_
بالأرقام والأدلة: لماذا وكيف ولمصلحة من  حرائق الأمازون؟

بالأرقام والأدلة: لماذا وكيف ولمصلحة من حرائق الأمازون؟

ليس كلاماً إنشائياً القول بأن الغابات المطرية هي الرئة التي تتنفس منها البشرية، خاصة عندما يكون الحديث عن الغابات الأمازونية التي تنتج 20% من أوكسجين الأرض وتحتوي 10% من التنوع الحيوي ومسؤولة إلى حد بعيد عن الاستقرار في المناخ العالمي.

في سبيل الربح لم ولن تتوانى الرأسمالية عن تدمير الأرض! هذه حقيقة تثبت نفسها يومياً، لكن لعل ما يجعل قضية حرائق الأمازون اليوم قضية تهم البشرية أجمع هو أمران، أولهما: حجم الكارثة البيئية التي سيتعدى تأثيرها سريعاً حدود البلد المعني، البرازيل (وقد بدأ ذلك التعدي بالفعل). وثانيهما: أن التغير في السياسات الاقتصادية- الاجتماعية- البيئية في البرازيل الذي أتى به عراب النيوليبرالية بولسينارو قد أحدث كوارث صادمة دفعت بالبرازيليين إلى النزول إلى الشوارع رفضاً لها، ولابد أن تدفع كل عاقل للتأمّل بمعنى تجريب النهج النيوليبرالي المدمر!

من يضرم النار في غابات الأمازون؟

من المعروف أن حدوث الحرائق في الغابات، وفي الأشهر الجافة خصوصاً، هو أمر طبيعي. لكن زيادة الحرائق هذه السنة بمعدل 79% مقارنة بالسنة الماضية يجعل من حرائق السنة خروجاً حاداً عما يمكن اعتباره مسألة معتادة أو طبيعية، بل ويكشف أنّ حدود وامتداد حرائق سنوات ماضية، هي الأخرى أيضاً قد حدثت بفعل فاعل!
الحرائق المضرمة في الأمازون هي من صنع مستثمرين يملكون أراضيَ عند حوافّ الغابات، يضرمون الحرائق فيها قريباً من طرقات النقل مما يسمح بعدئذ بالتوسع باستثماراتهم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: متى تزداد أعداد المرتزقة المستعدين لإضرام النار في بلادهم لأجل مصالح ضيقة؟
سنتناول في هذا المقال التغيرات الأساسية في السياسات الحكومية التي أتى بها الرئيس البرازيلي الحالي اليميني بولسينارو، بالمقارنة مع السياسات التي أرساها الرئيس اليساري لولا دا سيلفا وتابعتها ديلما روزيف، كما سنتناول دور الشركات العالمية في تشجيع إزالة الغابات بهدف الاستثمار.

لولا دا سيلفا والسياسات البيئية

تعود 80% من مسؤولية إزالة الغابات إلى مستثمري قطاعات زراعة فول الصويا وتربية المواشي وقصب السكر، و10% إلى استثمارات مناجم الفوسفور والمعادن والاستثمار في الأخشاب، و10% إلى مسببات طبيعية. وليس من نافل القول التنويه بأن الأمازون ليست فقط غابة، بل هي مقاطعات يسكنها 30 مليون نسمة من بينهم قبائل من السكان الأصليين الذين يعتبرون أهم المدافعين عن سلامة الغابات هناك. ضمن هذا المشهد، فإن التوازن في السياسات الاقتصادية- الاجتماعية- البيئية الذي يحافظ على البيئة ويضمن تطور المنطقة اقتصادياً هو أمر حيوي، ولا غنى عنه إطلاقاً.
منذ استلام لولا دا سيلفا لرئاسة البرازيل عام 2003، أعطيت وزارة البيئة الكثير من السلطات الحقيقية لتنفيذ وتخطيط مشاريع إنمائية في الأمازون ولضبط إزالة الغابات اللاقانوني فيها. وعينت مارينا سيلفا، التي سميت فيما بعد ببطلة القضايا البيئية، وزيرة للبيئة. إذ انخفضت المناطق التي تتعرض للحرائق من 27000 كم2 عام 2004 إلى 4500 كم2 عام 2012. كما اتبعت وزارة البيئة سياسات صارمة ساقت من خلالها ما يقارب 600 شخص ضالعين في عمليات إحراق غابات، من بينهم فاسدون في الحكومة، إلى السجون. كما فرضت الغرامات على البعض الآخر، وكانت تحدد الدعم الحكومي للمقاطعات بناء على الالتزام بالمعايير البيئية، إضافة إلى تبني الوزارة نظاماً جديداً يعتمد على الأقمار الصناعية لرصد أماكن الحرائق، ومن ثم تحديد المسؤولين عنها، ومن ثم كانت تنشر قائمة سوداء بالبلديات التي قصرت في حماية الغابات. وبناءً على هذه المعلومات تم إغلاق ما يعادل 1500 منشأة لتربية الماشية أو الزراعات الصناعية. إضافة إلى ذلك كانت وزارة البيئة تقرر بالتعاون مع وزارة الزراعة التصديق على المشاريع الاستثمارية خصوصاً في مناطق الأمازون. كما وازن لولا في قراراته بين حاجة المجتمعات الأمازونية لبنية تحتية تسمح لهم بتحسين معيشتهم وبين الضرورات البيئية؛ حيث سمح ببناء سدين لتوليد الكهرباء هيدروليكياً على أنهار الأمازون، لكنه رفض عدة مشاريع لبناء طرقات سريعة تعبر مساحات كبيرة من الغابات وتؤثر على التنوع الحيوي فيها بشدة.

