحة اللازمة للفوز بأيّ صراع إيديولوجي واسع النطاق. يمكننا أن نرى فيديو على الإنتـرنت (أنظر المرفقات في أسفل المقال) يظهر فيه «نايجل أواكس»، رئيس سكل غروب، وهو يقدم عرضاً لوزارة الدفاع الأمريكية بالنيابة عن «سكل للدفاع» إحدى شركاته الفرعية. أشار في تقديمه إلى أنّ المعلنين التقليديين الذين يخاطبون الأفراد ويستقطبون 0,6% من سوقهم يعتبرون ناجحين جداً. لكن هذا الأمر لا علاقة له بالتواصل مع المجموعات. فالتواصل الاستراتيجي يتطلّب أن يتمّ التواصل مع كامل المجموعة: «ليس هناك فائدة من أن يؤيدنا 0.6% من السوريين، أو أن يؤيّد 0.6% القاعدة... يجب أن نقنعهم جميعهم».
رغم حصول كانمان عام 2002 على جائزة نوبل عن أعماله مع تفيرسكي، وهي الأعمال التي شكّلت البداية فقط لعلم النفس السلوكي الذي أصبح أداة قويّة في عالم المال والأعمال والحكومات، فلا يزال هناك الكثير من المشاكل التي تنشأ جرّاء تعيين العيوب ومحاولة تصحيحها. فعلى سبيل المثال: عند اتهامنا سلوكاً معيناً بأنّ فيه عيب واقتراحنا تصحيحه، فكيف نتأكد أنّ الدافع لهذا السلوك ليس خلفية من المعتقدات المتشابكة التي تغطّي عيبه، كالإيمان بالحظ أو بالقدر أو بالمصير المحتوم إلخ؟
أخيراً، أظنّ بأننا نملك سبلاً نضمن فيها استخدام هذه المعرفة وتطبيقاتها لتحقيق الصالح العالم، وبأنّه يجب علينا كي لا نقع فريسة لأصحاب الأجندات أن نحاول تحقيق هذه السبل. علينا على الصعيد الفردي أن نتعلم ونطلع على هذه المعارف وتطبيقاتها بغية محاولة القيام بتصحيح ذاتي لسلوكنا، وعلينا كمجتمع أن نقوم بحملات لتعليم هذا الفرع من العلوم والتوعية بتطبيقاتها، وأن نستخدم تقنيات التصحيح مثل «اللكز» كي نلفت نظر أفراد المجموعة إلى العيوب الطبيعية في سلوكنا البشري.

آخر تعديل على السبت, 07 تشرين1/أكتوير 2017 16:43