الشاعر «الفيسبوكي».. والقصيدة «الستيتوس»

ليس نادراً أبداً، بينما تقلب في صفحتك الرئيسية على فيس بوك، أن تتعثر بحالة من طراز: (أحبك../ يا امرأة من فضة/ شعرك شلال/ وقلبي صخرة حزينة)...

 

ولعل عدد المرات التي تتعثر فيها يومياً، أنت وأنا والآخرون، بستيتوسات من الطراز نفسه، تسمح لنا بالقول أننا نعيش عصر فيض دافق من الإنتاج الشعري! وأما توصيف معدن ذلك العصر، أهو ذهبي أم فضي أم «تنكي»، فتلك مسألة أخرى.

الثابت في المسألة، ليس ثابتاً! فإن قلنا أنّ القسم الأكبر مما يلقى على صفحات التواصل الاجتماعي يومياً، من «قصائد شعرية»، لا يرقى إلى مستوى الشعر، ولا حتى إلى مستوى النثر المعافى من الأخطاء النحوية والإملائية والتحريرية... فمن أنا ومن أنت لنحكم بذلك؟ وما هو المعيار؟

قبل كل شيء، هل تستحق الظاهرة الدراسة حقاً؟ نعتقد أنْ نعم بكل تأكيد! وهنا نضع نقاطاً ثلاثاً، قد تنفع في بعضها تفسيراً أولياً لزعمنا أن الظاهرة تستحق الدراسة، وفي جملتها مداخل لأبحاث أوسع وأشمل:

المنبر

إنّ المنبر واحد من كلمات السر الأساسية في هذه الظاهرة، رغم أنها كلمة مخادعة! قبل وسائل التواصل الاجتماعي لم يكن من السهل إطلاقاً، لمن يفترض في نفسه شاعراً، سواء محقاً كان أم واهماً، أن يعتلي منبراً -وإن متواضعاً- ليضع نتاجه بين يدي الجمهور، حتى وإن كان ذلك المنبر مجلة حائط في مكان ما، أو مركزاً ثقافياً يحضر أمسياته عشرة أشخاص أو أقل، فما بالك بالنشر ضمن مجلة مختصة، أو عبر دار نشر، أو الظهور عبر التلفاز... ذلكم حلم أكبر من أن يراود الكثيرين! فاعتلاء منبر ليس بالشأن الهيّن مطلقاً، فلاعتلائه لابد من جوازات مرور متعددة، بينها المعايير النقدية التي سنقف عندها تالياً، ولكن بينها أيضاً الموقف السياسي والوساطة والمحسوبية وإلخ.

مع وسائل التواصل الاجتماعي، بات بإمكان أي فرد كان أن يطل على «جمهوره» عبر صفحته الشخصية- منبره. ولكن كما أسلفنا، فإنّ المنبر إياه مخادع، ففي حين يجري تقديم فيس بوك بوصفه فضاء مفتوحاً، فإنّ الحقيقة أنّه مجموعة ضخمة من الفضاءات الصغيرة المعزولة بعضها عن بعض، والتي يحتاج التنقل بينها إلى جوازات مرور من أنواع أخرى، وهي ليست بيد «النقاد التقليديين»، وإنما بيد شركة فيس بوك نفسها، والصفحات الكبرى التي تلعب دور «التعاقد من الباطن» Subcontractors، وهذه وتلك لا تروج الشعر بوصفه شعراً، بل بوصفه أحد بضائع فضاء التواصل، ولذا فإنّ المعايير المطبقة عليه لا علاقة لها بالشعرية مطلقاً.. وقد يقول قائل أنّ الشعر الجيد يمكن له أن يخترق الحدود؛ يؤسفنا القول، ولكن ينبغي القول، أنّ ذلك وهم.

النقد

إنّ النتيجة المباشرة لتغيّر طبيعة المنبر وطبيعة الجمهور، هي تغير طبيعة النقد ومعاييره؛ فإن كان وضع تأشيرة المرور لاسم من الأسماء فيما مضى، تتولاه «نخب» محددة ثقافية وسياسية ومالية ومؤسسية، وإن كانت هذه «الحصرية» مليئة بالعيوب والثغرات والظلم في كثير من الأحيان، فإنّ لها أيضاً إيجابياتها! وعلى رأس تلك الإيجابيات، وجود مؤسسة نقدية بمعايير على درجة ما من الوضوح ومن التخصص، وذلك رغم تناقضاتها الداخلية التي تفيد في جزء منها عملية تطور النقد نفسه. بمقابل ذلك فإنّ النقد اليوم، وفي فضاء فايس بوك، يأخذ أشكالاً أساسية بينها: اللايك والشير والتعليق!

اللحظة

 

إنّ اختصار الموضوع وتفسيره كنتاج لتحول تقني في طبيعة وسائل التواصل بين الناس، على الأهمية الكبرى لهذه المسألة، هو تفسير ناقص. إذ لا بد من إضافة عامل شديد الأهمية والتأثير، بل وعامل أساسي وجد في فايس بوك شكلاً لظهور مفاعيله، وإن لم يك هناك فايس بوك فإنّه كان سيجد له شكلاً آخر ليظهر... ما نتحدث عنه هو انهيار «النخب»بأنواعها كافة؛ فالعصر الذي نعيشه، عصر تحول كبير، تنهار فيه لا النخب السياسية فحسب، بل والثقافية والاجتماعية والعلمية وإلخ. النخب التي بان إفلاسها، وبانت غفلتها، في اللحظة ذاتها التي نزلت فيها «عامة الناس» إلى ساحة الفعل التاريخي. إنّ اللحظة إياها أفقدت هذه النخب، ومعاييرها النقدية تالياً، أي احترام أو رهبة حازتهما سابقاً، بل وفتحت الباب على عملية نسف وتحطيم واسعة النطاق... ولا شك أن المحافظين وخوافي التغيير يرهبون هذا التحطيم، ولكن الجذريين يعلمون أنّ المرحلة ليست إلّا نفياً سيعقبه نفي نفي... هي مرحلة مؤقتة يعاد خلالها تشكيل المعايير والمفاهيم الخاصة بالثقافة، بل وبالحياة ككل، لا بالشعر فقط...

تمت قرائته 1987 مرة