إياد الجعفري – سيريا نيوز إياد الجعفري – سيريا نيوز

قراءة عميقة في أبعاد المواجهة الدائرة في لبنان وآفاقها المتوقعة.. حرب طويلة، متدرجة ومتدحرجة وفاصلة المقاومة حددت تاريخ بدء المعركة لأنها كانت تتوقعها

أجرت (سيريا نيوز) لقاء مطولاً مع د. قدري جميل تحت عنوان:«قراءة عميقة في أبعاد المواجهة الدائرة في لبنان وآفاقها المتوقعة..» الذي أسهب من خلال رده على الأسئلة في الحديث عن المخططات الأمريكية – الصهيونية في المنطقة والعالم، ومن جملة ما أكده د. قدري في هذا اللقاء أن «حزب الله حاول تحديد تاريخ لبداية المعركة، وعدم انتظار تاريخ أمريكي إسرائيلي لها»..

هذا اللقاء تم في 19/7/2006 أي قبل الرسالة المتلفزة التي خاطب بها السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله الجماهير العربية عبر تلفزيون المنار في الخامس والعشرين من الشهر ذاته، والتي تحدث من خلالها عن معلومات تسربت إلى قيادة حزب الله تفيد بأن الأمريكان والصهاينة كانوا يستعدون لشن حرب عدوانية خاطفة على لبنان في أواخر أيلول أو في بداية تشرين الأول 2006 للإجهاز على المقاومة، فجاءت عملية «الوعد الصادق» بمثابة خطوة استباقية لها جردت المعتدين من عنصر المفاجأة، عبر امتلاك المقاومين زمام المبادرة والمباغتة الذي أربك كل من الإدارة الأمريكية وحكومة وجيش الاحتلال الصهيوني..

ومن الجدير ذكره أن د. قدري جميل كان قد حذر في إحدى الندوات التي جرت العام الماضي 2005 والتي غطتها ونشرتها الزميلة «سيريا نيوز» في 27/4/2005، من حرب عدوانية كبيرة ستشنها إدارة الصقور الأمريكية (المحكومة بالحرب) بالتعاون مع ربيبتها الصهيونية في عام 2006 بغية تغيير وجه المنطقة وتفتيت بنى الدول والمجتمعات فيها، إذ قال د. قدري وقتها حرفياً: «إن واشنطن لا بد أنها مقبلة على حرب جديدة في العام 2006, فالأرقام المعبرة عن أوضاع الميزانية الأمريكية تؤكد تأزم الوضع من جديد مما يعني أن واشنطن بحاجة إلى حرب جديدة, وهذا معنى عبارة (أمريكا محكومة بالحرب)».

وفي العموم فإن اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين ظلت تنبه من المخططات الصهيونية والمشاريع الإمبريالية الأمريكية الجديدة، وتحذر منها في جميع وثائقها في السنوات الخمس الماضية، الأمر الذي ما فتئ يؤكد صوابية رؤيتها واستشرافها وتحليلها، وخطابها السياسي والفكري والاقتصادي – الاجتماعي..

وفيما يلي النص الكامل للقاء المنشور في (سيريا نيوز):

• المحرر

كم كان مثيراً للاهتمام ترقب ردود الفعل والتعليقات التي وردت في موقع سيريانيوز تحديداً، في إطار التعليق على خبر تحدث عن نداء وجهه أحد «رجال الدين» السوريين إلى الرئيس بشار الأسد، يطالب فيه بفتح الحدود للمقاومة على جبهة الجولان السوري المحتل.

فلقد كان الانقسام واضحاً في شرائح المعلقين، بين محذر من مخاطر هكذا "انزلاق" ومن نتائجه التي قد تكون مدمرة على سورية، وخاصة في ظل غياب الاستعدادات والتجهيزات، وغياب «أوضاع داخلية صحية» تتناسب مع متطلبات المواجهة المباشرة مع إسرائيل.

