_
خريف الأزمة: في ضرورة أن «تفكّر اقتصادياً»

خريف الأزمة: في ضرورة أن «تفكّر اقتصادياً»

نشر الباحث اللبناني عامر محسن مقالاً في جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 27-11-2019 حول الأزمة الاقتصادية- السياسية في لبنان، وبينما ينطلق من أن الأزمة المالية حاصلة بالفعل فإنه ينتهي إلى أن المخارج السياسية الفعلية يجب أن تقوم على رفع شعارات اقتصادية ثورية واضحة ومحددة... وتنشر قاسيون بعضاً مما جاء في المقال...

نقطة الانطلاق

لأسبابٍ كثيرة، ما زالت الغالبيّة في لبنان لا تعرف، أو لا يُشرح لها بوضوح، عُمق الأزمة التي نحن فيها والمعنى السياسي لما ينتظرنا (لسنا «على وشك» دخول الأزمة، ولا هي في بداياتها، بل قد وقعت بالفعل ونحن في قلبها). هذه هي «المسألة السياسية» في لبنان اليوم: نحن لا نواجه أزمة في قطاعٍ معيّن أو إفلاساً لمصرفين أو ثلاثة، بل احتمال إفلاس القطاع المصرفي بأكمله، وعجز كلّ المصارف عن تلبية التزاماتها وطلبات المودعين. هذا يعني انهيار الأداة المالية التي يتمّ عبرها تسيير كلّ شيءٍ في البلد، من تمويل الشركات إلى دفع الرواتب إلى الاستيراد، وصولاً إلى استقبال الأموال التي يرسلها المغتربون إلى البلد. والأزمة هنا معقّدة ومترابطة، بين ثالوث الدّولة- المصارف- المصرف المركزي، الذي تنكشف عناصره على عوامل الخطر ذاتها، وهي لهذا السبب ستسقط سويّة...
من هنا، ستكون هذه «أزمة» خاصّة وغير مسبوقة... ففي لبنان، غالبيّة الثروة الوطنية هي على «طاولة الكازينو»، من مدخرات صغار المودعين وصولاً إلى رواتب موظفي الدّولة.
أمامنا في الفترة القادمة احتمالان للمضي قدماً، ستنطلق بأحدهما المرحلة المقبلة: 1- أن يترك الحال على مساره الحالي ويحصل الانهيار، فتعجز الدّولة عن دفع الدّيون (أو حتّى الرواتب)، وتنفد سيولة المصارف، وتنهار العملة الوطنية. أو، 2- أن تحصل مبادرة دوليّة لتمويل إعادة هيكلة الدّين وتعويم القطاع المصرفي اللبناني، وهي- إن أتت، وإن نجحت في مرادها- سترافقها بلا ريب حزمةٌ من الشروط و«الإصلاحات» لا تختلف كثيراً عن عوارض الانهيار (تخفيض لقيمة العملة، تقشّف وضمور اقتصادي، اقتطاع أجور الموظّفين أو تسريحهم)، مع فارق أننا سنستمرّ بدفع الدّين إلى الأبد، ونعود بعد «الهيكلة» إلى حيث بدأنا: يتنبأ تقريرٍ لـ«بانك أوف أميركا» بأن خطة إنقاذ يقودها صندوق النّقد، وتلغي نصف الدّين العام، ستتركنا مع دينٍ يوازي 100 إلى 110% من ناتجنا القومي.
ولكن ما لا يمكن أن يستمرّ في كلّ الأحوال هو «الخيار الثالث» القائم حالياً، أي إن تسيّر المصارف الاقتصاد عبر «تحديد المصروف» وتقسيط السيولة وحقّ الوصول إلى الأرصدة للجميع، أفراداً وشركات...
السؤال الأساس في السياسة اليوم هو: ماذا ستفعل في مواجهة هذا الواقع؟ ليس الوقت وقت نقاشٍ نظريّ حول قواعد الاقتصاد وتكوّن الدّين العام وكيف وصلنا إلى هنا... والمسألة ليست «اقتصادية- تقنيّة» كما يقدّمها البعض، ولا تحتاج لأن تكون مختصّاً لكي تناقشها، بل هي قضيّة سياسيّة و«شعبيّة». هي القضيّة السياسيّة الأساس التي ستقرّر مستقبلنا جميعاً، وأيّ خطابٍ سياسي لا ينطلق منها يتفادى المشكلة الملحّة التي تعني الناس ويبيع الأوهام- مهما كانت شعاراته.

