_
إيران... خرق جديد تحققه «دول الأطراف»
علاء أبو فراج علاء أبو فراج

إيران... خرق جديد تحققه «دول الأطراف»

استمر الملف النووي الإيراني بتصدر عناوين الصحف منذ عقود إلى اليوم، وبقيت الخلافات حول هذا الملف محافظة على سخونة المنطقة، ومهددة بما هو أسوأ دائماً. فيما يلي نمر على أهم مفاصل المشروع النووي الطموح لإيران منذ بداياته ووصولاً إلى اتفاق لوزان، الذي بدا أنه نقطة النهاية لموضوع «النووي الإيراني»، ولكن سرعان ما عاد الملف إلى الواجهة مع انسحاب ترامب من الاتفاق، حتى بات النقاش/الصراع حول هذا الملف أحد أدوات الانتقال إلى آفاق جديدة من العلاقات الدولية، بديلة عن تلك التي سادت حقبة الهيمنة الإمبريالية الأمريكية.

مسموح ضمن علاقات التبعية

كانت الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة فكرة «إيران النووية»، وجرى ذلك ضمن برنامج «الذرة من أجل السلام»؛ حيث وقع شاه إيران محمد رضا بهلوي مع الرئيس الأمريكي في حينه دوايت أيزنهاور اتفاقاً لإطلاق البرنامج عام 1957، تلت ذلك مجموعة خطوات، منها: تأسيس مركز طهران للبحوث النووية 1967، وتوقيع إيران على اتفاقية NPT «معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية». وفي عام 1973 تأسست منظمة الطاقة الذرية الإيرانية (AEOI)، ووقعت عقود الاستثمار والتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أساس، بالإضافة إلى تعاون مع فرنسا وألمانيا.
وصلت طموحات الشاه إلى بناء 23 مفاعلاً نووياً في إيران لأغراض إنتاج الطاقة، وحتى الحديث عن تغيير الطبيعة السلمية إذا ما أصبحت دول الجوار تملك سلاحاً نووياً، ولم يشكل هذا الطرح مشكلة في ذلك الوقت؛ فهو من جهة يُدر أرباحاً كبيرة على الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى– والأهم- إيران بلد تابع يلعب دوراً محدوداً على المستوى العالمي. بهذا يمكننا فهم الخلاف الأمريكي مع الشاه حول «دورة كاملة للوقود النووي» داخل إيران، والتي تعني استقلال البرنامج النووي الإيراني استقلالاً تاماً، وهذا يُعارض التوجه الأمريكي الذي بدا واضحاً في الاتفاق الموقع عام 1978 والذي نصّ على حق الولايات المتحدة بإعادة وتخزين الوقود النووي المستهلك، وبالتالي ضمان استقلالية محدودة لهذا البرنامج التابع. هذا بالإضافة إلى أن إيران لم تنتج اليورانيوم المخصب لتشغيل المفاعلات، بل استوردته من الولايات المتحدة، ومعروف أنّ بلداً يمتلك مفاعلاً نووياً ولا يملك تقنيات التخصيب، هو كمن يملك سلاحاً بلا ذخيرة.

«1979 عام التحولات»

مرّ برنامج إيران النووي بالعديد من التقلبات في الفترة التي تلت الثورة الإيرانية، حيث أُلغيت العقود أو جُمدت، وأوقفت الولايات المتحدة تزويد إيران باليورانيوم المخصّب، وأدت الضربات الجوية في حرب الخليج مع العراق إلى إلحاق أضرار مهمة ببرنامج إيران النووي. كانت النتيجة بالمحصلة، هي تعطيل هذا البرنامج، وبقاؤهُ في مرحلة كمون لعدة سنوات.
حاولت إيران إيجاد مخرج عن طريق الحصول على التكنولوجيا اللازمة للتخصيب، واستكمال بناء محطات توليد الطاقة، فتعاونت مع الأرجنتين والصين وباكستان وروسيا، التي وقعت اتفاقاً مع إيران لاستكمال محطة بوشهر.
عودة العمل بالبرنامج النووي الإيراني كانت لها ارتدادات داخل الإدارة الأمريكية من جهة، وداخل الكيان الصهيوني الذي أبدى تخوفهُ من هذا البرنامج الذي قد يُمكّن إيران من امتلاك سلاح نووي من جهة أخرى، وقامت الولايات المتحدة عام 1996 بفرض عقوبات على إيران بعد أن كانت وضعتها على قائمة الإرهاب قبل عقد من ذلك التاريخ.