وبين فريق هلل لتلك الدعوة، مشيراً إلى أهمية استغلال فرصة المواجهات المشتعلة مع إسرائيل على جبهتي لبنان وفلسطين، مطالباً بإتاحة الفرصة للسوريين، كي يدلوا بدلوهم، في عالم المقاومة ضد إسرائيل.

والحقيقة أن ذلك الانقسام يعكس في واقع الأمر انقساماً أوسع في المجتمع العربي عموماً، تتضح مظاهره في طبيعة ردود فعل الأنظمة العربية الحاكمة، وإن كانت معظم الشعوب العربية تبدي تعاطفاً وجدانياً عالياً مع المقاومة اللبنانية، وتترقب المواجهة القائمة حالياً متلمسة أي ملمح من ملامح النصر أو حتى مجرد الإذلال لإسرائيل، فيما يشير إلى رغبة وجدانية عارمة تجتاح مشاعر العامة من العرب وتتحرى أذيَّة إسرائيل، وكسر شوكتها، إلا أنه في المقابل، وحالما يتم الحديث جدياً عن فكرة فتح الحدود وانخراط جبهات أخرى في المواجهة، حتى تتضح حال الانقسام واضحة، وصريحة أحياناً، بصورة تنمذج المجتمع العربي عموماً، والسوري ضمنه، في فريقين، أحدهما متهيب من مخاطر هكذا مواجهة، ومن أثمانها الباهظة، ومن مخاطر الفشل والهزيمة، وفريق آخر، تموج في صدره رغبة عارمة في المواجهة والقتال، وإشباع غليل الرغبة في إذلال إسرائيل وكسر شوكتها.

ويبقى السؤال الهام في هذا الإطار: إن كانت مشاعر العامة من العرب متضامنة ومتعاطفة في غالبيتها مع حالة المقاومة ضد العدو الصهيوني، إلا أنها في غالبيتها أيضاً منقسمة حيال الانتقال من الشعور إلى الفعل، فما هو موقف النخب العربية، السياسية منها والثقافية، وهل تقرأ هذه النخب حالة المواجهة القائمة حالياً مع إسرائيل بصورة تتطابق مع تلك القراءات الشائعة في الشارع العربي؟

 هذا ما حاولنا الإجابة عنه في حوار موسع مع د.قدري جميل، أستاذ الاقتصاد والتخطيط في معاهد دمشق العليا، والناشط السياسي في تيار وحدة الشيوعييين السوريين، ورئيس تحرير جريدة قاسيون النصف شهرية السورية، وقد تناول حوارنا أبعاد المواجهة الراهنة على الجبهة اللبنانية والفلسطينية، والسيناريوهات المحتملة لتطورها أو تطويقها، والمناحي التي قد تتخذها، عموماً، وعلى الجانب السوري منه خصوصاً؟، وهكذا كان الحوار التالي:

بريجنسكي وقصة «قوس التوتر» في المنطقة

● لا يمكن لنا الخوض في غمار الحديث عن أبعاد العملية العسكرية الإسرائيلية المفتوحة حالياً على لبنان، قبل التساؤل عن تقييم عملية حزب الله التي أشعلت فتيل المواجهة الراهنة، من حيث التوقيت ومن حيث نوعية العمل (أسر الجنديين الإسرائيليين)؟.

د.قدري جميل: من جهة أولى فإنني أعتقد بأن عملية حزب الله جاءت في سياقها الطبيعي، فهي عمل مقاوم، قامت به قوة مقاومة، وقد كانت أحد مآثر عملية حزب الله تلك، أنها كشفت عن النوايا القريبة المدى، والبعيدة، المبيتة من جانب العدو، ذلك أن عدونا خبيث، لذا فإن استشراف نواياه ووضعها على قرون المعضلة، قضية ليست بالبسيطة، ورغم كل ما قيل في تقييم العملية، إلا أنني أعتقد بأن أحد أبعاد النجاح التكتيكي والاستراتيجي الذي حققه حزب الله في عمليته المذكورة، يكمن في أنه فرض إحداثيات المعركة من حيث التوقيت وطريقة التنفيذ، وأقصد هنا، أنه فرض إحداثيات المعركة المفروضة علينا حقيقةً، فحزب الله لم يخلق معركة غير قائمة فعلاً، وإنما كشف عن نوايا العدو المبيتة في إطلاق تلك المعركة، في وقت لم يكن العدو ينوي ذلك.

