Skip to main content

نقابات وعمّال (5623)

لم يعد السؤال الذي يشغل العامل اليوم هو: «كم يبلغ راتبي؟»، بل أصبح السؤال الأكثر واقعية وقسوة: «كم يوماً سيكفيني هذا الراتب؟»، وفي ظل التدهور المستمر في القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والخدمات، بات كثير من العمال يجدون أنفسهم أمام حقيقة مؤلمة: الراتب الذي ينتظرونه طوال شهر ينتهي في أسبوع، وربما في أيام قليلة منه، بينما تبقى بقية الشهر مفتوحة على الديون والاستدانة وتأجيل الاحتياجات الأساسية.

خرج مئات من العاملين في قطاع النفط للاحتجاج في الحسكة، وقطعوا الطرق أمام صهاريج النفط، تعبيراً عن واحدة من أبرز الأزمات العمالية منذ توقيع الاتفاق بين الشركة السورية للبترول وشركة HKN Energy الأمريكية في 4 آب.

لم تكن الإضرابات العمالية التي شهدتها بعض المنشآت والمعامل، ومنها: معامل زنوبيا ومدار، وليدة رغبة لدى العمال في تعطيل الإنتاج أو افتعال المشكلات، وإنما جاءت في سياق ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية، وتراكم مطالب وحقوق شعر العمال بأنها لم تعد تحتمل التأجيل، وقد تدخلت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل آنذاك، وانتهت الإضرابات بعد تقديم أصحاب العمل تعهدات والتزامات أمام الوزارة، كان يفترض أن تشكل أساساً لمعالجة أسباب الاحتجاج وضمان حقوق العمال.

في مشهد يتكرر مع كل موسم زراعي، تشرق الشمس على آلاف النساء السوريات اللواتي يغادرن منازلهن قبل الفجر، متجهات إلى الحقول التي أصبحت ساحات كفاح يومي من أجل لقمة العيش. فيشكلن العمود الفقري للقطاع الزراعي في سورية، ويعملن في صمت تحت وطأة الحر والبرد، دون أن تلتفت إليهن دولة أو مؤسسة، ودون أن يلمس أيديهن أي قانون يحمي كرامتهن، أو حق من حقوقهن.

لم يضع المشرّع حق العامل في العناية الطبية ترفاً قانونياً، أو امتيازاً يمكن لصاحب العمل أن يمنحه متى شاء ويحجبه متى شاء، بل جعله التزاماً واضحاً وجزءاً من الحماية الاجتماعية الملازمة لعلاقة العمل.

لم يعد العامل السوري اليوم هو نفسه العامل الذي عرفه سوق العمل قبل سنوات، فقد غيّرت الأزمة الاقتصادية الطويلة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وانتشار العمل غير المنظم، والهجرة، شكل الطبقة العاملة السورية، وعلاقتها بالعمل وبصاحب العمل وبالمستقبل. 

إنّ أي تعديل جوهري على قانون العمل لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد عملية تشريعية تقنية، تقوم بها الجهات الحكومية والخبراء خلف الأبواب المغلقة، لأن قانون العمل في جوهره ليس مجموعة من المواد القانونية الجامدة، بل هو الإطار الذي ينظم العلاقة بين طرفين غير متكافئين في القوة الاقتصادية: العامل الذي يبيع قوة عمله من أجل تأمين معيشته، وصاحب العمل الذي يمتلك رأس المال ووسائل الإنتاج، ولذلك فإن الوصول إلى قانون عمل متوازن وعادل يقتضي أن يكون العمال أنفسهم، إلى جانب النقابات والحقوقيين وأصحاب الاختصاص، شركاء حقيقيين في صياغته ومناقشة مواده.

لا يكفي أن يحمل قانون العمل الجديد في سورية عنواناً براقاً يتحدث عن حماية العامل، أو أن يتضمن مجموعة من المواد المتعلقة بالأجور والإجازات والتعويضات والسلامة المهنية، فالقوانين العمالية لا تُقاس فقط بما تمنحه للعامل من حقوق فردية، وإنما بما تمنحه له من وسائل جماعية يستطيع من خلالها الدفاع عن هذه الحقوق وانتزاعها عندما لا يلتزم بها صاحب العمل. وفي مقدمة هذه الوسائل يأتي حق الإضراب، بوصفه أحد أهم أدوات الطبقة العاملة في مواجهة اختلال ميزان القوة داخل علاقة العمل.

في سوق العمل الذي تضعف فيه الرقابة النقابية وتزداد فيه البطالة، يستطيع رب العمل أن يُحوّل عقد العمل محدد المدة من وسيلة لتنظيم علاقة العمل إلى أداة للسيطرة على العامل، وإبقائه في حالة دائمة من الخوف والقلق، فبدلاً من أن يكون العامل صاحب حق مستقر في عمله، يتحول إلى شخص ينتظر دائماً موعد انتهاء عقده، ويعرف أن أي مطالبة بحقوقه أو اعتراض على شروط العمل قد تعني ببساطة عدم تجديد العقد.

تتبنى حكومات كثيرة- خصوصاً في البلدان التي تبحث عن جذب الاستثمارات الخارجية- فكرة تبدو للوهلة الأولى منطقية: كلما خفّضنا كلفة العمل على أصحاب المشاريع، وقلّصنا القيود المفروضة على أرباب العمل، وجعلنا تسريح العمال أسهل، وأضعفنا دور النقابات والمفاوضة الجماعية، أصبح الاقتصاد أكثر جاذبية للمستثمرين. وغالباً ما تجد هذه الرؤية سنداً لها في بعض وصفات المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها: البنك الدولي، حين يجري التركيز على «مرونة سوق العمل» وتحسين بيئة الأعمال باعتبارهما عاملين في تشجيع الاستثمار.

Page 1 of 402