التدخل العسكري في السودان بات قاب قوسين أو أدنى الولايات المتحدة ترسم محاور جديدة وتغلق الدائرة

لم يتجاوز الأمر واقع أزمة أهلية غرب السودان، لكن الأمر تطور بشكل لافت وسريع، فمن تلميحات إلى ضبط النفس، إلى تلميحات للحؤول دون تطور الأوضاع، تتحول إلى واقع بات قريباً يحكي صراحة عن تدخل عسكري في السودان. الخرطوم ترد على ذلك بحزم وقوة، لترتفع نبرة وحدة الأوامر الأمريكية والإيعازات بشأن جنوب وغرب السودان. ويبدو أن التدخل العسكري في السودان بات قاب قوسين أو أدنى، ويرفع لواء هذا التدخل كل من الولايات المتحدة الأمريكية إنكلترا، أستراليا، وتهمس بذلك بعض الدول الأوربية الأخرى.

وفقاً للكثير من المراقبين والمحللين السياسيين الغربيين سمي هذا التدخل: بالتدخل «الأبيض» البعيد عن الشبهات، نتيجة لبعد السودان «الافتراضي» عن المشروع والخط الأمريكي في المنطقة، إلاّ أن بحثاً دقيقاً وتمحيصاً في المعطيات التي بين يدينا يؤدي إلى أن التدخل الغربي القادم إلى السودان مهما كان لبوسه، عسكرياً مباشراً أم غير مباشر، ليس إلاّ تدخلاً ملوثاً، يصب في الرسم الأمريكي الجديد لمخططات المنطقة.

السودان والمشروع النيوليبرالي في مصر

وبالنظر بشكل أكثر شمولية إلى المنطقة، يبدو من الواضح أن أميركا بدأت بالعمل على توسيع دائرة عملها خارج المحيط الذي اشتغلت عليه سابقاً، كاسرة بذلك الكثير من التوقعات التي رسمها المحللون السياسيون، فخرقت محور أوروآسيا الذي رسمته سابقاً، لتدخل في اتجاه جديد. وعلى الرغم من ذلك فإن التحرك الأمريكي باتجاه السودان يبدو نتيجة منطقية لتغيير الأحداث الجاري في جارتها القريبة مصر. 

فمع وصول المشروع النيولبرالي في مصر إلى طريق مسدود، بات إيجاد حل بالنسبة لمصر حتمياً. فبعد البدايات المشوهة والمبكرة للمشروع النيو ليبرالي مع أنور السادات، ومحاولات إنقاذه المستمرة خلال العقدين اللاحقين، لم تستطع القوى المرتبطة بأميركا أن تصل إلى أي نتيجة. فوصل السكين إلى حبل الوريد، بين جهاز الدولة المحيط بالرئيس مبارك، والمتواطئ مع الرأسمال العالمي، وبين جهاز الإدارة العسكرية المسيطر، مما سرع الاصطدام، وأدى إلى فشل المشروع الأمريكي في هذا الاتجاه.

إلاّ أن الأهمية الجيوسياسية لمصر في المنطقة، وضع أميركا على المحك فأي تغيير طارئ في هذا البلد سيقلب الطاولة على الأمريكيين، مما حدا بالأمريكيين لتسريع مخططاتهم، ولم يعد أمامهم إلا أن يحتاطوا بمحاصرة مصر من العمق وهو السودان. ليستمر مشروعهم عن طريق الضغط الذي يمتد من منبع النيل، وواديه. 

ولم تكن القضية السودانية هي البداية، فكانت قضايا توزيع مياه النيل، المتجددة، والتي كانت تترافق دوماً مع القرارات واستحقاقات هامة يتوجب على مصر أن تتخذها، فكانت قضايا الماء تتخذ ذريعة أو وسيلة للضغط، واستمرت على طول الخط مع مجموعة من القضايا الحدودية، التي كانت تثار بين حين وآخر ويلوح بها من بعيد، ليأتي السودان كخاتمة لهذه الأحداث، وبذلك تغلق أميركا الدائرة وتتضح الصورة رغم إرادة الأمريكيين «إيران-العراق-السعودية-سورية-مصر». 

