عشتار محمود

عشتار محمود

email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

«نُخب المال- المركزي»... مسار نحو الدولرة

ارتفع الدولار بنسبة 50% خلال عام مضى، بينما ثلثا هذا الارتفاع جرى خلال الشهرين الأخيرين، المفارقة أن هذا التدهور المتسارع وارتفاع الدولار إلى عتبة الـ 700 والـ 800 أعقب مبادرة رجال الأعمال والمصرف المركزي لدعم الليرة، وإن كانت المبادرة ليست السبب في الارتفاع إلا أن لهذا الارتباط دلالة: فالطريق نحو الدولرة سار بجهود حلقة الثراء الضيقة والمتنفذة، وتأثيرها العميق على السياسة النقدية طوال سنوات الأزمة وليس الآن فقط...

الاقتصاد السوري أصبح مدولراً، ومستويات الأسعار والنشاط الاقتصادي ومصالح النُّخب كلها أصبحت (دولارية) وترتبط بالعملة الخضراء صعوداً ونزولاً، حركة وركوداً... والسياسة النقدية للمصرف المركزي كذلك الأمر تنطلق في إجراءاتها وحركتها من موقع مراقبة وتحريك وتوجيه كتلة الدولار، أما كتلة الليرة فيتم تقييدها أيضاً وفق محدد سعر صرف الدولار.

كتلة زيادة الأجور الفعلية 162 مليار ليرة فقط!

ازدادت الأجور السورية بعد أكثر من ثلاثة أعوام على آخر زيادة شاملة، وبعد أن ارتفعت مستويات الأسعار بين مطلع 2016 وحالياً بما يقارب 228%... مئات المليارات ستضاف إلى بند الأجور تقول الحكومة إنها ستغطيها من الوفورات في جوانب الإنفاق الحكومي الأخرى، فهل هناك زيادة فعلية على دخل أصحاب الأجور؟ وهل فعلاً تحتاج هذه الزيادة لإنفاق كثير؟!

حوالي مليوني سوري من العاملين في الدولة والمتقاعدين سيستفيدون مباشرة من زيادة في الأجور بلغت نسبة 70% تقريباً على الأجر الوسطي، الذي سيصبح في 2020، 60 ألف ليرة تقريباً. بينما ارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 47 ألف ليرة مرتفعاً بنسبة 190% قياساً بالحد الأدنى السابق الذي يقارب 16 ألف ليرة.

سعر الصرف... الحل بدعم الليرة والتخلُّص من إدمان الدولار

مجدداً يقفز سعر الدولار إلى مستوى يفوق الـ 700 ليرة... السعر الذي لا يستكين ويستمر في اتجاهه الصاعد، له عوامل تحدده وهو ليس سعراً وهمياً، بل ناجماً عن أسباب ترتبط بأمراض الاقتصاد السوري بالدرجة الأولى، وتحديداً الأمراض العقيمة التي يُصاب بها أصحاب القرار والتي لا تُحَل إلا بالبتر، كمرض التمسك بالدولار أياً كان مصير الليرة.

هنالك محددات تقول ما هي الحدود الدنيا لسعر الصرف، التي لا يمكن له أن ينخفض عنها... فما القيمة الدنيا لسعر صرف الدولار مقابل الليرة في الظروف الحالية، ولماذا السعر في السوق أعلى منها بكثير؟!

 

 

دعم الأغنياء... (باقٍ ويتمدد)

الدّعم هو واحد من سياسات إعادة التوزيع الهامة... فإذا ما كان الدعم ينقل سابقاً جزءاً من دخل قطاع النفط إلى الأجور عبر تخفيض الأسعار، فإنه اليوم يفعل العكس... والسياسات مستمرة في ممارسة الدّعم الاجتماعي ولكن للشرائح الاجتماعية الأكثر قوة ونفوذاً، والتي تحدد مسار السياسات. فدعم الأغنياء بل والطفيليين مستمر، بينما دعم الفقراء والمنتجين يتراجع.

لا تزال الحكومة تدعم شريحة ضيِّقة جداً من الأثرياء والمتنفذين السوريين، فتبيعهم (سلعة الدولار) بسعر مخفّض بينما سعرها في السوق أعلى. إن جوانب كثيرة من السياسة الحكومية تقول إن دعم الأغنياء عملية راسخة وذات سَمْت في السلوك الحكومي، وعلى رأسها دعم القلة المحتكرة للاستيراد بالدولار الرخيص.

(يسقط حكم المصرف) ما الذي أردنا تعلُّمه من مصرف لبنان؟

خرجت خلال الأزمة أصوات سورية تعكس رؤى المتنفذين المالية لتقول إنه علينا التعلم من النموذج اللبناني المصرفي... بينما يرتفع اليوم شعار واضح المعالم في لبنان يقول: (يسقط حكم المصرف)، إذ تتعمم الحقيقة القائلة بأن مصرف لبنان المركزي كان (مطبخ إدارة) النظام الاقتصادي اللبناني المشوّه والمتكامل مع نظام سياسي لم يخرج من عقيدة أمراء الحرب ومضاربيها حتى اليوم.