وقتٌ لطرح الحلول لا الأسماء

قوى وأحزاب السّلطة، بطبيعة الحال، هي في مكانٍ آخر ولا تملك حلولاً. بعضها، ومصالحه تتشابك مع المنظومة المالية، ما زال في حالة إنكارٍ ويتشبّث بوهم الحفاظ على الموجود والعودة إلى السّابق، وهذه القوى والمصالح- في نهاية الأمر- لن تفكّك نفسها بنفسها. بعضها الآخر ينسّق في الكواليس وينتظر الأمر الخارجي. والبعض «سحب يده» من ساحة التفاوض السياسي ويعتبر أن الانهيار لا يمكن تفاديه، فلا بديل عن انتظاره والتعامل معه حين يقع (وكلّ، باعتقادي، يحضّر في هذه الأثناء «خطّةً» لذاك السيناريو)، وهذا غير مستغرب.
المشكلة هي أنّ من هم «خارج النّظام»، يساراً ويميناً، لا يقدّمون بديلاً واضحاً وجذرياً. هذا هو الوقت الذي يفترض فيه بمن يعمل في السياسة أن يكثّف مخاوف النّاس ومعضلاتهم في شعارات ومطالب واضحة وقويّة، وليست عموميّات، يمكن أن تلتفّ حولها كتلٌ شعبيّة وتسير خلفها («لن ندفع الدّين»، «تأميم المصارف والملكيات الكبرى»، أي شيء). إن كنت سياسياً أو حزباً «معارضاً»، يقبع خارج النظام، فهذه هي فعلياً مهمّتك الوحيدة- وبخاصّة إن كنت تكرّر أنّك توقّعت الانهيار وحذّرت منه- أن تجترح حلولاً وبدائل لوقتٍ يحتاجها الشعب. أقلّه ضماناتٌ حقيقية بأن تعود أموال النّاس ومدّخراتهم- أموال أكثر النّاس.
البعض يرفع- محقّاً- شعار «قصّة الشعر» علاجاً للأزمة، ولكن هذا لا فعالية له إن لم يتوضّح ويتجذّر- صندوق النقد الدولي قد يعرض علينا «قصّة شعر»، السؤال هو بأي شكلٍ وضمن أية شروط وبأي حجم؟ وقناعتي هي أن المطالبة يجب أن تكون بإلغاء الدّين بأكمله، كبداية. المطلب يجب أن يظلّ بسيطاً وحاسماً وقضايا كهذه، إن عقّدتها، تشعّبت وضاعت.

الفصل بين السياسة والاقتصاد

مع خروج الاقتصاد من طاولة النقاش أصبحت السياسة (حتى عند اليسار) تجري في مدارات أخرى؛ الهويات- لذاتها- أصبحت هي ما يقسّم الناس ويفرّقهم وليس المصالح ومشروعهم لبناء المستقبل. حتّى التحرير وتأسيس الدولة الوطنية أصبحت أهدافاً مستقلّةً عن الخيار الاقتصادي وتأمين السيادة المعيشية وتحرير الناس من أنماط الاستغلال. وعلى مستوى آخر وبشكلٍ موازٍ، ابتداءً من النصف الثاني للقرن العشرين، تمّ تحويل الاقتصاد تدريجياً إلى «علم» منفصل عن الإنسانيات، يقدّم إجابات كمّيّة و«محايدة» وغير سياسيّة، ولا يقاربه سوى المختصّين...
المشكلة هي أننا لم نعد، بقوة الأمر الواقع، قادرين على هذا التجاهل واعتبار أن المعاش والاقتصاد عبارة عن نمط منزّل وخيارات محسومة سلفاً. هذا لأن نظامنا قد انهار بالفعل، ومستقبلنا يتوقّف على استيعاب سقوطه واجتراح بديلٍ حقيقي. هنا عليك، وأنت في أطراف النظام العالمي، أن تشقّ طريقاً ليس له «دليل استخدام»، وليس أمامك سوابق يمكن تقليدها. لهذا السبب تحديداً لن ينفعك هنا «التكنوقراط» وأبناء المؤسسة، فمهمّتهم ليست في تخيّل شيءٍ جديد. أوّل خطوة في هذه المهمّة هي أن يفهم النّاس «قوس الاحتمالات» المفتوح أمامهم، وأن لا يصدقوا الحدود التي يضعها السياسيون وأصحاب المصالح والتكنوقراط على الإمكانات والطّموح. نحن لسنا ملزمين مثلاً- كما يتخيّل البعض- بتسديد الدّين العام ولا يوجد قانون كونيّ يجبر دولةً «سيّدة» على احترام الملكية الخاصّة. في الحقيقة، نحن نقدر على فعل ما لم تفعله اليونان (وهي ما زالت تدفع ثمن امتثالها لشروط الأوروبيين)، إذ ليس فوقنا اتّحاد أوروبي يُسيّرنا، والأسواق المالية العالمية ليست منكشفة على الدّين اللبناني، فلا حافز لديها لإنقاذنا أو فرض تسويةٍ علينا، إذ إن الانهيار في لبنان لن ينتشر إلى خارجه (تملك مصارف غربية نسبة بسيطة من سندات الدّين العام بالدولار، وأسهماً في مصارف لبنانية، ولكنها ليست استثمارات معتبرة). لهذا السّبب أيضاً، من ناحيةٍ أخرى، لن يكون لدى الغربيين مشكلة كبيرة في أن ينهار لبنان ويحترق...
من الصّعب أن نتخيّل مخرجاً سهلاً للوضع في لبنان، ودور الخارج- وحده- يمنع أن تقوم ديناميات حرّة وتستمر لصالح الشعب. ولكن توجيه السياسة صوب مصالح الناس وأرزاقهم واسترداد مالهم المنهوب هو ما يصنع فرزاً حقيقياً، وهو الاختبار الفعلي لـ«الثورية». وأية نقطة انطلاقٍ أخرى لن توصلك إلّا إلى الانقسام العمودي، وسياسات النُّخب الضيقة، والشوارع الطائفية والهويّة بمعناها البدائي. لن تكون الأيام القادمة سهلة، ولكن كيفما قضي الأمر- بـ«حلٍّ» أو «انهيار»- فإنّنا على الأقل سنعرف ساعة حقيقة، وتكون بدايةً جديدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
942
آخر تعديل على الإثنين, 02 كانون1/ديسمبر 2019 13:25