إلاّ أنه في تحرك الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الاتجاه ثقة كبيرة، معتقدة أنها تمسك بكافة الخيوط، وأن برمجتها ستسير وفقاً لمخططاتها، تدير كفة المركب كما تريد، إلاّ أن ما يجب التذكر به دوماً هو أن أميركا تنسى دوماً اللاعب الرئيسي في حركتها، وهو الشعوب، التي لا يستطيع أي برنامج أن يؤتمته أو يقوده إلى ما لا يريده.

جذور أحداث غرب السودان والأيدي الخفية

يعتبر غرب السودان منطقة غنية بالمعادن، وأرضاً عذراء لم تطأها أقدام منقبي البترول بعد، كما أن لهذه المنطقة الحدودية جذوراً ضاربة في القدم من جهة الصراعات على الحدود تتعدى الأمور القبلية والعشائرية، فقد كانت موضع نزاع من جهة الاستعمار القديم وتستمر إلى يومنا هذا ويتجلى بوضوح في الموقف السلبي الذي تتخذه فرنسا من التدخل العسكري الأنجلوأمريكي في السودان لأنه بذلك سيتهدد أمن تشاد الغنية بدورها بالمعادن واليورانيوم، والتي تقوم بحمايتها منذ أيام الاستعمار القديم.

تختلف طبيعة أحداث غرب السودان، عن تلك التي تدور في جنوبه، فالبعد الديني الذي اتخذته أحداث الجنوب المستمرة منذ أعوام طويلة، غائب في أحداث «دار فور» وإن كان المحرض واحداً. 

منذ شباط 2003 تطورت الأوضاع في تلك المقاطعات الثلاثة من دارفور«غرب السودان»، من صراعات قبلية وسمت حياة دارفور لعقدين من الزمن إلى حرب أهلية.

أما كيف تحولت هذه الصراعات إلى حرب أهلية؟ فهنا يكمن السؤال؟ فقبل عام 2000 لم يحدث أي تغير في نظرة العالم إلى الاقتتال الدائر في هذه المنطقة، بل بقي على أساس قبلي تاريخي، حتى قام مكتب الديموقراطية والمساعدة الإنسانية في الصراعات التابع «للوكالة الأمريكية للتنمية العالمية»، بتسليط الأضواء على هذه المنطقة من العالم لأول مرة، لتختفي هذه القضية من على الساحة، لتتبعها قبيل اشتداد الأوضاع في السودان بمجموعة من الأخبار المضخمة، أتبعتها بسيناريو في بداية عام 2004 يقول إن عدد القتلى يمكن أن يصل إلى 350 ألف في نهاية 2004 جراء المرض والحرب. وفوق هذا فإن أكثر من مليون تم تهجيرهم من قراهم ومزارعهم في عملية تطهير عرقي تهدف إلى تطهير غرب السودان من السود غير العرب. وبذلك تم تحويل الصراع من صراع قبلي إلى صراع ديني.. 

وتتم الإضاءة كاملة في آذار 2004، عشية الذكرى السنوية العاشرة للإبادة الجماعية التي وقعت في رواندا، فقررت الوكالات التابعة للأمم المتحدة إدانة التطهير العرقي الحالي في دارفور، وطرح الأمين العام كوفي أنان إمكانية تدخل دولي مسلح.

«دار فور»

تأخذ دارفور اسمها من الفور، وهم جماعة عرقية من الفلاحين الأفارقة يعيشون في جبال مارا في السهول الوسطى لغرب السودان. وقد كانوا يسيطرون على مملكة ظلت مستقلة فترة طويلة قبل أن يؤدي تقسيم الاستعمار القديم إلى ضمها إلى السودان عام 1916. يقسم الإقليم اليوم إلى شمال وجنوب وغرب دارفور. القسم الشمالي صحراوي يقطنه مربو الجمال من البدو. في حين تعيش في المناطق الجنوبية والوسطى القبائل الرعوية إلى جانب الفلاحين حيث يشتبكون على نحو منتظم ولاسيما حين تبخل السماء بالمطر. دارفور أرض للكثير من القبائل، كلها مسلمة، القليل منها فقط يتكلم العربية كلغة أصلية. القبائل العربية هناك تعمل في تربية الماشية في الشمال والبقر في الجنوب. بعض القبائل الإفريقية رعوية في حين أن معظمها من الفلاحين. ثمة تاريخ من الصراع في دارفور بين الرعاة الذين يريدون الماء والمرعى، والفلاحين الذين يريدون حماية حقولهم وممتلكاتهم الهزيلة. وقد تفاقم الصراع على الماء والمكان بفعل الانفجار السكاني. وابتدأت تتداعى آلية ضبط الصراع، القائمة على التزام البدو بالطرق الشمالية-الجنوبية وبفترات محددة لهجرة الماشية، في أواسط الثمانينات جراء الجفاف الشديد والمجاعة.

