_
هجوم «أرامكو» ... ومفتاح كشف الفاعل!
رشا النجار رشا النجار

هجوم «أرامكو» ... ومفتاح كشف الفاعل!

ضمن حلقة جديدة من مسلسل التوتر الذي تشهده منطقة الخليج في هذه الفترة، قامت مجموعة من الطائرات المسيّرة يوم السبت الواقع في 14 أيلول الجاري، إضافة إلى صواريخ، باستهداف منشآت بقيق وهجرة خُريص للنفط التابعة لشركة «أرامكو» السعودية. أثار الهجوم مجموعة كبيرة من التساؤلات والمخاوف؛ تساؤلات حول منفّذه، ومخاوف من تبعاته على سوق النفط العالمية. فما الذي يختفي وراء هذا الهجوم؟ ما هي تبعاته؟ ومن منفّذه؟ سنحاول في هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة، ولكن سنبدأ بعرض سريع عن شركة «أرامكو».

أهمية هذه الشركة

تأسست «أرامكو» سنة 1933 كشركة أمريكية ولكنها لم تعرف باسم «أرامكو» إلا عام 1944، وهذا الاسم اختصار لشركة النفط العربية الأمريكية ((Arabian-American Oil Company، وأصبحت الشركة تحت يد السعودية بشكل كامل في عام 1980. تعدّ «أرامكو» من أهم شركات النفط في العالم؛ فهي تتولى إدارة احتياطي نفطي يبلغ 265 مليار برميل (15% من الاحتياطي العالمي)، واحتياطي من الغاز يبلغ 288 تريليون قدم مكعب.
كما أن الشركة تقوم ببيع حوالي عشرة ملايين برميل من النفط يومياً، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف إنتاج أكبر شركة نفطية مدرجة في البورصة في العالم وهي «اكسون موبيل».

خسائر كبيرة

تسبّب الهجوم الذي تعرّضت له منشآت «أرامكو» بإخراج 5,7 ملايين برميل من الإنتاج اليومي للنفط السعودي، أي ما يعادل نصف ما تنتجه السعودية يومياً، وحوالي 5% من حجم إنتاج النفط الخام في العالم، حيث تنتج المملكة 10% من إجمالي إنتاج النفط العالمي، وهو ما أحدث ارتفاعاً كبيراً بأسعار النفط على المستوى العالمي. كما أثّر الهجوم على موعد طرح الشركة قسماً من أسهمها للاكتتاب العام، والذي كان مقرراً في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ممّا سيؤدي إلى حدوث خسارة كبيرة في الأسواق المالية السعودية.

من هو منفّذ الهجوم؟

تباينت الآراء وكثرت التصريحات حول الفاعل، فقد تبنّى الحوثيون الهجوم، ليظهر لاحقاً تصريحات بأن العملية حدثت من الشمال وليس من الجنوب.
الولايات المتحدة الأمريكية– وبشكلٍ غير مستغرب أبداً- سارعت بتوجيه أصابع الاتّهام إلى إيران، ساندتها بذلك السعودية، دون أن تحسم أمرها بشكل كامل في عملية الاتهام، تاركة مجالاً للتراجع. وبحسب التصريحات الأمريكية فإن «الصواريخ انطلقت من قواعد للحشد الشعبي أو قواعد إيرانية في العراق»، وهذا بحدّ ذاته يضع علامة استفهام كبيرة، إذ إنّ هذه المناطق نفسها تحتوي أيضاً قواعد أمريكية ضخمة قادرة على اكتشاف الصواريخ في حال انطلاقها فعلاً منها!
في المقابل، نفت إيران مسؤوليتها على لسان وزير خارجيتها، فيما دعا الروس والصينيون إلى التمهّل في الحكم وانتظار نتائج التحقيق، حيثُ قال وزير الخارجية الروسي «لافروف» في مؤتمر صحفي له: «من الأهمية أن تكون العملية موضوعية حقيقةً، لأن الاتهامات التي لا تدعمها أدلة لا طائل لها، ولا تقود سوى إلى المزيد من التوتر في المنطقة».

