_
الذكاء الاصطناعي وعقل الإنسان

الذكاء الاصطناعي وعقل الإنسان

إنها على الأرجح «مخادعة» مثيرة وتتحدّى العقول، وهي أن الذكاء الاصطناعي الآن هو في كل مكان، لكن هل هناك ذكاء اصطناعي فعلياً؟

في اللحظة الحاضرة، الذكاء الاصطناعي في كل مكان، من آلات إعداد القهوة والــ «كابتشينو» ومروراً بالكومبيوتر والشبكات الرقمية والـ «درون» بأنواعها والمركبات الروبوتية على سطح المريخ، وليس انتهاءً بالـ «سوبر كومبيوتر» وأدوات المحاكاة الافتراضية وحوسبة السحاب والمدن الذكيّة وغيرها.

إذاً، ما هي المشكلة بالضبط؟

لنعد إلى السؤال. ولنبسطه أكثر عبر الإشارة إلى أن المعنى المقصود منه هو التالي: هل يستطيع الإنسان صنع آلات يكون لها «عقل» يفكر ويعقل ويتعلم ويدرك ويفهم ويستنتج ويبتكر و... و... و... غيرها، كأن لها عقل إنساني؟ ليس قليلاً مثلاً القول بأن جمعاً من المختصين بذكاء الآلات لا يقلقهم شيء قدر ذلك السؤال الأكثر تحدياً، ربما لأنه الأكثر بساطة، كالعادة في التفكير العلمي! صرف أحد الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي، هو العالِم الأميركي مارفن مينسكي، عمره في العمل على ذكاء الآلات. وقضى قبل سنوات قليلة، وهو يرفع الصوت مشيراً إلى أن ما ينجزه في الشركات الكبرى للمعلوماتية ومختبراتها [وكان هو من العاملين فيها] لا يحقّق الذكاء الاصطناعي فعليّاً.


وعلى رغم أن سينما هوليوود [خصوصاً في فيلم «إينغما»] قدّمت العالِم البريطاني الشهير آلان تورينغ (1912- 1954)، وهو المؤسس فعلياً للذكاء الاصطناعي، باعتباره من القائلين بأن ذكاء الآلات ليس بالضرورة أن يحاكي ذكاء البشر ويساويه، بل يكون ذكاءً من نوع خاص، إلا أن المهتمين بالذكاء الاصطناعي يعرفون أن تورينغ لم يكن كذلك أبداً، كما سيرد لاحقاً.

قبل الدخول إلى مزيد من الأسئلة والنقاش، تجدر الإشارة إلى أن السؤال السابق يضعنا أمام مفترق بين تيارين رئيسيين في الذكاء الاصطناعي. إذ إن هنالك من يرى أنه ليس أمراً ضرورياً أن تصل الآلات إلى ذكاء يساوي عقل الإنسان، بل يكون لها ذكاؤها الخاص بها. ومن ناحية ثانية، هناك من يصر على أن المسألة الأساسية في الذكاء الاصطناعي [ونقطة انطلاقه والمحك الفعلي للتطوّر فيه] هو في صنع آلات لها ذكاء البشر، وهم صُنّاع الحضارة على الأرض.

لنراقب الطفل والكلمات

إذاً، ربما يكون بديهياً القول أن الذكاء الاصطناعي لا يزال متصدراً نقاشات اللحظة الحاضرة، لأنه التحدي والعتبة والنقلة النوعية، المطلوبة لتحرير الآفاق أمام الثورة الصناعية الرابعة، وباعتبار أن المعلوماتية والاتصالات المتطورة هي مركز الثقل فعلياً فيها.

وقبل أيام قلائل، أجرت صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية، مقابلة مطوّلة عن ذكاء الآلات مع البروفسور ستانيسلاس ديهايين، وهو مختص في علوم الأعصاب وأستاذ كرسي في علم النفس المعرفي التجريبي في الـ «كوليج دي فرانس». وجاءت المقابلة بعيد صدور كتاب لديهايين عنوانه «الفهم!»، كان متمحوراً حول المقارنة بين عقل البشر والذكاء الاصطناعي. ويتضمن مراجعة تحليلية واسعة للتقنيات المتطورة التي يعمل عليها المختصون بذكاء الآلات، واستعراضاً واسعاً لما أنجزه العلماء في ذلك المجال.

ويمكن تلخيص وجهة نظر ذلك العالِم الفرنسي بأن عقل البشر لديه خصوصيّة يستحيل إعطائها إلى الآلات، وهي قدرته على الفهم، وهي قدرة أساسيّة فيه ولم يتوصل العلم حتى الآن لفهمها. ويعتبر أن القدرة على الفهم هو شيء مميز للجنس البشري، بل يميزه أيضاً عن أنواع الذكاء لدى الحيوانات والكائنات الحيّة. ويلفت ديهايين إلى أمر معروف تماماً عن البشر هو أنهم ما يتعلموا شيئاً، حتى يصبح ملكهم تماماً، فيتصرفوا فيه وينسجوا عليه ويبتكروا أشياء كثيرة لم يتعلموها عن ذلك الشيء.

وفي المقابلة مع «ليبراسيون»، ضرب العالِم الفرنسي مثلاً معروفاً تماماً، هو طريقة ظهور القدرات اللغوية عند الأطفال. «يكفي أن تعلّم الطفل كلمة ما [بتكرارها مرّات محدودة] حتى يأخذوا في استعمالها في تنويعات لا نهائية لم يجرِ تعليمها لهم أصلاً، بمعنى أنها من ابتكارهم. ولا تستطيع الآلات ولا الحيوانات فعل ذلك»، وفق كلمات ديهايين. واستطراداً، أشار ذلك العالِم إلى أن قدرة عقل الإنسان على ابتكار ما لم يتعلمه [استناداً إلى ما جرى تعريفه به] هو ما يميّز عقل البشر عن العقول كلها. وإذ شدّد على أن تلك القدرة الابتكارية الابداعية هي شيء أصيل في العقل البشري، بل يخلق معه، رأى استحالة في وصول الذكاء الاصطناعي إلى ذلك المستوى.

«لم نفهم كل تشعبات معنى «الفهم» في عقل الإنسان، على رغم أننا نعرف الكثير عنه، لكن العلم لم يصل إلى فهم عمقه... إنه شيء أصيل ومميّز لدى البشر... الأرجح أنه غير قابل للتقليد»، وفق خلاصة في المقابلة مع ديهايين.