ومنذئذٍ، ألمت الأزمة بدارفور. وبالرغم من وجود سياسيين من الإقليم في الخرطوم، فإن مأزقها لا يني يسوء. فبين عامي 1985 و1988، كان الاقتتال قائماً بين الفور وجيرانهم من التشاديين. كما كانوا في صراع ضد غارات كانت تقوم بها جماعة مقاتلة من ليبيا. كان من الممكن لهذا الصراع أن يكون مجرد ذروة من العنف قاد إليها الجفاف، ولكنها في الواقع كانت علامة شؤم تنذر بأشياء أسوأ قادمة. لولا تدخلات كثيرة قام بها الإنكليز على امتداد القرن المنصرم، في إثارة النعرات الطائفية والإقليمية، وصولاً إلى الأمريكيين وحضورهم المتجدد في القرن الإفريقي وامتداده. 

خلال التسعينات جرت صراعات عديدة في أقاليم دارفور. وبرزت فرقة الجنجويد، وهي الميليشيا العربية. استطاعت أن تقوى وتحصل على البنادق الهجومية محل الرماح والسيوف عن طريق الكثير من المنافذ كان أبرزها مجموعة من تجار السلاح الغربيين. وكان العام 2001 كغيره من جهة الاقتتال الدائر هناك لكن آلة الإعلام الغربية بدأت عملها هناك، ليتم تشخيص المشكلة على أنها محاولة تطهير عرقي منظم تقوم به القبائل العربية. وفي العام 2003 عقدت هدنة قصيرة لم تستمر طويلاً حتى تتوقف تماماً في 16 كانون أول 2003، لتندلع الحرب في كل أرجاء دارفور. 

الحلول الأنغلوأمركية:

ولإضفاء النكهة الطائفية وتقسيم الصراع إلى شكل ديني، يؤمن استمراريته وقتاً أطول، تبعاً لطبيعة المنطقة السوسيولوجية، فقد قامت في الـ9 من حزيران 2004 مجموعة (Pax Christi International)، بعرض إعلانها بعنوان احموا الناس في دارفور! ناشدت فيه الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي أن تساعد السودان على الابتعاد عن شفا الهاوية من خلال تطبيق الإجراءات التالية:

1. حظر بيع الأسلحة للسودان بقرار من الأمم المتحدة

2. توسيع تفويض بعثة مراقبي الاتحاد الإفريقي لتشمل حقوق الإنسان

3. زيادة عدد المراقبين ليشمل مراقبي حقوق إنسان من أمريكا وأوربا

4. كشف ونشر ملائمين لأعمال بعثة مراقبي الاتحاد الإفريقي

5. تصديق السودان على محكمة الجرائم الدولية

6. تشكيل بعثة تابعة للأمم المتحدة مهمتها نقل وتوثيق جرائم الحرب والجرائم المضادة للإنسانية تمهيداً للمحاكمة

إن ما يحدث الآن يذكر بأفعال الإبادة الجماعية السابقة التي بدأت تتوضح بشكل أكبر. بهذا المعنى فإن ما يجري في دارفور يوقظ الكثير من المشاكل المعلقة من القرن الماضي، والتي يروح اليوم ضحيتها شعوب كاملة من أجل مكاسب سياسية أو من أجل خطوط ومكاسب اقتصادية.

ملاجئ النازحين:

■ معسكر أبو شوك للنازحين في الفاشر يقيم فيه حوالي 43 ألف نازح.

■ معسكر للنازحين في الجنينة فيه حوالي 54,218 نازح.

■ معسكر كلمي للنازحين في نيالا فيه حوالي 30 ألف نازح.

مشاكل الملاجئ

● الغذاء مشكلة في بعض المعسكرات الآن وستزيد المشكلة مع فشل الخريف القادم والمليون وزيادة الذي هجر زراعته.