الهدف من الضربة

كنّا قد تحدّثنا في البداية عن أهمية «أرامكو» كأكبر شركة لتصدير النفط في العالم، وعن خطورة الدمار الذي طالها في رفع أسعار النفط، هذا يعني أنّ هنالك أحداً ما سيستفيد، وآخرين سيتضررون.
تشير الإحصاءات في عام 2017 إلى أن السعودية تصدّر حوالي 17% من نفطها إلى الصين، وأن الصين هي المستورد الأول للنفط السعودي، حيث إن 12,4% من واردات الصين من النفط تأتي من السعودية، بعد روسيا التي تزوّد الصين بـ 15,8% من وارداتها.
إضافةً إلى ذلك فقد رصدت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية في الشهر الثامن من عام 2019 الحالي، أنّ شحنات النفط السعودي تذهب بشكل متزايد إلى الصين، وذلك على حساب حصة الولايات المتحدة جزئياً. وتقول إن الإشارات التي قدمت من ناقلات النفط الشهر الماضي تُشير إلى أن السعودية تُرسل جزءاً أكبر من أي وقتٍ مضى من نفطها الخام إلى الصين، مسببة بذلك خسارة للولايات المتحدة، إذ ارتفعت صادرات السعودية المتجهة إلى الصين لتصل 1,74 مليون برميل يومياً في يوليو، وهو الأعلى منذ أن بدأت «بلومبيرغ» في تتبع بيانات شُحنات النقل في يناير 2017م. وفي الوقت نفسه، يبدو أن شُحنات المملكة إلى الولايات المتحدة قد انخفضت إلى 161,000 برميل يومياً، وهو الأدنى لها خلال الفترة نفسها.
وبالتالي، المتضرّر الأكبر من رفع أسعار النفط هم الصينيون، وذلك يصبّ في مصلحة عدوّهم الاقتصادي الأول، أي الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تشير بعض الدراسات إلى احتلالها مؤخراً المرتبة الأولى عالمياً في إنتاج النفط (أي إنّ رفع الأسعار من مصلحتها).

ضربات بآثار عكسية

بتجميع المعطيات السابقة ينتج لدينا أنّ المستفيد الأكبر من هذه العملية، من وجهة النظر الاقتصادية المباشرة على الأقل، وبغضّ النظر عن الفاعل الحقيقي، هو الولايات المتحدة الأمريكية، إذ إنه وبالإضافة إلى تأثير الهجوم على أسعار النفط، فإنّ التضييق على السعودية وتكبيلها واستنزافها وابتزازها بشكل إضافي، وحتى الرمق الأخير، هو أحد أهداف السياسات الأمريكية اليوم، والتي تتبعها مع كل حلفائها التقلييدين في المنطقة والعالم (هنالك أمثلة كثيرة على ذلك؛ أبرزها الضغط على تركيا)، وكذلك فإن توجيه الاتهام إلى إيران ما هو إلا وسيلة أخرى للضغط عليها أيضاً، ولإبقاء القواعد الأمريكية في المنطقة بحجة الخطر الإيراني، وهذا ما استنكره رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، «قسطنطين كوساتشوف» بقوله: «إن الرئيس الأمريكي كان يبحث عن ذريعة لإلغاء الانسحاب من هناك، بعد أن أعلن عنه سابقاً بأعلى صوت».
إن خوف الأمريكي اليوم من التقدم السريع الذي تحققه روسيا– بالمعنى السياسي العسكري- والصين– بالمعنى الاقتصادي- يجعل منها وحشاً يقوم بالهجوم على كل من يقترب من هذين البلدين، أو يتعاون معهما. ولكن كالعادة فإنّ ما تقوم به واشنطن من محاولات توتير وإبطاء لتقدّم الطرف الآخر ينعكس عليها سلباً، ويبعد حلفاءها عنها أكثر. وهذا ما يُتوقّع حدوثه في السعودية، حيث تلقّت المملكة اقتراحاً علنياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشراء منظمة «S300» أو «S400»، وذلك لحماية بنيتها التحتية، ولا سيّما بعد كشف وزارة الدفاع الروسية عن الفشل المثير للسخرية لنظام الدفاع الجوي الأمريكي في السعودية، والمكوّن من 88 منظومة باتريوت، و3 مدمرات أمريكية مزودة بأنظمة «أيجيس» للدفاع الجوي في الجزء الشمالي من السعودية فقط، ناهيك عن القسم الجنوبي!

احتمال إضافي

إذا كان احتمال تورط الأمريكي المباشر في الهجوم هو احتمال «منطقي» على الأقل من وجهة نظر من المستفيد، فإنّ احتمالاً آخر ينتمي إلى الحقل المنطقي نفسه، هو أن تكون «إسرائيل» هي من نفذت الضربات لدوافع «داخلية وخارجية» متشابكة مع مصلحة المركز الفاشي الصهيوني العالمي؛ إذ إنّ تأجيج نار العداء سيسمح بالاتكاء على ذريعة «ملموسة» لإنشاء تحالف علني بين دولة الكيان ودول خليجية في مواجهة إيران، لم تسمح كل الظروف السابقة، وكل الضغوطات السابقة له بالظهور...
أياً يكن الفاعل، فإنّ الاتجاه العام للمسألة يبقى ضمن اتجاهين عامين واضحين، إما أن تستمر السعودية في انبطاحها أمام السياسات الغربية، فاتحة الآفاق أمام خرابها وتفجيرها، أو أنها ستنتقل لاتباع «سياسات رشيدة»، تنأى بها عن حافة الهاوية التي سارت حتى الآن خطوات عديدة ن

معلومات إضافية

العدد رقم:
932
آخر تعديل على الأربعاء, 25 أيلول/سبتمبر 2019 13:25