وفي هذا السياق، أوضح أنه كي نستطيع تفهم أبعاد عملية حزب الله وأهدافها وأهميتها، يجب علينا أن نأخذ بالحسبان مجموعة حقائق، منها أن هناك مخططاً أمريكياً مدعوماً صهيونياً لإعادة ترتيب المنطقة، الممتدة من أفغانستان مروراً ببحر قزوين، وصولاً إلى البحر المتوسط، وباب المندب جنوباً، وهو ما يندرج في إطار تنفيذ استراتيجية نظرية قديمة سبق أن وضعها، زبيغينو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، والتي حملت اسم «قوس التوتر»، وكإشارة هامة هنا يجب التوضيح بأن بريجنسكي ذاك، هو يهودي بولندي، وهو أحد أهم المنظرين الاستراتيجيين المؤثرين في المؤسسة (النخبة) الأمريكية الحاكمة، بشكل عام، وليس فقط في الإدارات الأمريكية المتغيرة.

بريجنسكي ذكر في أحد مؤلفاته منذ السبعينات من القرن الماضي، بأن ما بات يسميه بوش اليوم بـ «منطقة الشرق الأوسط الكبير»، هي منطقة حيوية للمصالح الأمريكية وهي بنفس الوقت منطقة توتر لأن الدول القائمة فيها متعددة الأديان والطوائف، ولإزالة التوتر والحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة، يجب تحويل الدول الموجودة فيها إلى دول أحادية الدين والطائفة، وهذا هو المخطط الذي تحاول اليوم أمريكا وإسرائيل تنفيذه، وهو ما تم البدء به في العراق، لكن التأزم الذي تعانيه قوى الاحتلال في العراق، والذي تعزز مع بروز محور واضح للممانعة ضد المخطط الأمريكي، عبر طهران، دمشق، وقوى المقاومة في فلسطين ولبنان، خلق أزمة للمخطط المذكور، تطلب تدخلاً إسرائيلياً مباشراً تظهر معالمه في فلسطين ولبنان الآن......

قصة «سايكس بيكو» و«الفيروسات البرمجية»

● لكن يجب الإشارة هنا إلى أن وسائل إعلام وجهات أكاديمية عديدة، تحدثت عن المخطط الذي رسمت معالمه آنفاً، والذي يقوم على فكرة مفادها، تهديم أسس الدول الوطنية القائمة حالياً في المنطقة، وإعادة تأسيس أخرى تقوم على فكرة أحادية الطائفة والدين.....

 وأود أن أوضح هنا إلى أن المخطط المذكور آنفاً بقي يتمتع بقوة نظرية عالية، لفترة طويلة، إلى أن اتضحت معالم الورطة الأمريكية البادية حالياً في العراق، فحينها، أخذ عدد كبير من المنظرين، ومنهم غربيون وأمريكيون، يتحولون إلى جهة التحذير من مخاطر تقسيم العراق، على أسس طائفية وعرقية، وما يعنيه ذلك من احتمالات الفوضى التي قد تعم في المنطقة، والتي قد تهدد بطبيعة الحال، المصالح الأمريكية والإسرائيلية أيضاً، إلى جانب مخاطر ظهور محاور إقليمية قوية ومتماسكة، ترتكز على أسس طائفية، وتزيد من قوة الأطراف الممانعة للمصالح الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما يتضح عبر تجربة شيعة العراق الذين تحالفوا مع إيران، الأمر الذي عزز من قوة تلك الأخيرة، وأبرز إلى الوجود، تحالفاً إيرانياً سورياً ممتداً إلى لبنان وفلسطين..