● تسجيل النازحين ومشاكل ضبط التسجيل مع رغبة بعض سكان المدينة في الاستفادة من الخدمات.

● بعض النازحين يدخلون المدينة ولا يحصلون على الخدمات.

● الوقود مشكلة رئيسية تؤدي إلى انهيار البيئة مع القطع العشوائي للأشجار.

● بعض المعسكرات (خاصة الجنينة) تعاني من انعدام الأمن حتى داخل المعسكرات حيث يتم نهب الأجهزة الكهربائية والبهائم، كما يتم الاعتداء على المحتطبين بقتل أو ضرب الرجال واغتصاب النساء أو إيذائهن من قوات الجنجويد.

● بعضها يعاني مشاكل صرف صحي كبيرة خاصة معسكرات نيالا حيث يعيش النازحون في حالة «ميعة» حتى قبل هطول الخريف بجدية.

● ازدياد نبرة الكراهية العنصرية.

● انعدام الأمن في بعض المعسكرات، خاصة في الجنينة، حيث يتعرض الرجال للضرب والقتل والنساء للاغتصاب إبان الاحتطاب.

معسكر أبو شوك بالفاشر

تمت زيارة المعسكر ظهر 23 حزيران 2004م، في ولاية شمال دارفور حيث يوجد 11 معسكراً، فيها حوالي 339 ألف نازح، ثلاثة منها معسكرات كبيرة تحوي 120 ألف نازح منها معسكر أبو شوك الذي يحتوي على 43 ألف نازح.

أكد الوالي للوفد أن مخزون المعسكر من الدواء والغذاء الآن كاف، ولكن الغذاء سيواجه المعسكر مشكلة بعد نهاية شهر تموز خاصة بعد الخريف. وأن المعسكرات مغطاة تماما بshelter (وهو غالبا في وحدات المأوى من مشمعات البلاستيك). وأنهم وزعوا التقاوي للأحياء. وأن أول الهموم الآن إرجاع النازحين ليلحقوا الخريف وذلك عبر تأمينهم تأمينا كاملا.

بعد زيارة المعسكر تأكد للوفد أن هنالك حالات سوء التغذية والإسهالات بين الأطفال كما توجد حالات حصبة وأن الوضع الصحي ليس مطمئنا تماما.

أما الغذاء فحسب إفادات المسؤولين من برنامج الغذاء العالمي أن البرنامج WFP يمد المعسكر بأكثر من 70% من مخزونه للغذاء، وأن النسبة الباقية تشكل فجوة يجب أن تملأها المساهمات الحكومية والوطنية والعالمية المختلفة، كما أكدوا على كلام الوالي من أن المخزون الموجود يكفي لشهر فقط من الآن.

وفي المعسكر اطلع الوفد على الاستعدادات لبدء العام الدراسي وتفقد المباني المصنوعة من المواد المحلية التي أعدتها اليونسيف لذلك الغرض.

كما شاهد مئات النازحات يقفن لاستلام حصتهن الشهرية في صفوف مكدسة، إذ يتم صرف المؤونة للنازحين مرة كل شهر بإعطائهم حصتهم من الزيت والقمح والعدس.

معسكر أردمتا بالجنينة

وصلنا معسكر النازحين بالجنينة الساعة 30:11 صباح يوم 24 حزيران 2004م. هنالك 8 معسكرات داخل الجنينة فيها قبائل متعددة. الأكل تمد به المنظمات الطوعية أهمها WFP. الماء وإصحاح البيئة الآبار الصحية Unicef. المأوى shelter تمد بد NFI. الجانب الحكومي يمد بالمعلمين والعاملين.

المشروع الحكومي لمعالجة المياه الحكومة و Unicef

54.218 ألف جملة المعسكرات. هذا العدد بدأ يتزامن على مراحل، منذ شهر 2003م. 

لماذا أتوا؟: الصراع الدائر وانعدام الأمن. 

سياسة الحكومة الآن إعادتهم للقرى. هنالك خطة لإعادتهم قبل الخريف. فقد أتى وفد وزاري برئاسة وزير الداخلية عبد الرحيم محمد حسين لإعادتهم قبل نهاية الشهر. 

 

بالمعسكر 160 شيخاً (النازحون يسكنون طبقا لإداراتهم وشيوخهم).

معلومات إضافية

العدد رقم:
226