مطلع الألفية

مع بديات الألفية الجديدة اتهم الرئيس الأمريكي جورج بوش إيران بكونها جزءاً من «محور الشر» إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، واعتبر في تصريحات أطلقها في أواخر كانون الأول عام 2002 أن هذه الدول تسعى إلى «تقويض السلم العالمي» و«الحصول على أسلحة الدمار الشامل»، واعتبر أن «ثمن التغاضي وعدم الاكتراث سيكون كارثياً».
حاولت إيران إعطاء التطمينات حول برنامجها النووي بعد شكوك أبدتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية «IAEA»، فسمحت لها بتفتيش منشآتها. وبدأت مرحلة من المدّ والجزر، رفضت فيها إيران التنازل عن برنامجها، وأكدت على سلميته وضرورة امتلاكها لموارد طاقة بديلة، ولم تستطع الوكالة تأكيد أو نفي سلمية البرنامج النووي الذي كان يشهد تطورات دائماً، إلى أن أعلنت إيران في نيسان 2006 «نجاحها في التخصيب بنسبة 3,5% الصالحة لأغراض سلمية، والبعيدة عن الأغراض العسكرية التي تتطلب نسبة تخصيب تزيد على 90%»، وهنا أنهت الـ «IAEA» السجال ورفعت الملف إلى مجلس الأمن.

القرار 1696 وما بعد

بعد وصول الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن في 2006 صدر القرار 1696 وهو أول قرار دولي حول الموضوع، طالب إيران بالوقف الفوري لأنشطتها النووية، وتتالت القرارات– ووصلت إلى 6 قرارات من 2006 إلى 2010 - التي فرضت عقوبات شديدة على إيران لم تشمل برنامجها النووي فحسب، بل أيضاً إمدادات الأسلحة والتعاون الاقتصادي والتقني والتجارة والوصول إلى أسواق النفط العالمية، وجرى تجميد جزء من أصول إيران في الخارج، وفُرضت قيود شديدة على البنوك الإيرانية.
بطبيعة الحال لم تنحصر العقوبات بمجلس الأمن وحده، فالولايات المتحدة الأمريكية كانت فرضت عقوبات على إيران قبل مجلس الأمن واستمرت بعده، وعلى الرغم من أن تقرير «الاستخبارات الوطني» الصادر عام 2007 والذي عَبّر عن رأي 16 وكالة استخبارات أمريكية– حسب جريدة الأخبار اللبنانية- رجح توقف الأنشطة العسكرية النووية الإيرانية منذ 2003، إلا أن العقوبات استمرت واشتدت، وشملت قطاعات الطاقة والمصارف بشكل أساس. ولم تقتصر العقوبات على الشركات الإيرانية فقط، بل أيضاً الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إيران، وتضاف إلى هذه العقوبات مجموعة أخرى فرضها الاتحاد الأوروبي تندرج في السياق نفسه.
كان لهذه العقوبات آثار كبرى على إيران، فانخفض الناتج المحلي بنسبة 20%، وانخفضت العائدات النفطية حسب بعض التقديرات من 100 مليار دولار سنوياً إلى 35 ملياراً، ويقدر بأن الاقتصاد الإيراني لم يعمل سوى بحدود 70% من طاقته، هذا بالإضافة إلى الآثار الأخرى التي تُعدّ هجرة العقول من أبرزها، بالإضافة إلى اغتيالات متعددة لعلماء بارزين ضمن البرنامج النووي الإيراني.

انعكاسات «التوازن الجديد»

قرارت مجلس الأمن لم تُغلق الباب على الحل السلمي للملف النووي الإيراني، فإيران تسعى وبشكل واضح ومعلن إلى إبقاء برنامجها النووي وتصر على استقلاليته وسلميته، وترفض التراجع، وفي 2009 اعتبره الرئيس محمود أحمدي نِجَاد «حقاً للأمة الإيرانية غير قابل للنقاش»، وكذلك الأمر بالنسبة للقانون الدولي الذي يضمن لإيران ولغيرها من الدول هذا الحق شرط التزامها بعدم تصنيع السلاح النووي. إلا أن توازن القوى الدولي القديم جعل من المفاوضات تدور في دائرة مغلقة، لأن الولايات المتحدة كانت تضع شرطاً و«إن لم تعلنه دائماً»، وهو التفكيك الكامل لهذا المشروع، وكانت تضغط دائماً باتجاه أكثر المواقف تطرفاً حول هذا الملف.
لكن تغيير الميزان الدولي بدأ يتبلور بشكل واضح، وأخذ وزن الصين وروسيا يظهر بشكل أكبر، وبدأت خطوات جديدة باتجاه المفاوضات مع انتخاب حسن روحاني رئيساً وتعيينه وزير الخارجية محمد جواد ظريف «كبير مفاوضي الملف النووي».