ولقد بات من الواضح أن الواقع القائم حالياً على الصعيد الشيعي، يدفعنا إلى تصور مثيل له على الصعيد السني، في حال تفكك الدول الوطنية القائمة حالياً، لذا فإذا نظرنا إلى نتائج المخطط الأمريكي المذكور على المدى البعيد، فإننا سنجد دولاً أكثر قوة وتماسكاً في المنطقة، وذلك بسبب انسجام مكوناتها العرقية والدينية الداخلية، مما يعني بالتالي ظهور قوى إقليمية أكثر قوة وتهديداً للمصالح الأمريكية - الإسرائيلية، من تلك القائمة حالياً، والتي تعاني من مشكلات عديدة على صعيد الانسجام الداخلي بين مكوناتها..

لذا وبناء على ما سبق، ألا تعتقد بأن المخطط الأمريكي الصهيوني السابق قد سقط قبل تطبيقه، نتيجة تجربة العراق، وهكذا بات من غير المجدي استخدامه كتفسير للسلوكيات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة؟

د.قدري جميل: يجب أن ألفت انتباهك هنا إلى أمر مهم وهو أن المخطط الأمريكي الصهيوني المذكور، يقوم في أحد جوانبه على فكرة إثارة فتنة واقتتال طائفي سني - شيعي، بصورة أساسية، في المنطقة، وذلك كمدخل لتقسيم المنطقة وإعادة تأسيس دولها على أسس طائفية، وهنا علينا أن نستذكر قضية هامة، ففي سايكس بيكو، حينما تم تقسيم المنطقة إلى دولها المعروفة حالياً، أدخل المخططون يومها، ما يمكن أن نسميه مجازاً «فيروسات برمجية» في تراكيب تلك الدول، لذا فإن تلك الدول لم تستقر ولم يستقر الشعور الوطني لدى مواطنيها، إلا بعد عدة عقود من تاريخ بدء تنفيذ التجربة، أي منذ عام 1920 حتى الخمسينات تقريباً، حين استقر الشعور الوطني بالانتماء للدول القائمة، كما استقرت علاقات الدول ذاتها ببعضها البعض، واتضحت المعادلات الإقليمية الحاكمة لموازين القوى في المنطقة، وهذا ما يتوقع المخططون الأمريكيون والإسرائيليون الآن، تكراره في التجربة الجديدة، إذ أنهم يتوقعون عقداً من الاحتراب والاقتتال الطائفي السني الشيعي بصورة أساسية، ومن ثم عقدين أو ثلاثة إلى حين استقرار حدود وملامح الدول الجديدة، ومن ثم عقداً آخر، ربما، حتى تستقر علاقات الدول الإقليمية ببعضها البعض، وتستقر المعادلات التي ستحكم موازين القوى في المنطقة، وهو ما يعني قرابة النصف قرن من عدم الاستقرار، سيؤمن لأمريكا سيطرة محكمة، لا تخضع لأي تهديد من أي قوة إقليمية أو دولية، على أهم عنصر يهم واشنطن في المنطقة، ألا وهو مصادر الطاقة.

 أمريكا تسابق الوقت قبل العام 2010

وأضيف هنا أنه لا يمكننا فهم عملية حزب الله، وفهم أبعاد المخطط الأمريكي الصهيوني والذي يندرج في إطاره ذلك الرد الإسرائيلي العنيف للغاية على العملية المذكورة، دون ربط كل ذلك بملامح الصراع الدولي القائم حالياً، بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وبين القوى الدولية الصاعدة، سواء كانت الاتحاد الأوروبي أو الصين أو الهند، أو حتى احتمالات تجدد القوة الروسية مرة أخرى. ذلك الصراع الدولي ينعكس بصورة واضحة على ملامح النشاط الأمريكي في المنطقة، ويكوِّن فعلياً الغاية من المخطط الأمريكي الصهيوني الذي يهدف في الخلاصة إلى السيطرة، سيطرة محكمة، على مصادر الطاقة في المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى المحيط الأطلسي، مروراً بإيران والعراق والسعودية، والذي تسعى أمريكا فيه إلى الخروج منتصرة، بما يحفظ لها المكانة الأولى في العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