بولسينارو والشره للاستثمار!

منذ بدء حملته الانتخابية أعلن بولسينارو أنه يرى أن «السياسات البيئية في البرازيل متشددة لدرجة أنها تعيق التطور الاقتصادي» ووعد بالانفتاح على الاستثمار في مناطق الأمازون. هذه التصريحات كانت بمثابة تشجيع ضمني للعودة إلى إحراق الغابات بهدف الاستثمار. وبالفعل قام بولسينارو في الأشهر الستة الأولى من حكمه بإلغاء 20% من القوانين التي تفرض غرامات وقيود على المنشآت الاقتصادية غير الشرعية القائمة على أساس إحراق الغابات.
من أولى الخطوات التي قام بها بولسينارو هي: سحب كثير من الصلاحيات من وزارة البيئة وإعطاؤها لوزارة الزراعة أو لمجالس محلية في المقاطعات. كما تمّ إلغاء قسم التعليم البيئي التابع لوزارة البيئة، وأصبحت مهام وزارة البيئة تقتصر على القيام بأبحاث وإدراجها في توصيات الوزارة. إضافة إلى ذلك، تم نقل السجل البيئي الريفي من وزارة البيئة إلى وزارة الزراعة، وتكمن أهمية هذا السجل بأن المستثمرين إذ يريدون تسجيل ملكية أرض ما، كان من مهام وزارة البيئة التحقق فيما إذا كانت هذه الأراضي ناتجة عن حرائق غير شرعية، الأمر الذي لا تهتم له وزارة الزراعة في حكومة بولسنارو. كما أن وزيرة الزراعة المعينة من قبل بولسنارو، تيريزا كريستينا، تعتبر الداعم الأكبر لقطاع الصناعات الزراعية، فخلال الأشهر الستة الأولى من وجودها في الوزارة قامت بتشريع 152 مبيداً جديداً كان يُمنع استخدامها في البرازيل من قَبل، وبعضها يمنع استخدامه في أوروبا. كما أنّها من عائلة مستثمرين ملّاكي أراضٍ لها تاريخ في الصراع مع القبائل الأمازونية في مقاطعة ماتو غروسو دو سول، أكثر مقاطعات الأمازون المعرضة للحرائق، وهي تدعو لفتح أراضي السكان الأصليين للصناعات الزراعية والتعدين علماً أنّ هذا مخالف للدستور البرازيلي الصادر عام 1988، إلا أنها تدّعي أن ما ذُكر في الدستور القصد منه الاستثمارات شديدة الإضرار بالبيئة فقط! كما أن مستشارها الرئيس في الوزارة لويز انطونيو نبهان غارسيا معروف بامتلاكه ميليشيات مدججة بالسلاح غير الشرعي في مناطق الأمازون تعتدي على السكان الأصليين.

الشركات المافيوية العابرة للقارات

نشرت منظمة Amazon Watch تقريراً مفصلاً عن دور الشركات الاستثمارية في غابات الأمازون تذكر فيه أن هذه الشركات هي شركات مساهمة، تملك حصة الأسد من أسهمها بنوك عالمية أمريكية وأوروبية وشركات إدارة أصولAssest Management Companies من أهمها Blackrock التي تدير أصولاً حول العالم تقدر ب 6 ترليونات دولار، أغلب استثماراتها في الغاز والنفط والفحم الحجري، ويقدر حجم غاز CO2 الناتج عن مجموع استثمارات هذه الشركة ما يعادل 9,5 غيغا طن سنوياً. فللقارئ أن يتخيل كم سنتنفس هواء نقياً بلا هذه الشركة وحدها!
كما لا تتوانى هذه الشركات عن انتهاك سيادة الدول بتشجيع الأعمال الإجرامية كإحراق الغابات، حيث تقدم وعوداً للمعتدين على الغابات بشراء منتجاتهم في حال فرضت عليهم الدولة الغرامات ومنعت تسويق منتاجاتهم، ففي عام 2018 تم اكتشاف 5 شركات عالمية قامت بشراء أطنان من الصويا وتصديرها إلى أمريكا وأوروبا من منتجين مغرَّمين من الدولة.
إضافة إلى ذلك، تم اكتشاف أن العديد من المستثمرين في الأمازون ما زالوا حتى الآن يستخدمون قوة العبيد في الإنتاج، تحت إدارة مافيات مسلحة...

معلومات إضافية

العدد رقم:
929
آخر تعديل على الإثنين, 02 أيلول/سبتمبر 2019 12:28