_
التوتّر السام
بروس ماكوين بروس ماكوين

التوتّر السام

ينتشر التوتّر والإجهاد في كامل حياتنا. إنّنا نشعر بالقلق عندما نسمع بالعنف أو بالفوضى أو بالخلافات. وغالباً ما تقودنا، في عالمنا الآمن نسبياً، سرعة سير الحياة ومطالبها إلى الشعور بأنّ هناك الكثير ممّا ينبغي القيام به في وقت قصير جدّاً. يعطّل هذا إيقاعنا البيولوجي ويشجّع السلوك غير الصحي، مثل تناول الكثير من الأشياء الخاطئة وإهمال ممارسة الرياضة وعدم النوم.

تعريب: عروة درويش

يؤثّر التمييز العنصري والإثني، إلى جانب الافتقار إلى فرص التعلّم والتقدم الاقتصادي، الذي تعاني منه شريحة هائلة من سكان الأرض. ويصبح السجن هو القاعدة وليس الاستثناء بالنسبة للكثيرين من الفئات المستضعفة. وتترك التجارب السلبيّة في مرحلة الطفولة والنشوء، ومن بينها الفقر، بصمة أبديّة على الجسد والدماغ، وتقوّض الصحّة على المدى الطويل وتزيد من احتمال الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والاكتئاب، وتعاطي المخدرات والسلوك غير الاجتماعي والأمراض العقليّة.

اشتكى الطبيب النفسي جيروم كاغان من جامعة هارفارد مؤخراً من أنّ كلمة «التوتّر» باتت تستخدم بطرق كثيرة بحيث أصبحت بلا معنى تقريباً. وهو يقترح بأن نحفظها فقط لوصف الظروف الشديدة أو الأحداث التي تحدث ضرراً. لكنّ عقوداً من الخبرة تشير إلى مقاربة أخرى، فمن خلال عملي مع شبكة من الباحثين وعلماء الاجتماع وعلماء الأوبئة، كانت القوّة الخبيئة التي توصل التوتّر ليسكن «تحت جلدنا» محلّ دراستنا المشتركة: كيفيّة قياس وتقييم التوتّر والإجهاد الذي توصله لنا بيئتنا الاجتماعيّة والماديّة. وقد أظهر تعاوننا، تحت إشراف «المجلس الوطني العلمي لتنمية الطفولة»، بأنّ التوتّر يؤثّر بشكل عميق على الصحّة والمرض.

إنّ نتائجنا دقيقة، وتبدأ من حقيقة أنّ التوتّر ليس هو نفسه دوماً. يتضمن «التوتّر الجيّد» منحنا فرصة الحصول على شيء نريده، مثل إجراء مقابلة عمل أو مدرسة، أو إلقاء خطاب أمام غرباء، والشعور بالإنجاز عند النجاح. ويعني «التوتّر القابل للتحمّل» بأنّ شيئاً ما سيئاً يحدث، ولكننا نملك الموارد الشخصيّة والدعم الخارجي اللازم لنهدأ عاصفة هذه الخسارة، مثل خسارتنا لشخص نحبّه. ثمّ هناك «التوتّر السام»، وهو ما أشار كاغان إليه، وهو شيء سيء لا نملك الموارد الشخصيّة أو الدعم الخارجي الذي يمكننا تخطيه، وهو شيء قد يغرقنا في حالة اعتلال صحيّ جسديّ أو عقليّ، ويجعلنا ندور في حلقة مفرغة.

دعونا الآن نضع هذه الأشكال الثلاثة من التوتّر في سياق بيولوجي وسلوكي عبر اللجوء إلى «الاستتباب homeostasis»: وهي الحالة البدنيّة-النفسيّة التي يحتفظ بها جسدنا من أجل إبقائنا أحياء. نقوم عبر الاستتباب بالحفاظ على درجة حراة الجسم ودرجة الحموضة (القلويّة والحموضة) ضمن المعدّل، ونحافظ على أنسجتنا ناضحة بالأوكسجين وعلى خلايانا متغذية. ومن أجل الحفاظ على هذه الحالة الثابتة، يفرز الجسم هرمونات مثل الأدرينالين. في الواقع عندما نواجه تهديداً مدركاً حاداً، مثل كلب كبير يهددنا، فإنّ منطقة ما تحت المهاد «Hypothalamus» في مركز دماغنا، يشغّل نظام الإنذار في أجسادنا، ويرسل إشارات كيميائيّة إلى الغدّة النخاميّة «pituitary gland». وتقوم الغدّة النخاميّة بدورها بإطلاق الهرمون الموجّه لقشرة الكظر «Adrenocorticotropic - ACTH» الذي ينشّط الغدتان الكظريتان اللتان تقعان إلى جانب الكلى، من أجل إطلاق الأدرينالين وهرمون التوتّر الأساسي: الكورتيزول. يرفع الأدرينالين معدّل ضربات القلب وضغط الدم وإمدادات الطاقة. ويرفع الكورتيزول نسب الغلوكوز في مجرى الدم وله العديد من الآثار المفيدة على الجهاز المناعي والدماغ وكذلك على أعضاء أخرى. وفي حال الكرّ أو الفر، يقوم الكورتيزول بمعالجة استجابات الجهاز المناعي، ويكبت الجهاز الهضمي والجهاز التناسلي ونظام التكاثر وعمليات النمو، فضلاً عن إرسال إشارات إلى مناطق الدماغ التي تتحكم بالوظيفة الإدراكيّة وبالمزاج وبالتحفيز وبالخوف.

إن الوسطاء الكيميائيين-الحيويين مثل الكورتيزول والأدرينالين يساعدوننا على التكيّف، طالما تعمل بشكل متوازن عندما نحتاج إليها وتعود بعدها لتخبو عندما ينتهي التحدي. لكن عندما لا يحدث ذلك، فإنّ «هرمونات التوتّر» هذه يمكن أن تتسبب بتغييرات غير صحيّة في الدماغ والجسم. مثال: ارتفاع أو انخفاض ضغط الدم أو تراكم الدهون في منطقة البطن. عندما نزيد الحمل على الجسم كنتيجة لاختلال توازن «الوسطاء»، فنحن نستعمل مصطلح «الحمل الاستتبابي Allostatic load». وعندما يصبح الحمل شديداً فإننا نسميها «الحمل الاستتبابي الزائد Allostatic overload»، وهي المرحلة التي يكون فيها التوتّر ساماً. مثال: عندما ينجم عن العادات الصحيّة السيئة مثل التدخين والشرب والوحدة ارتفاع في ضغط الدم ودهون في البطن، ممّا يتسبب بانسداد في الشريان التاجي. باختصار: الوسطاء الذين يساعدوننا على التكيّف والحفاظ على استتبابنا كي نحافظ على بقاءنا، يمكنها أيضاً أن تساهم في الأمراض التي عرفناها في حياتنا المعاصرة.

آخر تعديل على الجمعة, 15 كانون1/ديسمبر 2017 13:34