_
جهاد أسعد محمد جهاد أسعد محمد

الجولة الأولى تنتهي.. وما تزال الحرب في بدايتها.. والقادم أخطر!

سيتذكر العدو الصهيوني طوال السنوات القليلة المتبقية من عمر كيانه العنصري الأيام العصيبة التي عاشها بين 12تموز و14 آب 2006، ولن ينسى قادته العسكريون والسياسيون وجنوده ومستوطنوه أن بداية نهاية مشروعهم الأسطوري التوراتي العنصري أطلقها وفتحها وكرسها بالدم مقاومون بواسل آلوا على أنفسهم أن يضعوا حداً للغطرسة الإمبريالية الأمريكية وللجنون الصهيوني المتوحش الذي ما انفك طوال أكثر من نصف قرن، يغتصب الأرض ويهزم الجيوش ويستبيح الحرمات ويرتكب المجازر، محاولاً دفع الشعوب العربية إلى اليأس والخنوع والقبول بالذل كأمر مقدر لا مفر منه ولا راد له..

عملية «الوعد الصادق» الانعطافية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، والتي وصفها المتخاذلون والخانعون والعملاء بالمغامرة، بدأت بصمت حليم ومقتدر دقيقةً وجريئةً وصاعقةً في الثاني عشر من تموز، وآزرها على مدى أكثر من شهر بعد أن شرع الصهاينة تذرعاً بها برد انتقامي حاقد، صمود يصل إلى درجة الإعجاز أظهره محاربون وحاضنون أثبت من الجبال وأمتن الفولاذ، وحنكة ومهارة في إدارة المعركة والتحكم بها من قيادة شفافة ملتصقة بقواعدها روحاً وقلباً وعقلاً وسلوكاً وظروفاً، توّجها في (نهاية البداية) نصر عسكري ساطع اعترف به الأعداء داخل لبنان وخارجه رغماً عن أنوفهم التي فقدت كل الأنفة، ولكن غاب عنها غياب شبه مطلق أي تثمير سياسي وطني أو قومي من شأنه رفع الضغط الإمبريالي المعولم عن شعوب المنطقة، وذلك بسبب هيمنة نخبة سياسية متخاذلة على القرار السياسي العربي.. ومع هذا فإن النصر سطع على وجوه الشعوب التي استعادت جزءاً كبيراً من ثقتها بنفسها وبقدراتها..
في هذا الإطار من الضروري التنبه إلى أن هذا النصر على أهميته، ما هو دون أدنى شك إلا تتويج لجولة أولى رابحة في حرب طويلة ومضنية، ستستمر إلى أبعد مما يعتقد أصحاب النفس القصير أو معدومو النفس، فانطلاقاً من الفهم الواعي للمشروع الأمريكي – الصهيوني في العالم عموماً وفي المنطقة خصوصاً، والساعي إلى التفتيت والهيمنة وفرض مفاهيم ورؤى وسياسات معولمة تعيد إنتاج الوعي العام لشعوب المنطقة فكرياً وثقافياً واقتصادياً – اجتماعياً وسياسياً، فإن الجولات القادمة من الحرب ستكون أكثر شراسة ووحشية، وأكثر اتساعاً وتشظياً ووطأة، وهي قريبة ووشيكة، وسيكون لها بالتأكيد أكثر من حربة في الاتجاه والمضمون وفي الشكل، وقد أخذت معالمها تظهر فعلياً قبل توقف (الأعمال الحربية) في لبنان، ومؤشرات ذلك تكمن أولاً في توسيع الهجوم السياسي، الدولي والعربي والمحلي، على المقاومة وسلاحها وما يرافقه من تصعيد التهديدات تجاه سورية وإيران والشعب الفلسطيني، وثانياً في طبيعة الخطاب الأوامري القاسي الذي راح الأمريكان والصهاينة يوجهونه لرؤوس الأنظمة العميلة في المنطقة بشكل مستتر حيناً وبشكل علني في معظم الأحيان، بما فيه من وعيد وإصرار على تنفيذ أجندات محددة ضد شعوبهم وقواها السياسية والشعبية، وثالثاً في الاستمرار بتسعير وتكريس النزعات الطائفية والعرقية أكثر فأكثر بالإضافة للبنان والعراق، في مصر وفي السودان والصومال وغيرها..
إن الهزيمة العسكرية المؤلمة التي تعرض لها الجيش الصهيوني ومن خلفه الداعم الأمريكي في لبنان، عرقلت إلى حد كبير مخطط الشرق الأوسط الكبير أو (الجديد) المطروح لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً وديمغرافياً وذهنياً، وهذا وإن كان يعد إنجازاً كبيراً لصالح شعوب ومجتمعات المنطقة، إلا أنه سيدفع القائمين على هذا المشروع صهاينة وأمريكان متصهينين إلى توجيه حربة عدوانهم باتجاه هدف جديد، وهو بناء على الإحداثيات السياسية والمعطيات والمؤشرات العسكرية والإعلامية غالباً ما سيكون سورية، وهذا ما يجب أن يؤخذ جدياً بعين الاعتبار في بلدنا على المستويين الرسمي والشعبي، ناهيك عن وجوب التهيؤ والاستعداد له عسكرياً وخططياً.
وقد أكد رئيس الجمهورية د. بشار الأسد في خطابه الأخير بعيد وقف العمليات الحربية في لبنان أن: « المقاومة بأشكالها المختلفة هي البديل من أجل استعادة الحقوق.. والمقاومة ليست بالضرورة أن تكون فقط مقاومة مسلحة.. وإنما ثقافية وسياسية وممانعة..»
كما رد على بعض حكام العرب الذين وصفوا الفعل المقاوم بـ«المغامرة» قائلاً:
«إذا كان المقاومون مغامرين، فهل نستطيع أن نقول إن يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش والخراط وإبراهيم هنانو والشيخ صالح العلي.. هؤلاء مغامرون... هل سعد زغلول في مصر وسليمان الحلبي الذي قتل كليبر في مصر أيضا، وهو سوري، وجول جمال الذي فجر نفسه وكان أول استشهادي في المنطقة العربية بإحدى السفن الفرنسية.. أيضا هو من سورية.. هل كل هؤلاء مغامرون..».
إذاً، ما دمنا في طور الحديث عن الاستعداد لمواجهة العدوان، فإنه من نافل القول التأكيد أن أهم ما يجب عمله في هذا الإطار على المستوى الداخلي، هو الالتفات إلى الجماهير ومطالبها وضرب رموز ومواقع الفساد، والتوجه السريع نحو بناء اقتصاد مواجهة، والعمل على بث وتكريس ثقافة المقاومة عبر الإعلام وفي المحافل والمنابر السياسية والشعبية، حتى نستطيع، بالحد الأدنى، الصمود والثبات في لحظة المواجهة القريبة القادمة لا محالة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
279