ويجب أن أضيف في توضيح الفكرة السابقة، أن أي خطة تحتاج لنجاحها إلى عاملين، هدف وزمن، فهدف الخطة الأمريكية الصهيونية، هو تقسيم المنطقة، بهدف إحكام السيطرة على مصادر الطاقة، لحرمان القوى الدولية الأخرى المنافسة في العالم منها، أما الزمن الذي يحدد التاريخ الأقصى الواجب تنفيذ الخطة في إطاره، فهو العام 2010، فإن تجاوز العالم ذلك التاريخ، قبل أن تنجح أمريكا في إحكام السيطرة على مصادر الطاقة في العالم، وخاصة في «منطقة الشرق الأوسط الكبير»، فإن الصين والاتحاد الأوروبي قد تصبحان على طريق اللاعودة بتطورهما، وفق المعايير الاقتصادية، وهذا يعني أن أمريكا ستصبح وراءهما موضوعياً، وهكذا فإن أمريكا تسابق الوقت في سبيل تحقيق الغاية المذكورة آنفاً، أي السيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى المحيط الأطلسي بما في ذلك إيران والعراق والسعودية.

 لكن ما حصل لاحقاً هو أن المخطط الأمريكي – الصهيوني المذكور تعرض للعرقلة في العراق، وعانى من عرقلة أكبر على الصعيد الإيراني، مما دفع إسرائيل بتواطؤ مع أمريكا إلى استغلال عمليتي أسر الجنود الإسرائيليين على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية للتدخل مباشرة، وللبدء بتدمير أذرع المحور الممانع للمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، وأقصد هنا، المحور الإيراني - السوري، وأقصد بأذرعه، قوى المقاومة في لبنان وفلسطين.

عملية حزب الله...خطأ تكتيكي أم فهم لشروط اللعبة؟

● الحقيقة أنك تقدم فيما سبق تصوراً شمولياً للأمور، يربط بين عملية حزب الله في أسر الجنديين الإسرائيليين، ورد الفعل الإسرائيلي عليها، وبين صراع إقليمي – دولي قائم، وهو ربط هام وموضوعي دون شك، لكن ألا يمكننا أن نستنتج مما سبق، وبما يتوافق مع وجهات نظر أطراف عربية رسمية تحديداً، أن عمليتي أسر الجنود الإسرائيليين، من جانب حماس وحزب الله، منحتا إسرائيل الذرائع الكفيلة بتنفيذ جانب هام من المخطط المرسوم للمنطقة، أي أن عملية حزب الله تحديداً، كانت خطأً تكتيكياً استغله العدو الصهيوني بصورة تتناسب مع أجنداته المشتركة مع واشنطن؟

 د.قدري جميل: كنت قد ذكرت في بداية حوارنا بأن أحد أبعاد النجاح التكتيكي والاستراتيجي الذي حققه حزب الله في عمليته المذكورة، إنما يكمن في أنه فرض إحداثيات المعركة المفروضة علينا حقيقةً، فالانتصار العميق لضربة حزب الله تلك، أعاد المعركة إلى إحداثياتها الحقيقية، وسأشرح الآن معنى ذلك:

