_
البشر واختصاصهم بالأحمر والأخضر!
جيمس هايم جيمس هايم

البشر واختصاصهم بالأحمر والأخضر!

تعتمد معظم الثدييات على الروائح بدلاً من اعتمادها على الرؤية. لننظر إلى عيون الكلاب كمثال: توجد عادة على جانبي وجهها، وليست قريبة وأماميّة مثل التي على وجوهنا. العينان على الجانبان أمر جيد لخلق مجال رؤية واسع، لكنّها أمر سيء للإدراك العميق والحكم بدقّة على المسافات الأمامية. وتستعيض الكلاب والخيول والفئران والظباء في واقع الأمر، وكذلك معظم الثدييات، على أنوف طويلة رطبة يستخدمونها لتمييز الأشياء بالشم. والمختلفون عن بقيّة الثدييات هم القرود والثدييات ونحن البشر.

تعريب وإعداد: عروة درويش

ربّما يعود الأمر لكون الرئيسات، مع مرور الزمن، باتت تعتمد أكثر فأكثر على فترات النهار الأكثر نوراً، فتطورت بشكل ما لتعتمد أقل على الروائح وأكثر على الرؤية. لقد فقدنا أنوفنا الرطبة وخطمنا، وتحركت عينانا إلى مقدمة وجوهنا وبات أقرب إلى بعضها البعض، وهو الأمر الذي حسّن قدرتنا على الحكم على الأبعاد (فتطورت قدرتنا على التجسيم ثلاثي الأبعاد، أو الرؤية المنظاريّة). علاوة على ذلك، طوّرت نسانيس وقرود العالم القديم (وتدعى كاتارينس Catarrhines) رؤية ثلاثيّة الألوان: أي رؤية الأحمر والأخضر والأزرق. تملك معظم الثدييات نوعين مختلفين من مبصرات الألوان (مخاريط cones) في عيونها، وهو ما أدّى لخلق ثلاثة أنواع مختلفة من الجينات لرؤية الألوان. لكلّ منها الآن شيفرة لمبصرة يمكنها اكتشاف أطوال موجات مختلفة من النور: واحدة لموجات الضوء القصيرة (الأزرق) وواحدة لموجات الضوء المتوسطة (الأخضر) وأخرى لموجات الضوء الطويلة (الأحمر). وبهذا فقد تطورت عيون أسلافنا لتتوضع في القسم الأمامي من الوجه ولتميّز الألوان برؤية ثلاثيّة، ولم نتراجع عن ذلك أبداً.

الشكل (1): الحساسيّة الطيفيّة «spectral sensitivities» لمخاريط الألوان لنحل العسل:

الشكل (2): الحساسيّة الطيفيّة «spectral sensitivities» لمستشعر الألوان في كاميرا رقميّة:

تعمل الرؤية اللونية على التقاط الضوء بأطوال موجيّة متعددة، ثمّ المقارنة بينها لتحديد الأطوال الموجيّة التي تنعكس من أداة (اللون). سيقوم اللون الأزرق بالتحفيز الشديد لمستقبلات الأطوال الموجيّة القصيرة، بينما سيحفز بشكل ضعيف مستقبلات الأطوال الموجيّة الطويلة. وسيفعل اللون الأحمر عكس ذلك. عند إجراء المقارنة بين التحفيز النسبي لمستقبلات الأمواج القصيرة (الأزرق) والطويلة (الأحمر)، نصبح قادرين على التمييز بين الألوان.

ومن أجل أمثل التقاط للأطوال الموجيّة الضوئية، يجب أن تتوضع المخاريط بشكل متساوي عبر طيف الرؤية الضوئيّة بالنسبة للبشر، وهي 400 إلى 700 نانومتر. عندما ننظر إلى تموضع المخاريط لدى نحل العسل في الشكل (1)، وهي ثلاثيّة الألوان كذلك، يمكننا أن نرى بأنّ التباعد بينهما هو المشكلة. والأمر مشابه في مستشعرات الكاميرا الرقمية التي يجب أن تتموضع بشكل صحيح لالتقاط الألوان. حتّى أنّ التموضع الصحيح لهذا المخروط/المستشعر لأطوال الضوء الموجيّة المتاحة يرتبط بالتغطية اللونيّة الممتازة. لكن ليست هذه هي الطريقة التي تعمل بها رؤيتنا بالضبط.

الشكل (3): الحساسيّة الطيفيّة لمخاريط الألوان لدى البشر:

فرؤيتنا لا تملك هذا التموضع الطيفي كما يظهر في الشكل (3). لدى البشر وغيرها من الكاتارينس، فإنّ مخاريط الأخضر والأحمر متداخلة بشكل كبير. يعني هذا بأننا نمنح الأولويّة للتمييز بين عدّة أنواع من الألوان، وتحديداً بين الأحمر والأخضر، على حساب قدرتنا على رؤية أكبر عدد ممكن من الألوان. هذا أمر فريد. لماذا نمنح الأولويّة لتمييز الأحمر عن الأخضر؟

تمّ تقديم العديد من التفسيرات. ربّما أبسطها هو ما يدعوه البيولوجيون: «القيد التطوري». تطور كل: الجين المشفّر من أجل مستقبلات الأحمر لدينا، مع الجين المشفر من أجل مستقبلات الأخضر لدينا، عبر الاستنساخ الجيني. ومن المحتمل أنّ هذين الجينين كانا في الأصل متطابقين من ناحية حساسيتهما، وربّما لم يتسنى لهما الوقت الكافي، أو ما يكفي من الانتقائية التطورية، ليصبحا مختلفين.