«5+1» + إيران

انطلقت مفاوضات جمعت إيران ومجموعة 5+1 «التي تضم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن: روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى ألمانيا». ووصلت هذه المفاوضات الطويلة والشاقة إلى اتفاق مؤقت في 24 تشرين الثاني من العام 2013، تضمن الاتفاق على خطة عمل مشتركة، حيث تتعهد إيران بعدم تخصيب اليورانيوم بنسبة تزيد عن 5% وتُخفّض وتيرة تطوير برنامجها النووي، بالإضافة إلى السماح بدخول المفتشين الدوليين إلى منشآتها، وتقوم 5+1 بالرفع التدريجي للعقوبات عن إيران والإفراج عن 700 مليون دولار شهرياً من الأموال الإيرانية المجمدة في المصارف الغربية. وصفت وكالة فارس الإيرانية الاتفاق في حينه بأنه «تاريخي، ويعترف بحقّ تخصيب اليورانيوم في إيران ويحافظ على البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني بشكل كامل».
سادت أجواء إيجابية بعد توقيع الاتفاق المبدئي باستثناء الكيان الصهيوني الذي هاجم الاتفاق بعد ساعات من توقيعه، وأصدر مكتب رئيس وزرائه تصريحاً جاء فيه: أن هذا الاتفاق «اتفاق سيئ يقدم لإيران ما كانت تريده وهو: رفع جزء من العقوبات والإبقاء على جزء أساس من برنامجها النووي».

اتفاق لوزان

امتدت المفاوضات بالمجمل على 18 شهراً، وجرت اجتماعات في جنيف ولوزان وفيينا ونيويورك، وانتهت هذه المفاوضات إلى الإعلان عن الاتفاق في 2 نسيان 2015، والذي ضمن لإيران حقها في التخصيب للأغراض السلمية، وحافظ على منشآتها النووية التي تخضع لرقابة دولية دورية، مقابل رفع كافة العقوبات عن إيران وتقديم مشروع قرار جديد لمجلس الأمن. وهكذا صدر القرار 2231 في 20 تموز من العام 2015 الذي يعتمد اتفاق لوزان كمرجعية له، وينهي العمل بالقرارت السابقة المتعلقة بالملف النووي الإيراني. وكانت الآراء الدولية شديدة الإيجابية حول الاتفاق؛ فاعتبره باراك أوباما «انتصاراً للدبلوماسية» وأكد أنه يضمن عدم امتلاك إيران للسلاح النووي.
ما إن جرى التوقيع على الاتفاق حتى بدأت الصفقات مع إيران، فتوقعت الشركات البريطانية أن تصل استثماراتها إلى 600 مليار دولار خلال عشر سنوات، وجرى توقيع عقود بمجالات النقل مع إيطاليا بقيمة 5 مليارات يورو، وعقود لاستثمار النفط مع توتال الفرنسية بقيمة 4,8 مليارات دولار، هذا بالإضافة إلى عقود مع إيرباص وبوينغ؛ إذ كان المسؤولون الإيرانيون قد أعلنوا عن ضرورة استبدال 400 طائرة تجارية خلال 10 سنوات. هذا بالإضافة إلى زيادة ضخ النفط في السوق العالمية وانعكسات ذلك على الدخل الوطني الإيراني.

