_
الولايات المتحدة والأرض بين عالمين!
يزن بوظو يزن بوظو

الولايات المتحدة والأرض بين عالمين!

تستمر الخلافات والصراعات الدولية بشكلها الجديد، عبر: تصريحات نارية خُلّبية من واشنطن، وتقدّم شبه صامت من روسيا والصين، إلى ضجيج الخلافات الأوروبية- الأمريكية، فتغيّرات في بُنى سياسات بقية دول العالم وملفاتها المختلفة... لتشكل بجملتها من بعيد صورة مرحلة المخاض هذه، بين العالم القديم المهترئ، والجديد الناشئ من رحمه.

أمريكا وروسيا
لا يأتي يومٌ إلا ويحتوي عشرات التصريحات الأمريكية الرسمية منها، وغير الرسمية- المهاجمة لروسيا، بدءاً من الأمن الأمريكي وليس انتهاءً بالملفات الدولية المفتوحة جميعها، وصولاً إلى قطب الكرة الأرضية أخيراً! فقد تحدث «مايك بومبيو» وزير الخارجية الأمريكي، عن قلق الولايات المتحدة من «مطامع» روسيا في القطب الشمالي، وخططها المتعلقة بالتعاون مع الصين هناك، فيما يتعلق بـ«طريق الحرير البحري» واصفاً إياها بأنها «عدوانية». وهو محقّ بمخاوف واشنطن تلك، فأيّ عالمٍ جديدٍ هذا يتربص بها، فلا يسمح لها ولغيرها باستمرار الابتزاز والنهب؟ لكن وبعد أيام قليلة يُصرّح دونالد ترامب بأنه لا يريد تسمية روسيا بـ«العدوّ»، بل ينوي تسوية العلاقات مع كل من موسكو وبكين! ويتبعه تصريح من واشنطن بأن بومبيو سيلتقي الرئيس الروسي بوتين ووزير خارجيتها لافروف الثلاثاء المقبل في سوتشي، لبحث كُل من ملفات: «سورية وإيران وأوكرانيا وكوريا وفنزويلا» دفعةً واحدة، ثُم وبعد يومين يجري رفض من قبل السلطات الأمريكية عن إصدار تأشيرات دخول لأعضاء وفد روسي لإعداد مؤتمر حول معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية... أيّ عجز وتخبّط هذا؟ إلا أنه ليس بجديد، بحكم الانقسام الأمريكي نفسه.
أمريكا والصين
بالمثل أيضاً حول الصين، من العقوبات إلى الضرائب إلى رسوم جمركية ومنع في الولايات المتحدة وخارجها على البضائع الصينية، انتهاءً باندلاع الحرب التجارية الصينية- الأمريكية التي يبدو ترامب أنه يسعى جاهداً لإنهائها بأفضل الشروط الممكنة رُغم «الجعجعة الإعلامية» بفرض رسوم جمركية إضافية على السلع الصينية. فمشروع طريق الحرير الصيني الذي يتقدم على الدوام يشكّل التهديد الاقتصادي الأقسى على واشنطن، فلا دولار ولا هيمنة به، فيسعى ترامب إلى تحصيل أكبر نفعٍ واستثمارٍ اقتصادي بشكلٍ لحظيّ ومتغيّر تبعاً للظروف، فبلحظة يدفع بحرب تجارية، وبلحظة أخرى يسعى لإنهائها.
أمريكا وترويكا آستانا
لهذه الترويكا بمجموعها منظومة مخاوف خاصة لدى واشنطن، فهذه الظاهرة لم تكن لسورية وحدها ولن تتوقف عندها، فكما أشير بأعداد سابقة: آستانا تُمثل نواة منظومة إقليمية ناشئة ومبنية كُلياً على هيئة التوازن الدولي الجديد بلا واشنطن وسياساتها، وهي بدورها كظاهرة ولدت في منطقتنا، ستولّد غيرها في مناطق أخرى: قوى إقليمية متحالفة وفقاً لسياسات الفضاء الجديد، في أقصى الشرق حول الكوريتين، إلى القارة الإفريقية، وليس انتهاءً بأمريكا اللاتينية وفنزويلا، مهماتها ومصالحها ستدفع بطبيعة الحال إلى تقليص النفوذ الأمريكي وحلفائه وصولاً لطرده تماماً، لمعالجة الملفات الساخنة والمحافظة على استقرارها. مما يجعل الولايات المتحدة تسعى جاهدةً لمحاولة كسر علاقة ترويكا آستانا هذه، عبر تعظيم الصراعات مع أعضائها، سواء بما ذكر في البداية مع روسيا، أو العقوبات الاقتصادية على تركيا جراء شرائها «إس 400»، أو عرقلة الاتفاق النووي الإيراني وليس انتهاء بإدامة الأزمة في سورية وتعقيد الأوضاع فيها.