يشدد تفسيرٌ آخر على ميزات ترتيب مخروط الأحمر-الأخضر القريب. فبما أنّها جيدة بشكل خاص في التمييز بين الألوان المائلة للحمرة عن تلك المائلة للخضرة، وبين الظلال المختلفة للوردي والأحمر، فربما نكون أفضل في تمييز الفواكه الناضجة التي تتغير ألوانها عادة ما بين الأخضر والأحمر والبرتقالي أثناء نضوجها. هناك أدلّة وافرة على كون هذا التأثير حقيقي، ويمكن تمييزه. إنّ البشر ثلاثيو الألوان أفضل بكثير من البشر ثنائيي اللون (يطلق هذا اللفظ عادة على الأفراد العميان للونين الأحمر والأخضر). والأهم من ذلك أنّ البشر ثلاثيو الألوان بشكل طبيعي هم أفضل بكثير في أداء مهمّة التمييز من الأفراد الذين تمّ تحفيزهم مخبرياً ليكونوا ثلاثيي الألوان. لدى قردة العالم الجديد، حيث هناك بعض الأفراد ثلاثيو الألوان وآخرون ثنائيو الألوان، فإنّ ثلاثيي الألوان بإمكانهم اكتشاف الفاكهة الناضجة بسرعة أكبر من ثنائيي الألوان، وذلك دون الحاجة لشمّها. وبما أنّ الفواكه جزء حاسم في النظام الغذائي لمعظم الرئيسات، فإنّ القدرة على اكتشافها هو ضغط انتقائي منطقي. وليس ذلك من أجل تطور ثلاثيي الألوان عموماً، بل كذلك من أجل تطورنا الفريد المحدد من بين ثلاثيي الألوان.

وهناك تفسير أخير يتعلق بالإشارة الاجتماعية. تستخدم العديد من الرئيسات الألوان المائلة إلى الحمرة بشكل محدد من أجل التواصل الاجتماعي، مثل الأنف الأحمر الساطع لقرد الميمون، والصدر المرقع بالأحمر لدى بابون أبو قلادة. وبنفس الطريقة فإنّ عواطف البشر تبدو من خلال تغيرات اللون في وجوههم بسبب مدى تدفق الدم، فنشحب عندما نكون قلقين أو مرضى، أو نحمرّ عندما نستحي ...الخ. ربما تكون مثل هذه الدلالات والإشارات منخرطة في تطور تموضع مخروطنا غير الاعتيادي.

قمت مع زميلي مؤخراً بتجريب هذه الافتراضات بشكل اختباري. أخذنا صوراً لإناث قرود الربص الهندي، والتي تحمرّ وجوهها عندما تكون مهتمة بالتزاوج. حضرنا اختبارات يُلاحظ فيها البشر زوجاً من الصور لذات الأنثى، واحدة عندما تكون الأنثى مستعدة للتزاوج، وأخرى عندما لا تكون كذلك. تمّ بعدها الطلب إلى المشاركين أن ينتقوا صورة المستعدة للتزاوج، لكننا عدلنا كيف تبدو الوجوه لهؤلاء المشاركين. شاهد المشتركون الملاحظون في بعض الحالات الصور الأصلية، لكنهم في بعضها الحالات الأخرى شاهدوا الصور التي أزلنا منها الألوان، من أجل محاكاة ما يمكن للمشاهد أن يراه مع نظام الإبصار الثنائي.

وعند مقارنة الأنواع المختلفة من مشاهدات ثلاثيي الألوان وثنائيي الألوان بهذه الطريقة، وجدنا بأنّ البشر أدّوا بشكل أفضل مع رؤية ثلاثيّة الألوان، وقد أدوا بشكل أفضل بكثير برؤيتهم الطبيعية منه من الرؤية الثلاثيّة التي تمّ فيها إعادة موضعة المخروط (تلك التي لا تتضمن اندماجاً لمخروط أحمر-أخضر). لقد اتفقت نتائجنا مع الافتراض الذي يقول بالدلالة الاجتماعية. إنّ نظام الإبصار البشري هو الأفضل من بين التي تمّ اختبارها لكشف المعلومات الاجتماعية من أوجه بقيّة الرئيسات.

رغم ذلك فهناك عوامل أغفلناها قصداً لأهداف اختبارية، يجب علينا في التجارب اللاحقة أن نأخذها بالاعتبار. لكن هناك شيءٌ غريب في طريقتنا في رؤية الألوان. إننا نمنح الأولوية للتمييز بين عدّة أنواع من الألوان، وذلك على حساب القدرة على رؤية أكبر عدد ممكن من الألوان. آمل أن نستطيع حلّ هذا اللغز بشكل كلي يوماً من الأيام.

 
 
آخر تعديل على الأحد, 11 شباط/فبراير 2018 08:45