ما يسمّى (إعادة إعمار لبنان) في التسعينات كان واحداً من الظواهر الأمثل على تلك اللحظة الدولية والإقليمية: تحالف غربي خليجي مع توافق سوري لتحويل أمراء الحرب إلى نخب سياسية تتولى إدارة الأموال التي كان تدفقها أعلى في حينه مع ذروة نشوة المنظومة الغربية، وتحوّل لبنان بتحالف السلطة مع رجال الأعمال المحترفين واحة للريع المالي والعقاري، ولنموذج لا تستطيع أن تقول عنه حتى أنه (دولة هشّة)، بل إدارة سلطة سياسية تغلّف شبح الحرب المستمرة ضمنياً بفيض الخدمات والمال والسياحة، بينما تبقي الغالبية العظمى من اللبنانيين في دائرة الفقر محصورة في آمال ضيقة: إما الهجرة أو إيجاد مساحة ضيقة في دائرة اقتصاد الخدمات، وسط علاقات التبعية السياسية والطائفية.

هشاشة وضعنا الاقتصادي بين لبنان وتركيا

تقف المزيد من الضغوطات في وجه الاقتصاد السوري الهش الذي يعاني من ركود متعمق منذ تشديد العقوبات الأمريكية قبل عام تقريباً. وتتمثل هذه التحديات في الوضع الإقليمي الذي دونه لن تستطيع سورية أن تسير خطوات جدية في إعادة إعمارها، وإعادة لاجئيها، وانتشال أهلها من الكارثة الإنسانية التي أهم ملامحها مستوى الفقر ومؤشرات الوضع الاقتصادي.

من يصدّق أن ما يجري (محاسبة وضريبة على الثروة)؟

لا يزال عدم الوضوح يلف أجواء السوق السورية، فبعد تسريب قرار المركزي لإيقاف حسابات سيريتيل، أتى تسريب حول حركة حسابات مجموعة من رجال الأعمال السوريين، إضافة طبعاً إلى (رجال البزنس) الذين جمعوهم ذاك المساء ليدفعوا لصندوق دعم الليرة، ذاك الذي لم يظهر خيره من شره، وصدقه من حقيقته حتى الآن...

مواجهة الدولار من الأوهام إلى الدراما

تعقيدات أوضاع النخب في أزمتهم، وارتفاع مستوى التوتر، واللحظة السياسية الحالية، تدفع إلى أشكال جديدة (لمواجهة ارتفاع الدولار)... فبعد أن كثر الحديث عن وهمية السعر، يتم اللجوء اليوم إلى (دراما الشيراتون) حيث تصطف وجوه المال في مزاد من (أجل الليرة) ليُحْسِن كل منهم على الاقتصاد الوطني بما استطاع. فيبدأ (أتخن الوجوه) بـ 10 ملايين دولار، وتدور الأحاديث عن إمكانية جمع ما قد يصل لـ 500 مليون دولار.

كثير من (الإيهام) في مواجهة الدولار والحلول الحقيقية موجودة!

تستمر تفاعلات موجة ارتفاع سعر صرف الدولار الجنونية وانخفاضه النسبي إلى مستوى ليس بعيداً عن سعر 650 ليرة مقابل الدولار الذي تسعّر به البضاعة المستوردة اليوم، حيث تكثر (تصريحات) الإيهام بالحركة، فوفق وجهة نظر إدارة الأزمة: (السعر وهمي) ومواجهته وهمية كذلك، لدرجة أن أحدهم يردد أننا انتصرنا على (صفحة فيسبوك) المسببة!

نموذج الفساد السوري... أهم مواضع ثروته

تضع المؤشرات الدولية سورية في رأس قائمة مؤشر الفساد، ويعلم السوريون أن المؤشرات الدولية مسيسة، ولكنهم يعلمون أيضاً أن هذه المؤشرات (لا تعطي فسادنا حقّه)، فالفساد في سورية هو بنية متكاملة ومنظمة، وليس (ضربات شطارة استثنائية). إنه عمود أساس في تهاوي البلاد وتراجعها منذ عقود مضت، مقابل تراكم ثروات شخصية ضخمة سيكون الزمن كفيلاً بكشف عورتها.

يصعب الوصول إلى تقدير ملموس لأرقام النهب المنظم في سورية، لأن الإثباتات الرقمية والقانونية حول الملفات الكبرى تبقى في الغرف المغلقة، وفي دوائر الولاءات الضيقة. وإن وصلت فإنك لن تجد منظومة سياسية قانونية تتفاعل جدياً، إذ قد تتحرك فضائح ولكن بناء على تناقضات قوى المال غالباً، ويذهب ضحيتها (موظفو فساد) من الدرجات الثالثة وما دون وزير هنا ومدير هناك... وهذا في أحسن الأحوال، لأنه في أغلب الأحوال الأخرى ينكفئ العارفون مقدرين عواقب المسّ بمنظومة قائمة على النفوذ والمال والقوة، دون حريات سياسية ومنظومة قانونية تحميهم.