الانسحاب الأمريكي

لم يُعبر الاتفاق النووي الإيراني عن توجه جميع القوى ضمن الإدارة الأمريكية، واستمر الصراع حتى وصل إلى انسحاب الولايات المتحدة منه، ووقع دونالد ترامب في 8 أيار 2018 قراراً لتنفيذ هذا الانسحاب. لكن هذا التوجه الأمريكي قابله رفض دولي، وأعلنت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وروسيا والصين التزامها بهذا الاتفاق، وقدمت تعهداتها لإيران بالإيفاء بالالتزامات الموقع عليها في الاتفاق. واعتبرت الأطراف أن هذا الاتفاق اتفاق دولي وملزم لكل الدول، وأن خروج واشنطن هو خرق لقرار مجلس الأمن الأخير 2231. إلّا أن الولايات المتحدة أصرت على انسحابها، وفرضت عقوبات على إيران من جديد، الأمر الذي دفع بإيران للتهديد بالانسحاب من الاتفاق الذي نفذت التزاماتها ضمنه. وبدأت بعد هذا الولايات المتحدة بتشديد الضغوط على «شركائها» الأوروبيين، وهذا ما وضعهم في مأزق لا يمكنهم الخروج منه ببساطة؛ فالولايات المتحدة تهدد الشركات التي تتعامل مع إيران والتي تخرق العقوبات الأمريكية بالعقوبات، هذا يعني أن تعرض أبرز الشركات الأوروبية نفسها لخطر العقوبات، وهي التي يتركز جزء أساس من سوقها داخل الولايات المتحدة نفسها، وهذا ما دفع بعضها إلى التراجع عن استثمارته في إيران. لكن الوزن الصيني والروسي الاقتصادي والسياسي كان قادراً إلى الآن على سد جزء من الثغرات التي نتجت عن التردد الأوروبي.

دفع الأمور إلى نهايتها

لا بدّ لنا في الختام من تسليط الضوء على جوهر الموضوع والذي استمر عقوداً طويلة، ولا يزال يشكل أحد أكثر الملفات الدولية سخونةً. في البداية، الخلاف الدولي مع إيران ناتج في جوهره عن إرداة وقدرة إيران بالمعنى الجيوسياسي على لعب دور دولي «ليس مسموحاً بالنسبة للدول الطرفية». فإيران استطاعت وضع ملامح جديدة بالمعنى الدولي قائمةً بشكل أساس على كسر التبادل اللامتكافئ بين دول المركز الرأسمالي ودول الأطرف؛ فإيران حصلت في «لوزان» على أول اعتراف دولي بحق دول الأطراف بالمضي باتجاه استقلالها الحقيقي وتأمين موارد الطاقة التي تخولها القيام بنهضة اقتصادية كبرى، وتمكنها من حجز «إطلالة دولية».
في السياق نفسه، فإنّ الطاقة النووية، ورغم كونها طاقة تقليدية ضمن التصنيف العلمي، أي: أنها غير متجددة، وتشترك في صفتها هذه مع النفط والغاز، إلا أن لها ميزة نوعية عنهما، وهي لا مركزيتها؛ بمعنى أنّ من يتمكن من الاستقلال بطاقته عن الاعتماد الكامل أو الأساس على النفط، يستطيع أن ينأى ببلاده عن الطبيعة الممركزة حالياً لتجارة الطاقة، والمرتبطة مباشرة بعاملين يلعبان في صالح الغرب حتى اللحظة: الدولار كعملة لتسعير النفط، والطرق البحرية كممر أساسي لتجارة النفط.
هذا في تقديرنا هو مفصل الصراع داخل الإدارة الأمريكية؛ بالمعنى القريب، فإن الانسحاب من الاتفاق وإبقاء الوضع في إيران وحولها متوتراً، يُؤمن قدراً من الإعاقة لمشروع الحزام والطريق، ولاستكمال استقلال الشرق عن المنظومة الغربية. بالمعنى الإستراتيجي، فإنّ هذا الاتفاق يُشكل اعترافاً رسمياً بالتراجع الأمريكي، ويفتح الباب على حل كل الملفات العالقة في العالم بالطريقة نفسها، أو بطرق تشبهها، ولكن ضمن المنطق العام نفسه. لذلك كانت المناورة الأمريكية المحكومة بالفشل، والتي لم تعرقل بل سرعت التحولات الدولية الكبرى، فاليوم تظهر المصالح الأمريكية في تناقض مع المصالح الدولية بما فيها الاتحاد الأوروبي، الذي يرى في علاقاته مع إيران مصلحة حقيقية. وهذا يعني انتقال «حلفاء» الولايات المتحدة الأمريكية والأوروبيين التدريجي إلى مواجهة ستدفع الاتحاد الأوروبي إلى صياغة البدائل، فهم اليوم يجلسون مع «أعدائهم» على الطاولة نفسها، يستمعون إلى المخارج التي يقدمها «الشرق الصاعد» والتي تشكل مخرجاً للأوروبيين أيضاً، وتضع حداً لأدوات الهيمنة الأمريكية كالدولار والمنظومة المصرفية العالمية- الأمريكية التي باتت تُقيّد تحركات معظم الدول اليوم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
927
آخر تعديل على الإثنين, 19 آب/أغسطس 2019 15:06