لقد بدأ المخطط الأمريكي الصهيوني في العراق، وحينما تعرض هذا المخطط للعرقلة والتعذر، انتقل في خطوة ثانية إلى سورية، حيث حاولت واشنطن إخضاع دمشق عبر قضية اغتيال الحريري، كما حاولت بالوسيلة نفسها، خلق أزمة سياسية داخلية حول حزب الله في لبنان، وذلك لمنع الأخير من التحرك في حال ضرب إيران، وهكذا بات من الواضح أن سورية ولبنان كانتا أهدافاً على طريق الهدف الرئيسي والنهائي ألا وهو إيران، وفي سبيل تحقيق مجمل هذه الأهداف، بدأت واشنطن بإدخال ثنائيات وهمية إلى وعي الشارع العربي، مثل (أنظمة مستبدة- تحرير ديمقراطي أمريكي)، وعلى هذا المنوال نسجت ثنائية (النظام – المعارضة) وذلك لإضعاف مواقف النظامين الحاكمين في سورية وإيران أمام شعبيهما، وفي السياق نفسه عملوا على إدخال ثنائية أخرى (شيعة – سنة) بغرض إبعاد أنظار شعوب المنطقة عن العدو الحقيقي، وإلهائها بمعارك جانبية تتيح لواشنطن حيزاً من الوقت لتحقيق غاياتها المرجوة، وهكذا تم افتعال الأزمة الشيعية- السنية في العراق، وقد حاولوا النسج على منوالها في لبنان وفي سورية أيضاً، وكانت الغاية النهائية من كل ذلك إلهاء شعوب المنطقة بما يبعد أنظارها عن الأهداف الرئيسية للمخطط الأمريكي الصهيوني، لكن ما حدث أن عملية حزب الله جاءت لتصوب نظرة الشعوب العربية إلى حقيقة الموقف في المنطقة، وإلى العدو الحقيقي القائم هنا، أي أنها أعادت تصويب بوصلة الانتباه لدى الشعوب العربية، بمختلف طوائفها وألوانها واتجاهاتها، إلى أن العدو المشترك هو إسرائيل ومن ورائها أمريكا، وهكذا دمرت عملية حزب الله معادلة أخيرة كانت واشنطن قد نجحت -إلى حد ما- في رسمها في وعي الشعوب العربية، تتلخص في عبارة (مع أو ضد النظام)، وأرجعتها إلى معادلة أسبق كانت أمريكا غير راضية عنها وتتلخص بعبارة (مع أو ضد أمريكا وإسرائيل).

وهكذا فإنني أعتقد بأن ضربة حزب الله تلك تشير إلى فهم لشروط اللعبة الإسرائيلية الأمريكية في المنطقة، فقد حاول حزب الله تحديد تاريخ لبداية المعركة، وعدم انتظار تاريخ أمريكي إسرائيلي لها، وخاصة أن حزب الله قد استشف من الرد الإسرائيلي العنيف على عملية أسر الجندي الإسرائيلي في غزة إلى أن إسرائيل مقبلة على مرحلة تسعى فيها إلى تدمير قوى المقاومة في فلسطين أولاً، ومن ثم في لبنان بطبيعة الحال ثانياً، وبالقوة العسكرية هذه المرة، بعد أن فشلت الوسائل السياسية، مما دفع الحزب إلى استباق الأمر، وفرض تاريخ لا يتناسب مع جدول الأعمال الإسرائيلي – الأمريكي.

أمريكا وإطلاق يد إسرائيل في المنطقة

أمريكا من جانبها تلعب اليوم كالمقامر، فإن لم تنجح في إحكام هيمنتها السياسية والعسكرية على المنطقة بما فيها إيران، قبل العام 2010، فسيكون هناك انهيار لدورها الأول في العالم، وهو ما دفعها إلى التوقف عن منع إسرائيل من التدخل، ورغم أن أمريكا تعلم أن التدخل الإسرائيلي المباشر في المنطقة، سيوحد الرؤى والمواقف الشعبية العربية على الأقل، ويؤدي بالثنائيات الوهمية التي عملت على ترسيخها في وعي الشعوب العربية في السنوات الماضية، إلى الانهيار، ومن ثم استعادة الثنائية القديمة التي تتمتع بقوة فاعلة على تحريض الشعوب العربية على المقاومة، (إما مع أمريكا وإسرائيل، أو ضدهما)، إلا أن ما دفع أمريكا إلى تجاهل ما سبق، هو أنها باتت في عجلة من أمرها، مما جعلها تكف يدها هي، لتطلق يد تل أبيب.

من جانبها فإن إسرائيل التي تنتظر حصة ضخمة من نتاج المشروع الأمريكي في المنطقة، قررت التدخل لتنفيذ المخطط المرسوم بصورة مباشرة، بعد فشل واشنطن في العراق، مما يعني أن عملية حزب الله فرضت على إسرائيل ومن وراءها أمريكا، الكشف عن نواياهما، فلأول مرة يأخذ حزب الله أسرى إسرائيليين، ولأول مرة ترفض إسرائيل التفاوض، مما يشير إلى وجود أجندات مسبقة لدى الصهاينة ومن وراءهم أمريكا.