أمريكا وأوروبا
الاتحاد الأوروبي، حليف واشنطن التاريخي، راح يتجه أيضاً بطريق آخر مستقل في محاولة النجاة من فترة المخاض هذه، عبر إبرام اتفاقات اقتصادية مع روسيا والصين فيما يخصّ «السيل الشمالي 2» وطريق الحرير الصيني، والتقارب السياسي رغم «خجله وحذره» الآن فيما بينهم أيضاً، لتطفو سريعاً الخلاقات الأوروبية- الأمريكية سياسياً ودبلوماسياً مع دول الاتحاد وحلف الناتو في الفترة السابقة، والتي بلغت ذروتها قبيل تهديد واشنطن بانسحابها من «معاهدة الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى» ودفعها بمسألة «بريكست» لتبتزّ حليفها الأوروبي من خلالهم و«تشتري صمته» منذ ذلك الحين حتى الآن، فلا مسألة المعاهدة باتت متداولة ولا الخلافات بعينها تخرج «إعلامياً»، إلا أنها تتعمق وتشتد أكثر، حيث يُمكن رصدها في مختلف المؤتمرات الدولية والإقليمية الجارية، عبر تعارض المواقف فيما بين الأوروبيين والأمريكيين رغم انعدام المواجهة والاستفزاز المباشر فيما بينهم. فالأوروبيون اليوم يسعون لتوطيد كيان ووزنٍ خاصّ بهم يسمح لهم بالوجود والاستمرار مستقبلاً، أيّ: مُنافس آخر بالنسبة للأمريكيين كما يراه ترامب بمعادلات «البزنس».
أمريكا والعالم
أخيراً، لا تخلو بقعة في الأرض بطبيعة الحال من تواجد ونفوذ أمريكي فيها بهذا الشكل أو ذاك، وتسعى فيما تسعى إليه: إلى تحريك كل نفوذها وجميع أدواتها في هذه الأرض دفعةً واحدة، وفي كل الملفات في مواجهة العالم الجديد كله، في كوريا وبورما والهند وباكستان وسورية وفلسطين وإيران وتركيا والسودان والجزائر وليبيا وأوكرانيا وفنزويلا والقطب الشمالي وإلخ... فأيّة هستيريا هذه؟ إنّ الولايات المتحدة الأمريكية وفي عزّ جبروتها في النصف الثاني من القرن الماضي لم تخطُ مثل هذه الخطا، ولم تستطع كسر الشرق و«احتلاله» كما أرادت على الدوام، بحكم الوقائع الموضوعية التي لا يمكن القفز فوقها، فكيف الآن، بفترة ضعفها وتراجعها؟ هزيمة في سورية وأخرى في تركيا بمحاولة الانقلاب الفاشلة قبل سنتين، وأخرى في أوكرانيا، والقرم التي عادت لروسيا، واحتواء الحرب الهندية- الباكستانية بغير مصلحة واشنطن، وأخيراً: هزيمتها في فنزويلا بعد محاولة انقلاب فاشلة أيضاً، وهزائم أمريكية مُقبلة مستقبلاً أيضاً، كل هذا يوضّح «خُلّبية» تصريحات واشنطن النارية في هذه الفترات، ويوضّح من بعيد تماوت ذاك العالم القديم و«قلّة حيلته» في مواجهة الجديد.
أمريكا، هل من أمريكا بعد؟
مع كُل هذا التخبّط والتقهقر، سياسياً على الأقل دوناً عن الاقتصاد والقوة العسكرية، أيّ أمريكا ستبقى بعد انتهاء المخاض الحالي بموت العالم القديم ذاك؟ ليس ضرباً من الخيال بأن نقول حقيقةً: أنه لا يمكن التنبؤ أساساً إذا كانت ستسمر ولاياتها «ولايات متحدة» من عدمها، فرغم كُل هذه الملفات والمواجهات والصراعات والحروب إلا أن الذّروة، والتّحول النوعي بعد كل التراكمات بالنسبة لها، لم يأتِ بعد، ولا تزال «فقاعة الدولار» منتظرة لحظة انفجارها، ولا يزال الانقسام الداخلي فيها في مرحلة من السيطرة وبوجود إمكانية لعقد تفاهمات ومهادنات بين طرفيه، لكن اشتداد الأزمة والتراجع كفيل بتعميقه وصولاً إلى تلك اللحظة التي لا يمكن التوفيق فيها بين متناقضين بعد...

معلومات إضافية

العدد رقم:
913