ضعف نوعي في الأدوات الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية

● بناءً على رؤيتك السابقة، كيف تقرأ مستقبل المواجهة الراهنة، وهل تعتقد بأن موازين القوى العسكرية والسياسية التي تحتملها هذه المواجهة، تتيح فرصة لحزب الله لتحقيق النصر الذي يبتغيه، أم أنك ترجح أن تفرض تلك الموازين نتائج مغايرة، تستجيب لرغبات المنظرين في واشنطن وتل أبيب، وتتطابق مع مخاوف أطراف عربية اتهمت حزب الله بأنه مغامر، وهل يمكن أن يتسع نطاق المواجهة الراهنة ليشمل جبهات أخرى غير الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، ونقصد هنا سورية تحديداً، أم أنها ستبقى محصورة بالجبهات المفتوحة حالياً؟

د.قدري جميل: سأجيبك على هذا الحيز بالتذكير بتجارب النصف الثاني من القرن العشرين، والتي أثبتت بأن الطرف المنتصر دوماً هو الطرف الأضعف إن امتلك الإرادة السياسية، لأن الطرف الأقوى تكنولوجياً وعسكرياً، عادة ما يكون فاقداً للإرادة السياسية، فهو يدافع عن أشياء تفوق حاجته، لذا فإنه يكون الأسرع في التنازل عنها، في حين أن الأطراف المقاومة والأضعف، عادة ما تكون مدافعة عن الأرض والكرامة، وهي أشياء حياتية يصعب التنازل عنها، أو الحياة بدونها، وأمثلة المقاومة الفيتنامية ضد الغزو الأمريكي، والثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وتجربة حزب الله ذاته في جنوب لبنان خلال الثمانية عشر عاماً الماضية، كلها أمثلة تؤكد صحة تلك النظرية التي تقول بأن المقاومة والصبر عليها، يوصل في النهاية، رغم التضحيات، إلى هزيمة الطرف الأقوى، مهما عتا هذا الطرف بقوته.

المواجهة بين حزب الله وإسرائيل باتت اليوم نوعية في تطوراتها، وهنا أشير إلى أنه كلما تكررت عمليات نوعية لحزب الله، من مثال ضرب البارجة الإسرائيلية الذي تم في الأيام الأولى من المعركة، أو اتساع نطاق الأراضي الإسرائيلية المستهدفة بصواريخ حزب الله، كلما استرد المقاومون الثقة بأنفسهم، وكلما ازدادت حدة المقاومة وتعززت، وكلما ضعفت في المقابل ثقة العدو بنفسه وتراجعت رغبته في الاستمرار بمخططاته.

وفي هذا السياق أورد ملاحظة لفتت اهتمامي في الإعلام الغربي، فقد انتقد كثير من المراقبين الغربيين استهداف الآلة العسكرية الإسرائيلية للمدنيين في لبنان في حين بقيت خسائر المقاومة البشرية والميدانية محدودة، وتساءل العديد من المراقبين الغربيين كم بلغ عدد القتلى في صفوف مقاتلي حزب الله، مقابل عدد المدنيين الضخم الذي سقط في المواجهة حتى الآن، مما يعني أن الأدوات الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية، فشلت في تحديد وضرب مواقع وكوادر حزب الله، وهذا ما يشير إلى ضعف نوعي في أدوات العملية العسكرية الإسرائيلية، يهدد بفشلها في تحقيق أهدافها.

احتمالات عالية لاتساع نطاق المواجهة لتشمل الجبهة السورية

أما حول توقعاتي حول السيناريوهات المحتملة لتطور المعركة، فإني أعتقد بأنها ستكون حرباً طويلة متدرجة ومتدحرجة، أي أنها ستتوسع من حيث نوعية الأهداف والأدوات المستخدمة فيها، على الجبهتين اللبنانية والإسرائيلية، كما أنها تحتمل إمكانية عالية لأن تشمل جبهات أخرى، وهنا أقصد تحديداً الجبهة السورية.

وأضيف هنا، بأن الإسرائيليين بدؤوا منذ الأيام الأولى للمعركة، يدركون صعوبة تصفية حزب الله، وهو ما يزيد من احتمالات اتساع نطاق المواجهة، لتشمل الجبهة السورية، وذلك بحجة ضرب الإمدادات التي تصل الى حزب الله، الأمر الذي تعكسه تصريحات مقربين من السلطة في سورية حول احتمالات فتح جبهة الجولان، وتهديدات رسميين سوريين بأن سورية سترد على أي اعتداء إسرائيلي، إلى جانب تهديدات إيران بأن أي استهداف إسرائيلي لسورية، سيولد رداً إيرانياً، مما يثبت وجود قراءة من هذا النوع لدى دمشق وطهران.

أثمان المقاومة أبخس من أثمان الخنوع

● ألا تعتقد بوجود انقسام في الشارع العربي يعكس حالة خوف من مخاطر اتساع نطاق المواجهة، وأن شرائح واسعة من المجتمع العربي، ومن ضمنه السوري، تتهيب من فكرة المواجهة، واندلاع الاقتتال والحرب الشاملة على الجبهة السورية تحديداً، وإن كان ذلك موجوداً حقاً، ألا تعتقد بأنه يهدد جهود الفريق المنادي بالمواجهة، ومن ضمنه حزب الله، كما أنه يشير إلى احتمال تراخي الصمود الجماهيري والشعبي في لبنان اليوم، وربما في سورية مستقبلاً، في حال اتساع نطاق المواجهة؟

د.قدري جميل: هناك مثل فرنسي يقول: «تتولد الشهية مع البدء في الأكل»، لذا فإن المخاوف الموجودة لدى شرائح من مجتمعاتنا، من أثمان المقاومة الباهظة، سرعان ما ستتلاشى، بعد تلقي الصدمة الأولى، واستيعابها، وهو ما حصل الآن في لبنان ومن المتوقع أن يحصل في سورية في حال امتداد جبهة المقاومة إليها، فحينها سرعان ما سيتحول الشعور بالاستياء والخوف من اشتعال الاقتتال، إلى رغبة في المواجهة والانتقام من الصهاينة الذين يدمرون المعاني الجميلة في حياتنا، ويستهدفون أرضنا واستقرارنا.

وأريد أن أنوه هنا إلى ذكرى قديمة جديدة، وهي معركة ميسلون التي خرج فيها القائد يوسف العظمة لملاقاة الجيش الفرنسي الغازي، رغم أنه يعرف بأن موازين القوى لن تخدم معركته، وأنه سيخرج خاسراً، بل أنه سيخسر حياته نفسها، لكنه قرر المواجهة، كي لا يقال بأن دمشق احتلت دون مقاومة، وهنا أقدم قراءة خاصة لهذا الفعل وغاياته، إذ أنني أعتقد بأن يوسف العظمة كان يمتلك من بعد النظر ما دفعه إلى التفكير وفق المعادلة التالية:

كلما اشتدت المقاومة وتعززت، كلما قصر عمر الاحتلال، وبالتالي قلت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ البلاد، وهي خسائر أكثر أهمية وأثراً من الخسائر البشرية التي تولدها المواجهة ذاتها، وفي المقابل كلما ازداد الخنوع والخشية من المواجهة وأثمانها، كلما تمادى العدو وزادت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية على مستوى البلاد برمتها، لذا قرر يوسف العظمة تقديم أمثولة يحتذي بها السوريون من بعده، بضرورة المقاومة مهما كانت الأثمان، لأن أثمان المقاومة ستكون في كل الأحوال، أخفض من تلك التي قد تدفع في حال عدم المقاومة، وهذا ما يفسر روح المقاومة الشديدة التي تمتع بها الشعب السوري ضد الاحتلال الفرنسي، والتي جعلت عمر هذا الاحتلال من أقصر الأعمار في المنطقة.